مدارك: بوابة الثقافة والفكر الإسلامي المعاصر "إصدار تجريبي"
أرسل لصديق ||

مشاهد من زيارتي إلى غزة

   عند نقطة مرور المعبر البرى "رفح" وعلى الجانب الفلسطيني بعد خروجي من الجانب المصري، رأيت العلم الإسرائيلي "الكريه" يرفرف على عامود يحتل موقع الصدارة، وأعلى كثيرًا من العامود الذي يحمل العلم الفلسطيني، والذي بدا لي متواريًا بالمقارنة. انقبض قلبي وأنا أحدق في "النجمة"، واسترجعت في لحظة كل البشاعات الماضية المخزونة في ضميري منذ الصغر والتي شببت عليها.
هل صحيح أنني وجهًا لوجه مع هذه الراية الخبيثة التي طالما رأيتها على شاشات الأخبار؟! كيف وأنا أطأ أراضي فلسطينية مستقلة قالوا لنا أنها تقع تحت سيطرة السلطة الفلسطينية؟!
تحول انقباض القلب إلى فوران غضب ممزوج بغثيان حقيقي في أحشائي، وأنا أرقب جنودًا إسرائيليين يروحون ويجيئون في هذه المنطقة الحدودية بين الجانبين بحرية عامة وراحة من يتجول في بيته، ثم جنودًا آخرين شاهرين أسلحتهم على جانبي الطريق الذي تسير فيه "الحافلة" وهي تحمل المسافرين؛ والتي لا يُسمح لها بالتحرك وعبور مسافة الكيلو متر هذه إلا بعد إشارة منهم!!
داخل "الحافلة" كنت المصرية الوحيدة وسط عشرات من الفلسطينيين والنساء الفلسطينيات خاصة اللاتي كن يجرجرن مع أطفالهن وذويهن حقائب وأثقالاً لا حصر لها.. وعلب زيت زيتون وجبن "قريش" بكميات كبيرة، ينقلنها من مكان إلى مكان عند منطقة الجوازات والمعبر وإلى "الحافلة" ومنها، وإلى منطقة تفتيش الجمارك.. إلخ حتى تعبت من مجرد متابعتهن بنظري. ولما سألت عرفت أنهن يشترين هذه المواد الغذائية من العريش لأنها أرخص إلى حد ما، ويتكبدن هذه المشاق أسبوعيًا حتى يبعنه داخل القطاع على أمل الحصول على قروش قليلة من الربح تعينهن على شظف العيش، خاصة أن نسبة البطالة في غزة قد وصلت إلى معدلات مخيفة.
تناول الضابط الفلسطيني جواز سفري، وتصريح السلطة الفلسطينية الذي حصلت عليه للدخول إلى غزة (حتى لا يدنس جواز سفري أي ختم إسرائيلي)، وحمدت الله أننى لن أضطر للتعامل أو النظر في وجه أي جندي إسرائيلي.
من وراء ضابط الجوازات الفلسطيني الذي يجلس على منصة في استقبال المسافرين غرفة من الزجاج "المدخن" الأسود فلا يستطيع المرء تبين من بالداخل بالضبط أول وهلة، ولكن عندما فتح الضابط الفلسطيني ما يشبه "الشباك" ليضع الجواز فيه ويقفله حتى يصل إلى أناس بالداخل، أدركت أن ضباطًا مفتشين إسرائيليين يجلسون متخفين وراء هذا الزجاج المعتم وكأنها تمثيلية يشارك فيها الجميع، وهم يفحصون كل الجوازات ويمررونها على وسائل أمنهم وتفتيشهم وحاسباتهم الإلكترونية قبل الموافقة النهائية على المسافر وقبل إعطاء الإشارة إلى الضابط الفلسطيني وتسليمه الجواز مرة أخرى حتى يضع عليه ختم السلطة الفلسطينية، كما أن لديهم الفرصة السانحة لفحص المسافر نفسه على الطبيعة من وراء هذا الزجاج! أي مهانة وأي ذل!!
خرجت أخيرًا إلى الرصيف الخارجي لأستقل سيارة أجرة كبيرة مع عدد من هؤلاء النساء الفلسطينيات الذاهبات إلى غزة أيضًا ..عائدات إلى أسرهن وأطفالهن، كان الوقت ليلاً والسيارة تتوقف في مناطق مختلفة لتنزل منها كل راكبة، في مدينة غزة وقبل أن نصل إلى الساحل حيث الفندق الذي كنت سأنزل به، انحرفت السيارة من الشارع الإسفلتي فجأة لتدخل إلى "خرابة" رملية ترابية حالكة الظلام، وسمعت صوت السيدة بجانبي تعطي السائق توجيهًا بالتوقف "هنا" وسط الخرابة، وبجانب كشك من رقائق الصفيح مغطى ببقايا الثياب الرثة، وعيدان نبات وشجر يصنع ما يشبه سقفًا! تساءلت السيدة وهي تهم بالخروج من السيارة وبطبيعة تامة: "لا أرى أو أسمع حسًا للأولاد.. هل ناموا بدري الليلة أم أن "أبو عمار" قام بترحيلهم (ضحكة مريرة)؟"
ولم تكمل سؤالها حتى بدأت أتبين في الظلام مصباحًا باهتًا داخل الكوخ وأطفالاً تزيح بأيديها الثياب المعلقة وتجري في استقبال الأم .كانوا حفاة بأقدام متربة. كما ظهر الأب -منكسرًا، ومع ذلك كانوا فرحين بعودة الأم وأخذوا يساعدونها في حمل أثقالها ونقلها من السيارة إلى الكوخ.
انخلع قلبي على ما رأيت، وانتابني شعور بالخجل والكمد وتساءلتُ: إلى متى سيتحمل الشعب الفلسطيني كل هذا الذل.. وكل هذا الظلم؟
في اليوم التالي كان لي موعد مقدر في مخيم "النصيرات"، عرضت عليَّ إحدى الحاضرات في جلسات المؤتمر (الذي سافرت إلى غزة لأشارك فيه) أن تصحبني إلى النصيرات، وهو يعد أكبر مخيم في القطاع حتى أرى بنفسي حال الناس وحياتهم. فهي منطقة سكنية فقيرة تتكون من شوارع وأزقة ضيقة (تم رصف بعضها منذ سنوات قليلة فقط على يد السلطة الفلسطينية)، وبيوت حجرية من طابق واحد أو طابقين، رغم أن الحياة تبدو وكأنها تمضي في طبيعية - الأسواق والدكاكين والبيع والشراء والأطفال يجرون هنا وهناك- إلا أن الملاحظ أن هدوءاً حزينًا يخيم على المكان.
لا توجد ضوضاء كثيرة أو أصوات عالية حتى الأطفال في لعبهم لا يرتفع لهم صوت، الوجوه مستسلمة صامتة غير باسمة... وعلى جدران الأسوار والبيوت سجل الناس بأيديهم وبنقش "الطباشير" الأسود أو الأبيض أسماء شهدائهم في الانتفاضة، ورسمًا هنا وهناك يمثل شبابًا سقطوا صرعى رصاص الإسرائيليين؛ هذا وجه لشاب كان في السادسة عشر من عمره.. فلان من دار فلان من أول شهداء الانتفاضة، وهذا آخر كان قرة عين أمه وأبيه وكبير أخوته .. سقط هنا بجانب هذا السور.. اختلط نزيف دمه بتراب هذه الساحة التي نقف بها قبل أن ينقلوه إلى عيادة الطوارئ هذه (التي كانت تستقبل العشرات من الشباب والأطفال يوميًا) حيث توفي.
وهذا رسم لشاب شهيد آخر واسمه واسم عائلته التي جاءت بأكثر من شهيد وأكثر من ابن لها، وجدت نفسي محاطة بذكرى حية لهؤلاء الأبناء والشباب، وأوجعني قلبي وأنا أفكر بأمهاتهم فتذكرت ابني الأكبر الذي لا يزيد عمره عنهم تقريبًا وألجمني الصمت.
قالت رفيقتي: "الشاب عمر الذي يقود الحافلة بنا في أنحاء المخيم .. استشهد أخاه وابن عمه في يوم واحد" اختلست النظر إلى عمر. وجه صامت حزين، لا يتناسب الهم المرسوم على وجهه مع سنوات عمره، ومن أين يأتي الفرح والبهجة.. وذكرى شهدائهم محفورة داخل نفوسهم ومنقوشة على جدرانهم أينما ألقوا ببصرهم؟! هل جنوا حقًا ثمار تضحياتهم الباهظة؟!
أخذتني رفيقتي إلى المسجد الذي كنا نقف بساحته، ملحق به في الطابق الثاني مقر الجمعية الإسلامية بالنصيرات، ومكتبة للأطفال ودار أيتام ومركز ومدرسة لتحفيظ القرآن للصغار (يقوم بهذا - ما شاء الله- شابتان حافظتان في عمر الزهور ولقد انشرح قلبي وأنا أتعرف على أنشطتهما وخدماتهما الاجتماعية المتشعبة داخل المخيم التي يقومان بها بكل جدية وحبور في نفس الوقت).
كما زرت مركز "الزهراء" التابع"للجمعية الإسلامية" الذي يقدم خدمات تأهيل ودورات تدريبية للنساء في نواحٍ مختلفة؛ وهو مركز تجمع لحلقاتهم أو دروسهم وخلافه. ولا أستطيع أن أصف دفء الترحيب وكرم الاستقبال الذي كنت أقابل به أينما ذهبت خلال زيارتي القصيرة لغزة عندما يعلم الناس أنني مصرية فمصر بالنسبة للكثيرين هناك لا تزال الرمز والأمل، هي الأمل ورفيقة الدرب، يسألونني عنها وعن أحوالها باهتمام وشوق كمن يسأل عن قريب عزيز عليه.
ولا يفوت أحد أن يذكر لي ما يسمونه جميعًا "بيت الحاكم المصري" الذي لا يزال قائمًا ومعروفًا لديهم منذ أن كانت غزة تحت الإدارة المصرية، والشارع الذي به لا يزال يحمل اسم "شارع الحاكم المصري" وهذا مثال واحد فقط على كم الوشائج التي يستشعرها الناس هناك بين القطاع ومصر، فمعظمهم إما متزوجون من مصر أو لهم أقارب وعائلات ممتدة بمصر.
قطعت بعد أيام قليلة رحلة العودة الشاقة مارة بنفسي المسار الحزين ونفس المراحل ونقاط التفتيش، وهي رحلة تولد الإحساس بالاختناق لأن كل خطوة محسوبة وكل خطوة هنا أو هناك تستلزم تصريحًا وطلبًا ورجاءً وموافقة (أو رفض) وإبداء أسباب.. إلى آخره.
تذكرت ما كانوا دائمًا يقولونه لي أثناء إقامتي: "ما عانيتِ منه من إجراءات التنقل والسفر عند دخولك إلى غزة أو خروجك منها كزائرة نعانيه نحن الفلسطينيون كل يوم في حياتنا داخل بلادنا".
أحببت غزة : بناسها وساحلها، بأطفالها ومخيماتها، بحزنها وكفاحها، بتدين أهلها وتعلقهم بالأمل وعدل ..الله

  أستاذ مساعد الأدب الإنجليزي - جامعة القاهرة