المرأة في المحاكم العثمانية
القضية: "سألت الحرمة "دلال المرأة بنت حسن بن قاسم الرماح" وهي ربعة القامة مدورة الوجه ذهبية اللون مفروقة الحاجبين زوجها الشيخ محمد بن موسى أبي زيني الأزهري أن يخلعها من عصمته وعقد نكاحه خلعًا شرعيًّا ".
الزمان: 20 ذي القعدة سنة 994 هجرية.
المكان: محكمة الباب العالي العثماني - مصر.
هذه قضية من القضايا سجلتها سجلات محكمة الباب العالي بتاريخ 20 ذي القعدة سنة 994 هجرية ونلاحظ أن القاضي طلب حضور كل من الزوجة والزوج إلى المحكمة أمام القاضي عند طلب الطلاق، وحرصت المحكمة على التأكد من شخصية أطراف الدعوى، وخاصة أن المرأة هي التي تقدمت بطلب الطلاق منعًا لأي شبهة قد تتعلق بشخصية طالبة الطلاق، وهذا هو الركن الأول.
يوضح نص هذه الوثيقة أن الزوجة هي التي تقدمت برفع دعوى الطلاق من زوجها، وأن الإجراءات كانت تتطلب ذكر الاسم ثلاثيًّا منعًا للجهالة، ثم إضافة الأوصاف الخاصة التي تزيد من التأكد من شخصيتها وذلك حين تكون لها صفات جسمية مميزة أو شكل مميز، ثم تذكر الوثيقة اسم الزوج أيضًا ثلاثيًّا؛ منعًا للجهالة أيضًا، مع ذكر لقب الزوج المميز له والدال على مكانته الاجتماعية.
الركن الثاني من الوثيقة وهو تطبيق قواعد الخلع الذي طالبت به المرأة زوجها، وذلك تطبيقًا للشريعة الإسلامية حيث تقدم المرأة للزوج ما يقبله مقابل القيام بخلعها، وبالتالي تطليقها وفقًا للتراضي بينهما وأمام القاضي تأكيدًا لهذا الخلع، ونصت الوثيقة على أن الزوجة طلبت الخلع مقابل التنازل عن مؤخر صداقها، وما تجمد لها من نفقة على الزوج، وذلك على باقي صداقها عليه الشاهد به كتاب الزوجية بينهما، وعلى ما تجمد لها عليه من الكسوة إلى تاريخه، ثم أقر كل من الزوجين الإقرار الشرعي أنه لا يحق على الآخر حقًا مطلقًا ولا صداق ولا فضة.
والركن الثالث في الوثيقة ويتضمن شهادة الشهود على هذا الخلع وما ارتبط به من اتفاق، وذلك بحضور أقارب الزوجة، فضلاً عن شهود المحكمة، وأصدر القاضي حكمه بطلاق دلال بنت حسن من زوجها محمد بن موسى بناءً على طلبها.
وتكشف وثائق الزواج الدقة الكاملة في تحرير العقود وذلك بما يكفل سلامة العقود، ومن نماذج وثائق الزواج التي تم إجراؤها بمحكمة الباب العالي بالقاهرة:
وثيقة زواج: بتاريخ 11 شعبان سنة 1013 هجرية، وتتضمن تلك الوثيقة ثلاثة أركان أساسية لها دورها في إتمام عقد الزواج.
فالركن الأول يشمل تحديد شخصية طرفي التعاقد وهما الزوج والزوجة، والصداق، ووكيل الزوجة حيث تؤكد نصوص الشريعة الإسلامية على وجود وكيل للزوجة عند إتمام عقد الزواج، وهو أمر يحقق للمرأة كما يقرر الفقهاء توفير ركن الحياء لها وكرامتها.. فضلاً عما يحمله وجود الولي من تكريم أسرة المرأة المتزوجة. ونصت أيضًا الوثيقة على وجود الشهود.. وتتضمن الوثيقة أيضًا عددًا من الأركان المهمة منها ما نصت عليه من ذكر اسم الزوج والزوجة ثلاثيًا بما ينافي الجهالة.
والركن الثاني الذي تتضمنه الوثيقة وهو الإيجاب والقبول اللذان يستدل بهما على توافق الرغبتين واجتماعهما على عقد الزواج المعين، والإيجاب سواء أصدر عن ولي الزوجة أم من الزوج، ونصت الوثيقة على هذا الركن بعد ذكر الصداق، وأن وكيل الزوجة قبض مقدم الصداق ومن ثم زوجها له بذلك وكيلها المذكور أعلاه تزويجًا شرعيًّا، وقبله الزوج المذكور أعلاه لنفسه على ذلك قبولاً شرعيًّا.
والركن الثالث من أركان عقد الزواج يؤكد قيام الزوج بالعمل على حسن العشرة مع زوجته، وتوفير أسباب الراحة المادية والمعنوية لها، والعمل أيضًا على إثبات حسن النية في مراعاة العشرة مع زوجته بتأمينها طبقًا لشروطها التي أتاحتها لها تعاليم الإسلام السامية.
فنصت الوثيقة في عقد الزواج على أن الزوج "قرر لها (لزوجته) بدلاً عن كسوتها الشرعية لها عليه مبلغ كل شهر من تاريخه (عقد الزواج)، من الفضة الأحمدية ثمانية أنصاف" أي مبلغ من النقود ثابت تأخذه عند مطلع كل شهر هجري.
- ونصت الوثيقة بعد ذلك على أن الزوج قبل راضيًا شروط زوجته لضمان حسن العشرة لها "أي لزوجته" على نفسه برضاه، ومن شروط الزوجة التي وردت بالعقد أنه متى ضربها ضربًا مبرحًا يظهر أثره على جسدها، أو نام خارجًا بغير منزلها ثلاث ليال متوالية بغير ضرورة شرعية، أو سافر وتركها مدة أربعة أشهر وهي بلا نفقة ولا منطق، وثبت ذلك عليه أو شيء منه بطريق شرعي، وأبرأته زوجته المذكورة في ربع دينار من باقي صداقها عليه تكون حين ذلك طالقًا طلقة واحدة تملك بها نفسها تطليقًا شرعيًّا.
ويؤكد هذا الركن الثالث من أركان عقد الزواج الذي تم إبرامه في محكمة الباب العالي في القاهرة على مدى الاحترام الذي نالته المرأة، وما قرره العقد لها من ضمانات، وخاصة فيما يتعلق بالجانب المعنوي من حياتها، وأن الأزواج كما تقرر في العقد قبلوا شروط أزواجهن عن طيب خاطر، وهي الروح التي نصت عليها التعاليم الإسلامية.
وتعتبر سجلات المحاكم الشرعية المحفوظة في دار الوثائق القومية بالقاهرة سجلاً حافلاً لتطبيق الشرع الشريف العادل في قضايا المرأة المختلفة، حيث يتضح من استقراء عقود الزواج أن عقود الزواج التي تم إبرامها بالمحكمة الشرعية كانت لشتى فئات المجتمع من عامة الشعب على حد سواء، وكذلك لطوائف الجند العثماني المقيمين بالبلاد. هذا فضلاً عن الجالية التي وفدت إلى مصر ومعظمها من الشام والمغرب والسودان.
وهو ما يوضح أن المجتمع في ذلك العصر لم يكن يفرق بين الناس على أساس موطنهم الذي ولدوا فيه، بل الكل صُهر في بوتقة الإسلام؛ ليشكلوا المجتمع المسلم، وتؤكد عقود الزواج وتنوعها أيضًا حيوية المجتمع المسلم في مصر وسلامة بنائه الاجتماعي في ظل الشريعة الإسلامية وتطبيق تعاليمها على أسس من المودة، وذلك في جانب من أهم جوانب الحياة وهو الأحوال الشخصية، الأمر الذي جعل من الأسرة المصرية نموذجًا عاليًا في الترابط والتماسك، وهو ما تأصلت معالمه على امتداد العصر العثماني، وبهر العالم الأوروبي حين اتصل بمصر في مطلع العصر الحديث.
قالوا: "إن المرأة كم مهمل في المجتمع المسلم".. وقالوا أيضًا: "إنها تعامل كالجواري" … ورددوا أنها تعيش في ظلمات الرجال - وأنها يجب أن تخرج إلى النور وعصر التنوير.
وترد وثائق المحاكم الشرعية العثمانية والآثار العمرانية للمرأة المسلمة والحقائق التي سجلها المؤرخون والرحالة المسلمون والإفرنج على المستغربين ردًا لا يحتاج إلى تعليق، فلا ينكر الوثائق الدامغة التي تسجل الحياة اليومية للمجتمع إلا من كان أعمى النظر والعقل والقلب؟!
الزمان: 20 ذي القعدة سنة 994 هجرية.
المكان: محكمة الباب العالي العثماني - مصر.
هذه قضية من القضايا سجلتها سجلات محكمة الباب العالي بتاريخ 20 ذي القعدة سنة 994 هجرية ونلاحظ أن القاضي طلب حضور كل من الزوجة والزوج إلى المحكمة أمام القاضي عند طلب الطلاق، وحرصت المحكمة على التأكد من شخصية أطراف الدعوى، وخاصة أن المرأة هي التي تقدمت بطلب الطلاق منعًا لأي شبهة قد تتعلق بشخصية طالبة الطلاق، وهذا هو الركن الأول.
يوضح نص هذه الوثيقة أن الزوجة هي التي تقدمت برفع دعوى الطلاق من زوجها، وأن الإجراءات كانت تتطلب ذكر الاسم ثلاثيًّا منعًا للجهالة، ثم إضافة الأوصاف الخاصة التي تزيد من التأكد من شخصيتها وذلك حين تكون لها صفات جسمية مميزة أو شكل مميز، ثم تذكر الوثيقة اسم الزوج أيضًا ثلاثيًّا؛ منعًا للجهالة أيضًا، مع ذكر لقب الزوج المميز له والدال على مكانته الاجتماعية.
الركن الثاني من الوثيقة وهو تطبيق قواعد الخلع الذي طالبت به المرأة زوجها، وذلك تطبيقًا للشريعة الإسلامية حيث تقدم المرأة للزوج ما يقبله مقابل القيام بخلعها، وبالتالي تطليقها وفقًا للتراضي بينهما وأمام القاضي تأكيدًا لهذا الخلع، ونصت الوثيقة على أن الزوجة طلبت الخلع مقابل التنازل عن مؤخر صداقها، وما تجمد لها من نفقة على الزوج، وذلك على باقي صداقها عليه الشاهد به كتاب الزوجية بينهما، وعلى ما تجمد لها عليه من الكسوة إلى تاريخه، ثم أقر كل من الزوجين الإقرار الشرعي أنه لا يحق على الآخر حقًا مطلقًا ولا صداق ولا فضة.
والركن الثالث في الوثيقة ويتضمن شهادة الشهود على هذا الخلع وما ارتبط به من اتفاق، وذلك بحضور أقارب الزوجة، فضلاً عن شهود المحكمة، وأصدر القاضي حكمه بطلاق دلال بنت حسن من زوجها محمد بن موسى بناءً على طلبها.
وتكشف وثائق الزواج الدقة الكاملة في تحرير العقود وذلك بما يكفل سلامة العقود، ومن نماذج وثائق الزواج التي تم إجراؤها بمحكمة الباب العالي بالقاهرة:
وثيقة زواج: بتاريخ 11 شعبان سنة 1013 هجرية، وتتضمن تلك الوثيقة ثلاثة أركان أساسية لها دورها في إتمام عقد الزواج.
فالركن الأول يشمل تحديد شخصية طرفي التعاقد وهما الزوج والزوجة، والصداق، ووكيل الزوجة حيث تؤكد نصوص الشريعة الإسلامية على وجود وكيل للزوجة عند إتمام عقد الزواج، وهو أمر يحقق للمرأة كما يقرر الفقهاء توفير ركن الحياء لها وكرامتها.. فضلاً عما يحمله وجود الولي من تكريم أسرة المرأة المتزوجة. ونصت أيضًا الوثيقة على وجود الشهود.. وتتضمن الوثيقة أيضًا عددًا من الأركان المهمة منها ما نصت عليه من ذكر اسم الزوج والزوجة ثلاثيًا بما ينافي الجهالة.
والركن الثاني الذي تتضمنه الوثيقة وهو الإيجاب والقبول اللذان يستدل بهما على توافق الرغبتين واجتماعهما على عقد الزواج المعين، والإيجاب سواء أصدر عن ولي الزوجة أم من الزوج، ونصت الوثيقة على هذا الركن بعد ذكر الصداق، وأن وكيل الزوجة قبض مقدم الصداق ومن ثم زوجها له بذلك وكيلها المذكور أعلاه تزويجًا شرعيًّا، وقبله الزوج المذكور أعلاه لنفسه على ذلك قبولاً شرعيًّا.
والركن الثالث من أركان عقد الزواج يؤكد قيام الزوج بالعمل على حسن العشرة مع زوجته، وتوفير أسباب الراحة المادية والمعنوية لها، والعمل أيضًا على إثبات حسن النية في مراعاة العشرة مع زوجته بتأمينها طبقًا لشروطها التي أتاحتها لها تعاليم الإسلام السامية.
فنصت الوثيقة في عقد الزواج على أن الزوج "قرر لها (لزوجته) بدلاً عن كسوتها الشرعية لها عليه مبلغ كل شهر من تاريخه (عقد الزواج)، من الفضة الأحمدية ثمانية أنصاف" أي مبلغ من النقود ثابت تأخذه عند مطلع كل شهر هجري.
- ونصت الوثيقة بعد ذلك على أن الزوج قبل راضيًا شروط زوجته لضمان حسن العشرة لها "أي لزوجته" على نفسه برضاه، ومن شروط الزوجة التي وردت بالعقد أنه متى ضربها ضربًا مبرحًا يظهر أثره على جسدها، أو نام خارجًا بغير منزلها ثلاث ليال متوالية بغير ضرورة شرعية، أو سافر وتركها مدة أربعة أشهر وهي بلا نفقة ولا منطق، وثبت ذلك عليه أو شيء منه بطريق شرعي، وأبرأته زوجته المذكورة في ربع دينار من باقي صداقها عليه تكون حين ذلك طالقًا طلقة واحدة تملك بها نفسها تطليقًا شرعيًّا.
ويؤكد هذا الركن الثالث من أركان عقد الزواج الذي تم إبرامه في محكمة الباب العالي في القاهرة على مدى الاحترام الذي نالته المرأة، وما قرره العقد لها من ضمانات، وخاصة فيما يتعلق بالجانب المعنوي من حياتها، وأن الأزواج كما تقرر في العقد قبلوا شروط أزواجهن عن طيب خاطر، وهي الروح التي نصت عليها التعاليم الإسلامية.
وتعتبر سجلات المحاكم الشرعية المحفوظة في دار الوثائق القومية بالقاهرة سجلاً حافلاً لتطبيق الشرع الشريف العادل في قضايا المرأة المختلفة، حيث يتضح من استقراء عقود الزواج أن عقود الزواج التي تم إبرامها بالمحكمة الشرعية كانت لشتى فئات المجتمع من عامة الشعب على حد سواء، وكذلك لطوائف الجند العثماني المقيمين بالبلاد. هذا فضلاً عن الجالية التي وفدت إلى مصر ومعظمها من الشام والمغرب والسودان.
وهو ما يوضح أن المجتمع في ذلك العصر لم يكن يفرق بين الناس على أساس موطنهم الذي ولدوا فيه، بل الكل صُهر في بوتقة الإسلام؛ ليشكلوا المجتمع المسلم، وتؤكد عقود الزواج وتنوعها أيضًا حيوية المجتمع المسلم في مصر وسلامة بنائه الاجتماعي في ظل الشريعة الإسلامية وتطبيق تعاليمها على أسس من المودة، وذلك في جانب من أهم جوانب الحياة وهو الأحوال الشخصية، الأمر الذي جعل من الأسرة المصرية نموذجًا عاليًا في الترابط والتماسك، وهو ما تأصلت معالمه على امتداد العصر العثماني، وبهر العالم الأوروبي حين اتصل بمصر في مطلع العصر الحديث.
قالوا: "إن المرأة كم مهمل في المجتمع المسلم".. وقالوا أيضًا: "إنها تعامل كالجواري" … ورددوا أنها تعيش في ظلمات الرجال - وأنها يجب أن تخرج إلى النور وعصر التنوير.
وترد وثائق المحاكم الشرعية العثمانية والآثار العمرانية للمرأة المسلمة والحقائق التي سجلها المؤرخون والرحالة المسلمون والإفرنج على المستغربين ردًا لا يحتاج إلى تعليق، فلا ينكر الوثائق الدامغة التي تسجل الحياة اليومية للمجتمع إلا من كان أعمى النظر والعقل والقلب؟!


















