الجهاد كفعل مرئي
الصراع.. تاريخًا ومستقبلاً
ولعل ذلك ما سنستوضحه من خلال فيلمي "انتصارات العيد" و"جحيم الروس3" اللذين يوضحان سير العمليات ضد الاحتلال الروسي في الشيشان. فالفيلمان عند مشاهدتهما يتضح لدينا أن كلا منهما ينقسم إلى مجموعة من العناوين التي يندرج تحتها مجموعة من المشاهد المسجلة، ففي فيلم انتصارات العيد نجد أن العناوين التي به ما هي إلا أسماء المناطق أو المدن التي جرت فيها عمليات المقاومة والقتال لتحريرها، مثل مدينة أراجون، أو قدرميس. كذلك يندرج تحت عنوان المنطقة مسمى العملية، مثل القافلة الأولى أو الثانية، فتسلسل بناء الفيلم السردي خاضع لمسميات المواقع التي جرت فيها العملية الجهادية، خاصة أن الفيلم مُهدى إلى المسلمين كافة قبيل عيد الفطر (انتصارات العيد).
أما الفيلم الثاني (جحيم الروس3) فهو يتناول الموضوع الشيشاني من مفهوم أوسع بصريًا، دمجت من خلاله العملية القتالية. فالفيلم أيضًا مبني على مجموعة من العناوين مثل عنوان حرب الألغام وعلى الطريق، وقبل ذلك وفي البداية يقدم عرضًا للفظائع التي ارتكبها الجيش الروسي في الأرض الشيشانية، مثل قتل الأطفال وتشوهاتهم، واستعراض بقايا الجثث البشرية التي هي سبب في إلحاق العناوين السابق ذكرها (الممارسة الجهادية) كنتيجة لما ارتكبه الجيش الروسي، فهذا الفيلم لم يستعرض أية عمليات قتالية إلا في البداية، وهي عبارة عن لقطات (فوتومونتاج) سريعة لعمليات سابقة، إلا أن الهدف الأكبر والأهم من الفيلم هو تقديم الأسانيد والأسس الشرعية لتفعيل فريضة الجهاد.
ومما سبق نستنتج أن الفيلمين يتحدثان عن عدالة القضية، بداية من البعد الديني حتى المستوى الدولي القانوني، وذلك على الرغم من تصريح الأمم المتحدة بأن القضية شأن داخلي روسي، إلا أن منبع الدلالات والمفاهيم داخل الفيلم: لا يأتي من كون الفيلم يتحرك من مرجعية دينية اتخذت فريضة الجهاد منهجًا عامًّا في مقاومة الحملة الروسية فقط على الشيشان، ولكنه يأتي من كون الفيلم تسجيلا بصريًّا لعمليات وحياة المجاهدين العرب أساسًا، إلى جانب جنسيات المجاهدين من الدول الإسلامية الأخرى، الذين بدءوا حياتهم الجهادية في أفغانستان، مثل رجب خطاب رحمه الله، الذي يظهر بوضوح كقائد للكتيبة العربية في فيلم انتصارات العيد، ولعل ذلك ما يقدم المفهوم الجهادي بشكل عام، وليس خاصًّا بالشأن الشيشاني فقط، بل إنه خاص بالمسلمين أجمعين، فالحالة المصورة والمعروضة خاصة بـ (الشيشان)، ولكن المقصود بها (العالم الإسلامي)، وذلك من تاريخ الكتيبة إلى تعدد الجنسيات بالنسبة للمجاهدين، ومن البداية بالنص الديني عامة الذي يجمع الأمة على مصير وهدف واحد.
لذلك فالفيلمان هنا مناسبة أو شكل من الصورة يصلح من خلاله طرح قضايا العالم الإسلامي المتعلقة بعمليات الاحتلال، وبالتالي طرح سبيل المواجهة الفعال من خلال الجهاد كمفهوم عام لحياة المسلم يكون القتال جزءا منه، لذلك فحالة المسلمين في الأماكن المحتلة واحدة مع تغيير المسمى الجغرافي فقط.
فالصورة هنا ما هي إلا وسيط دلالي بصري محمّل بكمية من المدلولات والمفاهيم الإحالية التي من ظاهرها بسيطة، مثل المقولات الدينية أو الشعارات الصوتية المصاحبة، إلا أنها على الرغم من صراحتها قائمة على بناء معرفي دافع ومركب ومجازي، فالعمل المرئي المقدم هنا هو دلالة على اللامرئي، والذي بدوره سيؤثر على طرق تناولنا لهذين الفيلمين، وذلك من خلال عملية تحليلهما، وذلك بتتبع المواقع الدلالية المتعددة التي تقرعها وتحيل إليها الصورة كمستوى ظاهر يحيل إلى باطن عميق ومتراكم ومتعدد. فالصورة هنا مقدَّمة على أساس أنها وقائع حية مسجلة من وجهة نظر، وبالتعرض لها سيتم تصنيفها على أساس أنها (كما هي في الفيلمين) صورة دعائية، أي أنها تقوم بالدعاية للأفكار المحملة بها، ولعل ذلك جائز على المستوى التصنيفي الظاهر، وهذا بالإضافة إلى كونها محملة بالأخبار المحجوبة أو غير المعلنة عن خسائر الجانب الروسي المتكاثرة، وذلك أيضًا مندرج داخل الإطار الدعائي، إلا أن هناك بعدا تصنيفيا آخر هو كون الفيلم أو الصورة منوطًا بها الوظيفة الدعوية داخل إطار العالم الإسلامي، ولعل ذلك ما سنتعرض له، ولكن بعد أن نعرج على تاريخ الصراع الدائر في هذه البقعة من العالم الإسلامي، وكذلك الإلمام بالرؤية المستقبلية، والدور المتوقع أن تقوم به في الفترة القادمة من تاريخ المنطقة والعالم، ولعل المدخل التاريخي يجعلنا نستعرض الأسباب الكامنة وراء تفجر الصراع في تلك المنطقة، وخاصة الشيشان، وفي الوقت نفسه التعرف على الأسباب التي جعلت روسيا تقوم بهتك المعاهدة بينها وبين الشيشان، والتي كانت الشيشان على أساسها ستعلن استقلالها عن الكيان الروسي كجمهورية إسلامية مستقلة.
|
|
لعل الحرب الدائرة في الشيشان الآن ليست بالأمر الحادث أو العارض الجديد في تاريخ العلاقات الشيشانية الروسية، فتاريخ العلاقات مليء بالنزاع والقلاقل والمقاومة ضد محاولات روسيا الاحتلالية، فالبداية في القرن الثامن عشر "قادتها الطرق الصوفية (النقشبندية ـ القادرية) ضد روسيا، والشيخ منصور أوشومرا وهو شيشاني نقشبندي، استطاع إلحاق خسائر بالجيش الروسي، إلا أنه هزم في النهاية، ومات مأسورًا في عام 1793م، واستمرت الحركة بقيادة الشيخ "شامل"[1]؛ فعامل المقاومة الإسلامية كان - وما يزال - سبب القلاقل والإزعاج بالنسبة لروسيا والمتمثل في الجهاد من قبل الشيشانيين، إلا أن لواء المقاومة حاليا قد تبنته التيارات السلفية في هذه المنطقة، وذلك دون إجحاف لدور بعض الصوفية الجهادية معها، واتخذت صيغة المقاومة هذه من التيار السلفي رأس حربة حاليًا، وذلك بعد انكسار الاتحاد السوفيتي داخل أفغانستان على يد المجاهدين المسلمين، حيث كسر التوقعات المادية والحسابات الخاصة بفروق القوى، فالانتصار في أفغانستان كان انتصارًا لقيم الغيب على المادة، لذلك نجد أن معظم المجاهدين في الشيشان كانت بدايتهم الأولى في أفغانستان، وانتقالهم إلى الأراضي الشيشانية جاء مع بداية الأزمة لاستئناف تطهير الأراضي الإسلامية الشرقية من ظلال الدب الهزيل.
ورد أن جوهر دوداييف كان "يؤكد تطلعه إلى إقامة دولة الخلافة الإسلامية على غرار الخلافة العثمانية في شمال القوقاز"[2]، وبذا أصبحت الأراضي الشيشانية وأنجوشيار وكافة الشعوب المحيطة بها تتطلع إلى صيغة توحيدية للكيانات الإسلامية المتناثرة تحت وطأة الكيان الروسي، خاصة أنه بالرغم من اختلافاتها العرقية فإن المذهب الغالب في هذه المنطقة هو المذهب السني، لذلك فالشيشان أصبحت معقل الحركة الإسلامية السنية التي تؤمن باسترجاع دولة الخلافة الإسلامية كنقطة انطلاق ضد الغاصب الروسي، خاصة بعد انتهاكاته الدموية بصدد هذه الشعوب على مر تاريخها معه، "حيث إن الروس قد ارتكبوا جريمة حمقاء في حق الشيشانيين بعد الحرب العالمية الثانية بترحيلهم بالقسر إلى وسط آسيا وسيبيريا (بحجة) أنهم تعاونوا مع الألمان، وبعد وفاة ستالين 1957 سمح للشيشان والأنجوش بالعودة"[3]، لذلك فليس من المستغرب أن تتفجر المقاومة الشيشانية من وقت إلى آخر بصدد الكيان الروسي بمسمياته المتعددة والمختلفة، سواء القيصرية أو السوفيتية أو روسيا الاتحادية، والتي في النهاية اشتركت على فعل جماعي واحد، ألا وهو اضطهاد الجمهوريات الإسلامية ومحو هويتها الدينية والثقافية تحت المسمى الفكري المعلن عنه، سواء كان مسيحيًّا أم شيوعيًّا، فالمقاومة هي الفعل المشروع الأول لهذه الشعوب، حتى إن ظهر بعد فترات كمون طويلة.
إن عمليات الهولوكوست والترانسفير التي تعرضت لها معظم الشعوب الإسلامية، وخاصة الشعب الشيشاني، قد رسمت صورة متوازنة لتحديد شكل التعامل مع الكيان الروسي، في أي وقت تسمح وتسنح فيه الفرصة، ومن ثم شكّل تربة خصبة لاسترجاع الفكر الإسلامي الجهادي، الذي نما وتكوّن وفق رؤى دينية متعددة، فالبداية كانت صوفية ثم أصبحت سلفية، حيث انتقال المقاومة من الإسلامية الإقليمية إلى السنية السلفية الأممية في تلك المنطقة من العالم.
تقع منطقة شمال القوقاز تحت مسمى الإسلام الآسيوي الذي عرفه حامد ربيع بأنه "المصدر الحقيقي للقوة، يتصف بخصائص خمس: الكثافة الكمية، الديناميكية الحركية، القوى الوثنية المتطلعة من حوله، القدرة على تقديم الإجابة المعنوية للوجود الإنساني، ثم التطور نحو السلطة وصنع القرار في أغلب الدول الآسيوية بما في ذلك الاتحاد السوفيتي"[4].
ومن هذه الفقرة نعلم أن وقت كتابتها كان إبان استمرار عهد الاتحاد السوفيتي، وذلك على الرغم من إشاعته أو وصفه المسلمين بالأقليات الإسلامية في كل الأوساط الإعلامية الغربية وبالتبعية العربية، وذلك بالطبع لتقليل دور المسلمين في هذا الكيان وبالتالي إسناد زمام القوة والهيمنة والتسيير إلى الجناح الأوربي منه، خوفًا من دور ما سيأتي قد يلعبه المسلمون مستقبلا حيث إن "الجيش السوفيتي أصبح المسلمون يشكلون 63% منه وبعض الدراسات تقول إن 35% من الضباط مسلمون ـ ولذلك نجد أن الغرب كان يحذر من الخطر الأصفر القادم، مما يجعلنا نتساءل هل كان تفكك الاتحاد السوفيتي ضرورة قبل أن يفقد صفته الأوربية؟"[5].
فالجمهوريات الإسلامية تتميز بصفة عامة بمعدل زيادة سكانية سريعة، وذلك نتيجة لطبيعة مجتمعاتها الدينية والثقافية، وكعنصر مقاومة لعمليات الترويس المستمرة لتذويب هذه الجمهوريات داخل الإطار الغربي، لذلك نجد أن كفة السلطة كان رجحانها تجاه الجناح الآسيوي المتمثل في جمهورياته الإسلامية من خلال السيطرة العددية على نقاط تحكم مركزية ومهمة ومصيرية داخل الكيان السوفيتي، الذي بدوره عجل بعملية تفكيك هذا الكيان مخافة وصول القيادات ذات الأصول الإسلامية إلى مقاليد الحكم في يوم من الأيام، فعلى سبيل المثال كان جوهر دوداييف رئيس سلاح الجو السوفيتي ورسلان حسبلاتوف كان رئيس البرلمان السوفيتي وهما من الشيشان.. إلخ؛ فالخوف كان من توريث كيان بهذه الهيمنة إلى الشريك الآسيوي المسلم بعد أن جمعه الأب الأوربي القيصري المسيحي وسرقه الابن البلشفي العلماني.
القوة الإسلامية البرية
أصبحت أفغانستان عمقًا جيوإستراتيجي داخل آسيا لكل حركات المقاومة الإسلامية في تلك المنطقة وخاصة الشيشان، وذلك كما أسلفنا ذكرًا، من خلال طرح مفهوم الجهاد من جديد ومن ثم تطبيقه ونجاحه في عملية التحرير، ولعل ذلك كان داعيًا كافيًا لإعادة احتلالها وغزوها من قبل القوة الغربية وعلى رأسها أمريكا، فالمهمة هي ضرب قاعدة ومركز الإمداد الأصولي الأول في آسيا الوسطى وبالتالي أوراسيا، فهي محاولة لوأد محاولات هذه القوة في البزوغ من جديد خلفا لرجل أوراسيا المريض، خصوصًا بعد ظهور التربة الخصبة لنمو المد الإسلامي داخل جمهوريات وسط آسيا المستقلة، حيث "إن طبيعة سكان هذه الدول تتحول تدريجيًا عن الهوية القبلية أو العشائرية إلى نظرة قومية أكثر حداثة، وبالتالي من المرجح أن تتشبع بروح إسلامية متزايدة القوة"[6]، وهذا ينطبق بالأخص على البلاد التي تتقاسمها عرقيات وقوميات مختلفة ومذاهب متنوعة، مثل كثرة عددية شيعية في بعض الدول، ومن هذه الدول قرغيزيستان وأذربيجان وطاجيكستان وأوزبكستان وقازاخستان، وبالإضافة إلى ما سبق يوجد داخل هذه الدول جاليات روسية ضخمة، حيث تؤدي بدورها إلى تعدد رؤى المجتمع الواحد للأهداف الخاصة بكل دولة، ومما ينتج عنه عملية من عمليات التناحر الداخلية أو بمعنى أدق وجود صمام أمان في صالح روسيا، وقبل ذلك كله نجد أن النخبة الحاكمة أو "الصفوة السياسية في هذه الدول ـ والتي ما زالت في معظمها نتاجًا للعصر السوفيتي ـ لا تنظر إلى العالم من خلال المنظور الديني، كما أن هذه الدول علمانية من الناحية الرسمية"[7].
ولعل كل ما سبق كان كافيا لإعلان فصل واستقلال هذه الدول عن الكيان الروسي، فالمشاكل الداخلية المتفجرة أو الخلافات بين النخبة الحاكمة والشعوب ستلعب دورًا مهمًا في تأجيل ظهور المشروع العام الجامع لهذه الدول، ومن ثم تأجيل تصفية الحسابات القديمة بينها وبين روسيا، وعلى الرغم من ذلك فإن إرهاصات المشروع الإسلامي الموحد بدأت تظهر بقوة في طاجيكستان وأوزبكستان على يدي القوى الإسلامية الداخلية التي أخذت تنتهج العنف بصدد المؤسسات الحاكمة.
أما الموقف في الشيشان فهو مختلف؛ فالمشروع الإسلامي الموحد كان متبنىً من النخبة الحاكمة وعلى رأسها جوهر دوداييف، بالإضافة إلى التأييد الشعبي لهذه الرؤية التي تتلخص أولى الخطوات العملية في تفعيل هذا المشروع من خلال الاستقلال التام عن روسيا الاتحادية، ثم إعلان دولة للخلافة حسب وجهة نظر دوداييف في شمال القوقاز، وقد ساعد على ذلك أن الشعب الشيشاني متجانس ولا يوجد به ولاءات عرقية أو خلافات مذهبية، ولعل ذلك هو ما جعل روسيا ترفض بداية إعطاء الاستقلال ومن ثم خوض الحرب ضد الشيشان، وذلك لأن الموقف له تبعات ومخاطر على الكيان الروسي عامة تتعدى الحدود الشيشانية كدولة مستقلة، فالمسألة تتلخص في انفراط العقد الإسلامي من الرقابة الروسية، ومن ثم تكوين قوى إسلامية مركزية في هذه المنطقة، ففي الحرب العالمية الثانية نجد "أن الاتحاد السوفيتي قد خرج من الحرب وهو أعظم قوة برية على وجه الأرض، وأكثر من ذلك وهو في أقوى وضع دفاع إستراتيجيًا"[8].
|
|
وتصدق هذه الرؤية بالطبع عندما كان الاتحاد السوفيتي آنذاك في وضع موحد على مستوى الأيديولوجيا الحاكمة والمسيطرة، بالإضافة إلى الجانب العسكري المساند له والمهيمن على كتلة الهارتلاند ـ Heart Land ـ قلب العالم أو مركز الأرض والذي هو محور ارتكاز الجزيرة العالمية، حيث أكبر قوة بر في العالم ككل وذلك حسب نظرية الإنجليزي "هالفورد ماكيندر".
ولو نظرنا إلى كتلة الهارتلاند لوجدنا أنه يمتد "من حوض الفولجا غربا حتى سيبيريا شرقًا، وقلب إيران جنوبًا، وهو بهذا يضم مساحة ضخمة متصلة بلا انقطاع من أوراسيا تبلغ 21 مليون ميل، وتبتلع كل الإستبس الآسيوي"[9]، حيث معظم الجمهوريات الإسلامية والتي هي الأقاليم الأساسية المكونة له "الهارتلاند" ومنها الشيشان والتي تقع على التخم الغربي له أسفل روسيا والتي بدورها تقع في أقصى الشمال الغربي من هذه الكتلة (قلب العالم) حيث بوابة أوربا الشرقية، فقيمة الهارتلاند عمومًا تأتي من خلال توحده في أيدي قوة واحدة تصبح بعدها أكبر وأقوى قوة بر في العالم، أما عند تفتت وتفكك الأقاليم الداخلية المكونة له فإنه يصبح من السهل اختراقه وتقويضه من الداخل.
ومما سبق يتضح أن عنصر الهيمنة السابقة كان يتحرك من الشمال الغربي حيث القوة الأوربية الممثلة في روسيا أخذت تتمدد وتتمدد على حساب الإستبس الآسيوي أو دول شعوب آسيا الوسطى، "الاتحاد السوفيتي"، ارتطمت بحجر العثرة الأفغاني الرابض على أقصى قمة التخم الجنوبي للهارتلاند، والذي أصبح بعدها قوة البر الطاردة الجهادية نحو أقاليم الشمال الإسلامية الخاضعة لروسيا الاتحادية "أنجوشيا، أبخازيا، الشيشان، وغيرها" بغرض تحريرها ومن ثم توحيدها، لذلك فإن ميزان القوة سينقلب رأسًا على عقب، فالسيطرة الأوربية تحركت من الشمال الغربي نحو الجنوب والجنوب الشرقي حيث الهيمنة الجبرية على الأقاليم الإسلامية التي ما لبث زحفها الاختياري (الحركات الجهادية) نحو الشمال والشمال الغربي أن يصبح عامل تهديد ووعيد حالّ ومستقبلي لبقايا أملاك القلعة الأوربية المهدمة (روسيا)، وبذا فإن قوى البر الآتية من الجنوب الممثلة في الحركات الإسلامية ستمثل اللبنة الأولى نحو توحيد كتلة الهارتلاند تحت مسمى عقيدي غيبي، من شأنه أن يمد جسور التلاقي مع الجيوب الإسلامية في شرق أوربا مثل "ألبانيا، البوسنة والهرسك، وكوسوفو، مقدونيا" والذي يسوق بدوره إلى أن يؤدي إلى تحجيم روسيا في حدودها التاريخية القديمة قبل التوسع، ومنازعتها الوصاية على شرق أوربا، وبالتالي تقوية وتنشيط الجيوب الإسلامية في تلك البقعة حيث إنه من المعروف أن "من يحكم شرق أوربا يسيطر على الهارتلاند، ومن يحكم الهارتلاند يسيطر على الجزيرة العالمية، ومن يحكم الجزيرة العالمية يحكم العالم"[10].
ولعل ذلك ما تعيه القوى الغربية عامة، وعلى رأسها أكبر قوة بحرية ممثلة في الولايات المتحدة الأمريكية، والذي تمثل في هجومها على نقطتين غاية في الأهمية: الأولى تعنى بمستقبل تشكيل المنطقة المتمثل في أفغانستان حيث مركز الإمداد الجنوبي الطارد للحركات الجهادية إلى الشمال بغرض إعادة أسلمته، أما النقطة الأخرى فهي تتمثل في العراق حيث مصب القوى الإسلامية التاريخي إبان دولة الخلافة الإسلامية، والذي تم احتلاله الآن من قبل القوات الأمريكية والإنجليزية بهدف فصل حدود التلاقي بين الإسلام الآسيوي والإسلام العربي، فضلا عن تمثيل العراق عقبة في استكمال المشروع الصهيوني الإسرائيلي حتى على المستوى السلمي، وبذا نجد وعي أمريكا بمدى خطورة تلك المنطقة من العالم منذ إدارة ريجان بقوله: "البعد التاريخي الأول في إستراتيجيتنا بسيط نسبيًا، وقاطع الوضوح وبالغ الحساسية، إنه الاقتناع التام بأن مصالح الأمن القومي الأكثر أساسية للولايات المتحدة ستصبح معرضة للخطر ما أمكن لدولة أو مجموعة من الدول أن تهيمن على الأرض الأورآسيوية.. تلك المنطقة من الكوكب التي يشار إليها في أحيان كثيرة بوصفها (منطقة المركز) في العالم"[11].
الخطوات التي اتخذتها الولايات المتحدة بصدد هاتين النقطتين السابق ذكرهما (أفغانستان والعراق) ترجع إلى وعيها بخطورة هذه المنطقة التي تقع داخل الهلال الداخلي للهارتلاند في منطقة الالتقاء بينهما والمسماة في بعض الأحيان بمنطقة الحافة حسب وجهة النظر الأمريكية، حيث هي الحافة بالنسبة للقلب أو المركز "الهارتلاند"، بالإضافة إلى فصل الجزيرة العالمية إلى جزأين: القلب الآسيوي والطرف الأفريقي، حيث إيقاف امتداد القوة والسيطرة من القلب إلى الطرف، تدعيمًا وإلحاقًا للدور الإسرائيلي في المنطقة، خاصة إذا كانت القوة القادمة والمستقبلية هي الإسلام.
إن مشكلة الشيشان هي مفتاح لإعادة تشكيل المنطقة وإعادة هيكلتها وفق الرؤية الإسلامية، فعندما يستقل الشيشان ويقدم شكلاً إسلاميًّا أصوليًّا قائمًا على تفعيل الجهاد كفريضة، فإنه بالتالي سيصبح مركزًا طاردًا للعمليات والحركات الإسلامية التحررية، سواء على أنقاض روسيا أو في منطقة أوربا الشرقية، فالمسألة هي نقل مراكز الجهاد وتراتبها بدءًا من أفغانستان سابقًا والشيشان حاليًا، والتي إن نجحت في طرد الروس ودحرهم وفق النموذج الجهادي فإن ذلك يتم ويكشف عن الصيغة المثلى في التعامل مع الغرب في الوقت الراهن. وبالتالي فإن احتلال أفغانستان من قبل القوات الغربية وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية له هدف معنوي، بالإضافة إلى الهدف الجيوسياسي، ألا وهو ضرب أمثل وأنجح نموذج جهادي في أواخر القرن العشرين، وذلك بالطبع حتى لا يكون هذا النموذج هو أحد أركان التعامل مع القوى الغربية، خاصة بعد إعلان أفغانستان دولة خلافة في عهد حكومة طالبان.
لذلك فالشيشان هي المركز الثاني أو التجربة الجهادية الثانية المتصاعدة من الجنوب إلى الشمال حيث أوربا الشرقية والتي لا يفصلها عن منطقة القوقاز تخوم أو موانع طبيعية يستعصي اختراقها من قبل قوة البر الإسلامية الممثلة في جماعات المجاهدين المتزايدة بصدد تنفيذ الحلم الجامع لمعظم مسلمي العالم في الوقت الراهن ألا وهو دولة الخلافة الموحدة، "فالإسلام تحده حدود دامية"[12].
تابع محاور الدراسة:
- عرض الأفكار الرئيسية
- مدخل: الصراع.. تاريخًا ومستقبلاً
- مفردات الصورة البصرية وعناصرها المتحكمة
- فاعلية المعرفة الإسلامية في بناء الصورة
اقرأ في ملف الجهاد والعنف أيضًا:
- المسلمون والعنف السياسي.. نظرات تأصيلية
- العنف.. والإصلاح الديني
- "التفجيرات".. فقه النكاية بالأعداء أم بالمسلمين؟
- الغلو "مشكلة مركّبة" تواجه مجتمعاتنا
- الإرهاب.. بين الشريعة والـ"إف بي آي"
- تفجيرات الرياض.. شبهات وردود
- مفاهيم جهادية.. بحاجة لتصحيح
- العراق وفتاوى "الجهاد".. نحو تجديد في منظور الإفتاء
- الجهاد بين الموروث الفقهي والسياسة الدولية الراهنة
[1] خالد حنفي، ندوة: المشكلة الشيشانية: أصولها وآفاقها، مجلة منبر الشرق العدد (18) شوال 1415هـ، مارس 1995م، القاهرة ص: 149، في عرضه لرؤية الدكتور محمد السيد سليم.
[2] راجع رأي د. طه عبد العليم في: المرجع السابق، ص: 150.
[3] راجع رؤية محمد السيد سليم، في: المرجع السابق، ص: 149.
[4] د. حامد ربيع، الإسلام والقوى الدولية، دار الموقف العربي، القاهرة ص 45.
[5] د. إيمان يحيى، محاضرة الجمهوريات الإسلامية في الاتحاد السوفيتي المنحل بين الحاضر والمستقبل، عرض: السيد أبو داود، مجلة منبر الشرق العدد (5) رجب 1413هـ ـ يناير 1993م، القاهرة ص 126.
[6] زبجنيو برجينسكي، رقعة الشطرنج الضخمة، ترجمة د. سحر فراج ـ د. محمد عبد السلام حسن، ميريت للنشر والمعلومات ـ القاهرة ص 127.
[7] المصدر السابق، ص 127.
[8] د. جمال حمدان، إستراتيجية الاستعمار والتحرير، دار الشرق القاهرة، ص 198، 199.
[9] المصدر السابق، ص 194، 195.
[10] المصدر السابق ص 198.
[11] بيتر تيلور، كولن فلنت، الجغرافيا السياسية لعالمنا المعاصر، الاقتصاد العالمي للدولة القومية، المحليات، ترجمة: عبد السلام رضوان، د. إسحق عبيد، سلسلة عالم المعرفة، الكويت رقم: 282، الجزء الأول ص: 99.
[12] صموئيل هانتينجتون، الإسلام والغرب: آفاق الصدام، ترجمة: مجدي شرشر، مكتبة مدبولي، القاهرة، ص: 31.





















