مدارك: بوابة الثقافة والفكر الإسلامي المعاصر "إصدار تجريبي"
أرسل لصديق ||

تحديد الصيام فلكيًّا.. لا يعتمد عليه! *

إذا تمعنا في الحديث الشريف "صوموا لرؤيته -أي الهلال- وأفطروا لرؤيته" لتبين لنا بكل وضوح أن شهر الصيام في الشرع الإسلامي يبتدئ من رؤية هلال شهر رمضان وينتهي برؤية هلال شوال، وليس من خروج القمر من المحاق (أي ما تعبر عنه العامة بميلاد القمر) في نهاية شهر شعبان إلى ميلاد القمر في بداية شهر شوال، أي أنه ليس بالضبط هو مجرد الشهر القمري التاسع من العام الهجري، ولو كان هذا الأخير لكانت مدته الوسطية حوالي 29 يوما ونصف اليوم (تزيد أو تنقص حتى بضع ساعات من شهر قمري لآخر). أي لما كان عددا صحيحا من الأيام، ولكانت نهاية الصوم في آخر شهر الصيام هي إذن لحظة ولادة قمر شهر شوال والتي ستوافق تواقيت مختلفة بالنسبة لمختلف سكان المعمورة بسبب استدارة الأرض وتدرج التواقيت بالتنقل عبر خطوط الطول، الواحد تلو الآخر على محيط الكرة الأرضية، فتكون لحظة ولادة قمر شوال موافقة للظهر بالنسبة لأقوام والعصر بالنسبة لآخرين والليل أو الصباح بالنسبة لغيرهم وهكذا.

فهل يعقل إذا اعتبرت لحظة ولادة قمر شوال هي نهاية شهر الصيام أن يفطر فجأة أولئك الذين كانت حادثة ولادة قمر شوال موافقة بالنسبة لهم لأي من أوقات النهار؟ قد يقول قائل: إن على هؤلاء إكمال الصيام في ذلك اليوم إلى المغرب باعتماد قاعدة اعتبار آخر أيام الصوم هو اليوم الذي يحدث فيه ميلاد قمر شوال قبل غروب قرص الشمس في ذلك اليوم، لكن يبقى الإشكال قائما؛ إذ إن لحظة ولادة القمر لا بد أن توافق بالضرورة تماما لحظة غروب قرص الشمس بالنسبة لسكان خط طول ما معين، وذلك بشكل حتمي بسبب كروية الأرض وتدرج المواقيت على طول محيط الأرض كما ذكرنا.

خطأ اعتبار ولادة القمر لانتهاء الصوم

وإذا اعتمدت قاعدة انتهاء شهر الصيام بولادة قمر شوال قبل غروب الشمس وعدم انتهائه إذا حصلت الولادة بعد غروب قرص الشمس حسابيا فسيقع هؤلاء الأقوام في إشكال كبير، وذلك لسببين علميين:

أولا: أن لحظة تمام غروب قرص الشمس (والتي يجب تعيينها بدقة لأجل مقابلتها مع لحظة ميلاد القمر لمعرفة أي منهما حصل قبل الآخر) لا يمكن تحديدها نظريا -أي بالحساب- إلا بخطأ في التقدير لا يقل عن بضع ثوان زمنية بسبب كون مسار الضوء الوارد من الشمس وهي قرب الأفق إلى الناظر ليس مستقيما، وإنما يعاني انكسارات متتالية عبر طبقات الجو تجعل هذا المسار منحنيا وبشكل لا يمكن التنبؤ به بدقة تامة؛ لأن هذه الانحرافات المتتالية تتعلق بضغط ودرجة حرارة الهواء في كل موضع من مسار الضوء عبر الغلاف الجوي إلى سطح الأرض واللتين تتغيران بشكل مستمر من لحظة لأخرى يصل اختلاف موضع الشمس الظاهري أو المرئي عن موضعها الحقيقي أو الفعلي عندما تكون قريبة من الأفق إلى حوالي 34 دقيقة قوسية، أي أكبر من قطرها الزاوي البالغ حوالي 30 دقيقة قوسية، (أي أن قرص الشمس يصبح بأكمله تحت الأفق في الوقت الذي يكون فيه ما زال مرئيًّا فوق الأفق)، أي أن المسار الفعلي لضوء الشمس الوارد إلى سطح الأرض متغير من لحظة لأخرى ولا يستطيع العلم أن يتنبأ مسبقا كيف سيكون بالتمام خط مسار الأشعة الواردة من الشمس القريبة من الأفق؛ لأن أحدا لا يستطيع أن يعرف بالدقة قيم ضغط ودرجة حرارة الغلاف الجوي في كل موضع منه وفي كل لحظة من اللحظات، وينتج عن ذلك أن تقدير لحظة غياب قرص الشمس حسابيا من أي موضع على سطح الأرض يلازمه دوما وبشكل حتمي مجال من الخطأ (زائد - ناقص) لا يقل عن دقيقة قوسية إن لم يكن أكثر (والدقيقة القوسية الواحدة تقابل زمنا قدره 4 ثوان).

أضف إلى ذلك أنه تلزم معرفة إحداثيات الموقع الجغرافي (زاوية خط الطول وزاوية خط العرض) بدقة كبيرة (بدقة بضع ثوان قوسية) لإدخالها في المعادلة الحسابية النظرية، وهذا ليس بالشيء الذي يسهل الوصول إليه في كل مكان على سطح الأرض، ويواكبه بشكل حتمي خطأ في دقة الحساب.

ولو أريد اعتماد الرصد لتحديد وقت تمام غروب قرص الشمس بدقة أكبر بدلاً من اعتماد المعادلة النظرية التقريبية لاستلزم الأمر توافر جملة من الشروط يكاد يستحيل تحققها معا، من ذلك: أن يكون موقع الرصد هو في سهل أو صحراء أو على الشاطئ، أي بحيث لا يوجد مبنى أو جبل أو أي مرتفع ما بين الراصد ومنتهى الأفق الغربي، وهذا غير متوافر لكل الأقوام على سطح الأرض، كما يجب خلو الأفق الغربي من الغيوم وقت الرصد، وهذا أيضا غير مضمون تحققه، كما يجب استخدام ميقاتية عالية الدقة مع توافر آلية لتحديد زمن لحظة الغروب بدقة عالية (الدقة مطلوبة عند السعي لاعتماد قاعدة الحساب كما سيتضح بعد قليل) كأن يوجد ارتباط مباشر ما بين الراصد وساعة ناطقة عالمية تبث التوقيت الدقيق كل لحظة، كما يجب ملاحظة أنه ليس من السهولة عمليا تحديد انتهاء غروب قرص الشمس بسبب الوهج الشديد للشمس وعدم إمكانية تحديد حافة القرص بدقة تامة.

أضف إلى ذلك وجود عامل الخطأ الشخصي الذي يتعلق بسرعة رد الفعل عند الراصد في عملية التوقيت. إن كل هذه العوامل مجتمعة تجعل تحديد لحظة تمام غياب قرص الشمس عن طريق المراقبة أمرا شاقا ويتطلب حشد إمكانات وخبرات علمية ووسائل قد يستحيل توفيرها في كل موقع جغرافي على حدة.

ثانيا: إن حساب وقت خروج القمر من المحاق (ميلاد القمر) في علم الفلك السماوي ليس مطلق الدقة كما يظن عامة الناس، بل هو تقريبي. فللقمر حركات معقدة للغاية؛ إذ تتغير عناصر مداره الإهليلجي (تباعده المركزي، ميل مستوى المدار على مستوى مدار الأرض، جهة المدار في الفراغ أو جهة العمود على مستوى المدار، جهة محوره الكبير، زمن دورته الكاملة أي طول الشهر القمري) بشكل مستمر بتأثير عدة عوامل أهمها: عدم الاستدارة الكاملة لكرة الأرض ووجود الانبعاج الاستوائي لها، اختلاف تأثير جاذبية الشمس على القمر بحسب موقعه في مداره، تأثير الكواكب الأخرى وخاصة كوكب المشتري. وهذه التغيرات غير منتظمة وتحسب بشكل تقريبي فقط ولمدى زمني محدود وذلك بالحلول التقريبية لجمل المعادلات التفاضلية الآنية التي تصف هذه الأفعال الاضطرابية، فتكون النتيجة أن موضع القمر في مختلف الأوقات -كما تذكره الجداول الفلكية السنوية- يكون معطى بدقة 0.1 (+ -) دقيقة قوسية، وهذا يقابل دقة أو تفاوتا في حساب موضع القمر تساوي 11 (+ -) ثانية زمنية، فإذا ذكر مثلاً أن ميلاد القمر بالتوقيت العالمي UT (وهو نفسه توقيت غرينتش) في شهر ما هو الساعة 7 و34 دقيقة و40 ثانية، فمعنى ذلك أن الميلاد الفعلي للقمر هو في لحظة ما بين الساعة 7 و34 دقيقة و29 ثانية، والساعة 7 و34 دقيقة و51 ثانية، واللحظة الحقيقية لخروج القمر من المحاق تبقى مجهولة، وتحديدها بدقة أكبر هو أمر خارج عن إمكانات العلم في الوقت الحاضر بالرغم من التحسن الكبير الذي حصل في حسابات حركات القمر خلال الثلاثمائة سنة الأخيرة منذ عهد نيوتن وعلى يد كبار علماء الرياضيات والفلك أمثال أولر ولاغرانج وهاميلتون وجاكوبي وليوفيل وبوانكاريه (لا تؤثر الدقة الأكبر في حساب حركات القمر إن أمكنت في المستقبل على سير المناقشة).

وهكذا فمع وجود مجال خطأ أو شك في حساب لحظة ميلاد القمر (خروجه من المحاق) ومجال شك آخر في تقدير لحظة تمام غروب قرص الشمس (أو أي لحظة أخرى يراد اتخاذها منطلقا لتحديد انتهاء الشهر القمري حسابيا)، وذلك بشكل حتمي لا مفر منه، والتداخل أو التراكب الحتمي لهذين المجالين بالنسبة لسكان خط طول ما معين (أو بعض منه وبعض من خطوط طول أخرى مجاورة إذا توخينا الدقة أكثر بسبب ميلان محور الأرض فلا تغيب الشمس دفعة واحدة عند جميع نقاط خط الطول الواحد إلا يومي الاعتدالين الربيعي والخريفي فقط)، وذلك في كل شهر رمضان كما وجدنا (ويحين الدور في حدوث هذا التداخل في المكان الواحد على سطح الأرض وسطيا مرة كل بضع مئات من السنين، ولكن يمكن أن تتتالى الحادثة خلال بضع سنين أحيانا في الموقع الواحد) ووقوع هؤلاء بالذات في إشكال لا حل له أبدا بالاعتماد على الحساب وحده (قد يقال -حلاًّ لهذه المشكلة- إن على هؤلاء اعتماد ما يقرره مجاوروهم ممن يكون وقت ميلاد القمر بالنسبة لهم خارج مجال الشك لوقت الغروب، لكن يبقى الإشكال قائما؛ لأن مجاوريهم إلى جهة الشرق يكون غروب الشمس بالنسبة لهم هو قبل ميلاد القمر، بينما مجاوروهم إلى جهة الغرب يكون غروب الشمس بالنسبة لهم هو بعد ميلاد القمر، ولا يوجد أي مبرر لاتباع أحد الطرفين وليس الآخر).

وهكذا يظهر الضعف في قاعدة اعتماد الحساب وحده، ويبطل زعم من يتوهم إمكان التخلي عن عملية الرؤية والاكتفاء بالحساب لتحديد بداية ونهاية شهر الصوم؛ لأن المطلوب عند اعتماد قاعدة ما: أن تكون القاعدة عامة وقابلة للتطبيق على الجميع، وفي كل مرة يحل فيها شهر رمضان، وليس لمواقع جغرافية دون أخرى، وفي بعض السنين دون بعض. (من السخرية أن يلجأ أقوام إلى الحساب، بينما لا يستطيع ذلك آخرون فيلجأ هؤلاء وحدهم مضطرين إلى الرؤية، وذلك في كل مرة يحل فيها شهر رمضان، أو أن يكون سكان البلد الواحد قادرين في بعض السنوات على الاعتماد على الحساب وحده وغير قادرين في سنوات أخرى).

الرؤية.. أعم وأتم!

إن قاعدة الرؤية هي وحدها التي تقطع الشك باليقين، وذلك لجميع سكان المعمورة وجميع المناطق الجغرافية دون استثناء، وفي كل السنوات، ودون جهد زائد أو تكلف، بينما الحساب وحده، فإنه إن كان يفيد في بعض المناطق الجغرافية فإنه لا يفيد في الأخرى، فضلا عما فيه من صعوبات وتكلف ومشقة من الناحية التطبيقية أو العملية (في عملية الرصد الدقيق لتحديد وقت حدوث غروب قرص الشمس) مما لا طاقة للناس به في كل منطقة.

ومن المعلوم أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد أوتي علم ما كان وما يكون إلى قيام الساعة، وأنه كان على علم بكل ما سيحققه الإنسان من إنجازات علمية، وأنه -أي الإنسان- سيتوصل إلى حساب مواقيت ميلاد القمر بشكل مسبق بدقة عالية نسبيا، ومع ذلك توقف في التشريع عند الرؤية؛ لأنه كان يعلم أيضا قصور العلم مهما تقدم، وأنه يوجد سقف لدقة الحسابات، وكان يدرك بوافر علمه ما سينشأ عن ذلك من إشكال حتمي لبعض الأقوام في كل مرة يقبل فيها شهر رمضان[1].

ومن الناحية التشريعية البحتة فمما يؤكد عدم جواز اعتماد الحساب وحده في هذه المسألة ما جاء في صحيح مسلم عن الرسول صلى الله عليه وسلم قوله: "إذا رأيتم الهلال فصوموا، وإذا رأيتموه فأفطروا، فإن غم عليكم فصوموا ثلاثين يوما"، وفي حديث آخر: "صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، فإن غمي عليكم الشهر فعدوا ثلاثين" (وفي رواية أخرى: فأكملوا العدد)، وهكذا نلاحظ كيف أنه حتى عندما تستحيل الرؤية بسبب تلبد الغيومفإن الشارع لم يحلنا إلى الحساب، فمن الأولى ألا يحيلنا إلى الحساب عندما لا تستحيل الرؤية أيضا، وفي ذلك دليل شرعي على عدم جواز الاعتماد على الحساب.

وإن الشرع عندما ألزم بضرورة الرؤية لتحديد بداية ونهاية شهر الصيام، فإنه استلزم تحقق شرطين معا: الأول هو حصول ابتداء الشهر فلكيا، أي خروج القمر من المحاق، والثاني أن يكون القمر قد أصبح قابلا للرؤية بعد غروب الشمس، وليس فقط تحقق الشرط الأول، وهذه نقطة مهمة ربما خفيت على الكثير من الفقهاء المعاصرين فنادى بعضهم باعتماد الحساب الفلكي وحده في تحديد بداية ونهاية شهر الصوم.

فشهر الصوم هو غير الشهر القمري الفلكي، ويختلف عنه قليلا كما عرّفنا في البداية، فالأول يبتدئ برؤية هلال رمضان وينتهي برؤية هلال شوال ويساوي عددا صحيحا من الأيام، إما 29 أو 30 يوما، أما الثاني فهو من ميلاد القمر في نهاية شهر شعبان إلى ميلاد القمر في بداية شهر شوال ويساوي وسطيا حوالي 29 يوما ونصف اليوم (تزيد أو تنقص بضع ساعات تختلف من شهر قمري لآخر بسبب الحركة المعقدة وغير المنتظمة للقمر)، أي يساوي عددا غير صحيح من الأيام؛ فهذه ميزة أخرى في اعتماد الرؤية بدلا من اعتماد الحساب/ وهي جعل طول شهر الصوم عددا صحيحا من الأيام.

نعم يمكن, بل ويجب الاستفادة من الحسابات الفلكية عند الاستهلال، فإذا دل الحساب مثلا على أن القمر لم يولد أصلاً قبل غروب الشمس فيتوفر عناء الاستهلال، كما أن الحساب يمكن من تحديد موقع القمر في السماء بالنسبة للشمس وقت غروبها مما يسهل رؤيته.

وثمة حكمة عظيمة في ربط تحديد بداية شهر الصوم ونهايته بالمشاهدة؛ إذ إن ذلك يجعل كل فرد مسلم أيّا كانت درجة ثقافته يشعر بأنه يستطيع أن يقدم شيئا لمجتمعه أو أن يكون له دور، وذلك بالمشاركة في عملية الاستهلال، فيزداد تفاعل عامة الناس مع شهر الصيام أكثر، ويصبح لشهر الصيام صفة جماعية أكثر، بينما لو اعتمد على الحساب فقط وبفرض إمكان ذلك لاقتصر إمكان المساهمة في تحديد البداية والنهاية على فئة قليلة جدا من الناس هم المختصون بالحسابات الفلكية، ولانعدم الإحساس بالجماعية، بل وحتى القائمون بالحساب يتجمد دورهم بعد وضع جداول مواليد القمر لبضع عشرات من السنين، كما تتحول العبادة الروحانية في أول ونهاية الصيام إلى مجرد عملية إجراء حسابات نظرية وقياسات عملية، أي كأنما هي عملية تجارب فيزيائية أو فلكية خاصة بفئة محدودة.

إن أحكام الشرع في الإسلام وإن جاءت على لسان الرسول صلى الله عليه وسلم فإنها منزلة من عند الله سبحانه وتعالى وهو الذي أحاط بكل شيء علما، بينما عامة البشر وحتى ذوو الاختصاص منهم لا يحيطون بشيء من علمه إلا باليسير مما شاء، فهل يعقل أن يعارض أو يغير أو يعدل الأقل علما أحكام الذي وسع علمه كل شيء؟ طبعا لا، ولذلك كان التشريع الإسلامي صالحا لكل زمان ولكل مكان، وقد قال الرسول صلى الله عليه وسلم: "ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه" أي أن الغلبة للدين.

ولنذكر في هذا المجال بأنه لا يمكن أن يحدث أي تعارض بين العلم وأحكام التشريع الإسلامي مهما تقدمت الحضارة والكشوف العلمية؛ لأن كليهما مردّه واحد وهو الله سبحانه وتعالى، والإنسان من خلال أبحاثه العلمية إنما يتدرج في كشف أغوار الطبيعة وأسرارها اللانهائية والمخبوءة فيها منذ خلق الله تعالى السماوات والأرض وليس هو يصنع هذه الأسرار أو القوانين التي يكتشفها؛ فالله تعالى هو خالق الكون وأسراره.

أما هل يجوز استخدام أدوات الرصد المكبّرة كالتلسكوب أو المنظار لأجل مشاهدة القمر في أبكر وقت ممكن بعد خروجه من المحاق؟ فهذا أمر متروك للفقهاء، إلا أنه من المفيد أن نتذكر أنه من الخطر الشديد رصد القمر من خلال المكبرات البصرية وهو لا يزال بجوار الشمس لما فيه من أذية للعين وقد تبلى بالعمى الدائم. ولئن وضع حاجز شاف (نصف شفاف) وراء العدسة الجسمية أو قبل العدسة العينية للتقليل من شدة الضوء الوارد إلى العين لحمايتها لضعف من جهة أخرى إمكان تمييز الهلال الباهت نفسه، وانتفت الفائدة المرجوّة من الأداة الضوئية المستعملة.

آمل أن أكون قد وفقت في تبيان نواحي الضعف في عملية اعتماد الحساب بدلاً من الرؤية من الناحية العلمية البحتة، وكذلك عدم جواز الاكتفاء بالحساب من وجهة النظر الشرعية البحتة، وأن يكون قد حسم بذلك موضوع الجدل حول هل يصح للمسلمين وهل يمكن لهم -علميا- أن يعدلوا إلى الحساب بدلاً من المشاهدة العينية للقمر.

تابع أوراق الملف:


  باحث فلكي سوري، وعضو الجمعية الفلكية البريطانية.

[1]  هذا مجرد افتراض مبني على مسلّمة خاطئة، وهي: علم النبي بكل ما سيكون إجمالاً وتفصيلاً وهو مناقض لصريح القرآن {قُل لاَّ يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلاَّ اللهُ} (النمل: 65) {إِنَّمَا الْغَيْبُ للهِ} (يونس: 20)، وما يعلمه النبي من أمور الغيب فهو مما أطلعه الله عليه، وعلى وجه الإجمال، وفي الأمور الشرعية التي تقتضيها النبوة. وأبقينا على الكلام مع خطئه لأهميته في توجيه فكرة المقال. (محرر "الإسلام وقضايا العصر").

* المقال نقلاً عن مجلة العربي الكويتية 1 نوفمبر 2003 - 7/9/1424هـ / العدد 540 مع إعادة تحرير.