الجهاد كفعل مرئي
العقيدة والحرب في أفلام الشيشان *
في فيلمي (انتصارات العيد وجحيم الروس3) الهدف الأكبر والأهم هو تقديم الأسانيد والأسس الشرعية لتفعيل فريضة الجهاد، والأماكن التي تمت فيها عمليات المقاومة. لكن لماذا هذان الفيلمان تحديدًا؟ الفيلمان "صورة" يصلح من خلالها طرح قضايا العالم الإسلامي المتعلقة بعمليات الاحتلال، ومن ثم طرح سبيل المواجهة الفعال من خلال الجهاد كمفهوم عام لحياة المسلم، يكون القتال جزءا منه.
إنه بالنظر إلى (تاريخ الصراع) وأبعاده، نرى أن عمليات الهولوكوست والترانسفير التي تعرضت لها معظم الشعوب الإسلامية -خاصة الشعب الشيشاني- قد رسمت صورة متوازنة لتحديد شكل التعامل مع الكيان الروسي. إن مشكلة الشيشان هي مفتاح لإعادة تشكيل المنطقة وإعادة هيكلتها وفق الرؤية الإسلامية.
ولذلك تم اختيارهما لهذه الدراسة، فهما يقدمان العديد من المسائل المهمة، كمسألة (الدعائي والدعوي)؛ فالقوى الجهادية هي قوى حماية الثوابت مهما امتد الوقت، حتى إن فترات الهدنة هي فترات لالتقاط الأنفاس، ويتمثل الدعائي من خلال استغلال المجاهدين للزمن الواقعي للصور، وبثها العالمي الفوري. في حين يتمثل الدعوي في بيان تأليف الآراء حول فكرة العقيدة كباعث لقيم التعامل السياسي مع الغرب، ومن ثم تصفية فكرة المصلحة الوطنية أو القومية كنظام قيمي يمثل أساس التعامل.
ومع انقطاع المرجعية الإسلامية في المجتمع أصبح "الجهاد" غير محدد الصورة الذهنية، وعند تقديمه بصيغة بصرية (الجهاد كفعل مرئي) يسهم تأثير الصورة في تأطير المفهوم واستيعاب المتلقي له، والانتقال به من الانقطاع إلى الاستمرار والتوالي، والرغبة في محاكاته.
كذلك العملية الجهادية (الجهاد كمفهوم معنوي) هي عملية تحريك للطاقة، فتعريفات الجهاد تتفق على صيغة تفعيل للطاقة أو الجهد وانتقالها إلى التداول العملي؛ فالتخلق بالعقيدة هو أسلم طريق للوصول لله عن طريق التصاعد بالمجاهدة، فالجهاد يمثل منظومة كاملة من الأفعال الخلقية الممثلة لصلب وأساس العقيدة.
وفي الجهاد -بوصفه عملية عسكرية تحوي مجموعة من الشروط حتى تتحرك وتتم- تفترق العسكرية الإسلامية عن العسكرية الغربية؛ ففي النموذج الجهادي (الجهاد كفعل ظاهر) يتم العمل خارج كيان الدولة الحدودية؛ لأن الجهاد يتعامل مع المبادئ، أي النص الذي ينصاع إليه كل من القائد والجندي اللذين يصنفان تحت مسمى واحد وهو المجاهد. أما الحرب النظامية فهي فعل تسيير قطيع بشري، فهي الجبر بعينه بالنسبة لأفراده. فالجهاد إذن كعقيدة ومبدأ عام ومهم في المحيط الدلالي الإسلامي يستطيع أن يتمثل في أي شكل من أشكال المقاومة والحماية والفتح، وذلك لأنه ينطلق من كيانات غيبية وليست عينية.
إن ما يميز الفيلمين أن المشاهد التي صورت فيهما قد تم تصويرها بواسطة أحد المجاهدين في المجموعة المقاتلة، ومن ثم فالكاميرا المحمولة بداية هي من وجهة نظر المجاهدين بصدد العالم (المشاهد من وجهة نظر المجاهد)، فالمرئي بواسطتهم وعبر انتقائهم. وبهذا كسب المجاهدون ود المشاهد -مسلما كان أم غربيا- بحضوره معهم، ويرجع هذا إلى تأثير بُعد الصورة الفيلمية عامة؛ فالصورة من وجهة نظر المجاهدين قد نجحت في تأليف المُشاهد من خلال الوثوق به، فالمجاهدون بالفعل وثقوا بمشاهدهم ووضعوا عنده سرهم ويأتي ذلك من خلال إطلاعه على الحيلة والتحايل التي يستخدمها ضد أعدائه (الروس).
إن العملية الجهادية كما تظهر في الفيلمين تمثل (العودة إلى الفطرة: بإعادة تطويب العالم)؛ فحركة المجاهدين هي حركة لإعادة الأمور إلى نصابها، هي حركة لتأسيس العالم ومن ثم دفعه وإعلائه؛ فالجهاد إعادة تطويب للعالم. وفيها تتبدى (رحلة الخلود ووعود الغيب)؛ فالشهيد هنا يحيا بين مساحتين من الغيب، بل ويحرص على تمكنهما منه، المساحة الأولى هي الإيمان بالعقيدة كدافع لسلوكه، أما المساحة الثانية فهي الرغبة والحرص على الشهادة والولوج لعالم الآخرة حيث الغيب الذي "يلبي حاجة الفطرة البشرية إلى مجهول فالجهاد هو المبادرة بالإجابة على أسئلة الغيب الأخروية في الدنيا، هو إقامة الأدلة التطبيقية على إخلاص النية من الإنسان.
من خلال (الصورة الفيلمية والمرجع الصوتي) تبدو الصورة مرتبطة بالكلمة (النص)، بل إنها لا تعرف إلا من خلالها، فالكلمة ما تزال هي مبعث الصور، بل الأحداث داخل العالم، فالصورة الفيلمية هنا هي سلوك وأفعال مسندة إلى الكلمة (النص الديني) دون إفراط أو تفريط في حدوده، حيث الوقوع في الشبهات، فالكلمة تقوم بعملية تأسيس أو إعادة تطويب للعطب الذي أصاب العالم من خلال هزيمة الأمة، فهي بمثابة دافع العلاقات ومحرك الأحداث وحاشد الجماعات، فالكلمة هنا فاعلة ومغيرة.
الصورة الفيلمية تقدم أيضًا (رؤية العالم من منظور الغيب)؛ فالفيلم هنا هو حالة بناء بصري جديد وفق مقولات الغيب، هذه هي النتيجة المعطاة الأولى والمستخلصة من الصورة، المسألة إذن تعدت المحاذير بكثير، فالعمل الفيلمي هنا وضع على عاتقه تفكيك المواقع والمفاهيم الدلالية البصرية السابقة، ومن ثم إعادة تشكيلها وفق النص الديني. فالأفلام الخاصة بالمجاهدين تعمل على انقطاع خبرة تلقي المشاهد للأفلام الأخرى ذات النماذج الإدراكية الأخرى.
قامت هذه الدراسة على محورين: الأول -وهو الجزء النظري- يفسر أو يعرض لقيمة الأفعال والسلوكيات ومن ثم وجهتي نظر الصراع من المنطلق الإسلامي، فالمسألة النظرية هي محاولة تقييم (مفردات الصورة البصرية وعناصرها المتحكمة). أما الآخر -وهو الجزء التحليلي الخاص بالأفلام موضوع الدراسة [انتصارات العيد، جحيم الروس3]- فيقدم (فاعلية المعرفة الإسلامية في بناء الصورة)، ويحاول الإجابة على سؤال مهم وهو: هل نجح الإسلاميون في صنع آليات بصرية خاصة بهم أو نابعة من معرفتهم، تتعامل مع المحظور الشرعي والخاصية الثقافية في آن واحد؟.
إن جزأي الدراسة لا ينفصلان، وذلك لأن هذه التجربة (تجربة الأفلام) شيء جديد على التيار الإسلامي الجهادي، وذلك يدفعنا للجزم بأن مجموعة المفردات المتعددة مثل المعرفة، والثقافة والحضارة قد تم ردها إلى نسق العقيدة، فالعقيدة هنا هي الفاعل والمسير على المستوى البصري.
تابع محاور الدراسة:
- عرض الأفكار الرئيسية
- مدخل: الصراع.. تاريخًا ومستقبلاً
- مفردات الصورة البصرية وعناصرها المتحكمة
- فاعلية المعرفة الإسلامية في بناء الصورة
اقرأ في ملف الجهاد والعنف أيضًا:
- المسلمون والعنف السياسي.. نظرات تأصيلية
- العنف.. والإصلاح الديني
- "التفجيرات".. فقه النكاية بالأعداء أم بالمسلمين؟
- الغلو "مشكلة مركّبة" تواجه مجتمعاتنا
- الإرهاب.. بين الشريعة والـ"إف بي آي"
- تفجيرات الرياض.. شبهات وردود
- مفاهيم جهادية.. بحاجة لتصحيح
- العراق وفتاوى "الجهاد".. نحو تجديد في منظور الإفتاء
- الجهاد بين الموروث الفقهي والسياسة الدولية الراهنة
* المقدمة من إعداد محرر الصفحة.





















