عقوبات الحدود.. بين التعليق والتطبيق
الشنقيطي: النداء ما له وما عليه
ولا ينبغي أن تنقص هذه الآراء الغريبة من تقديرنا لجهد الرجل وجهاده، وعطائه العلمي الثري، ولا أن تنقص من ترحيبنا بطرحه الجريء ومقولاته المستحدثة؛ فهي -في الغالب- مقولات تستفز العقل المسلم بجرأتها، وتستحثه إلى مراجعة آلياته، والارتفاع إلى مستوى تحدياته.
وهذه ملاحظات على نداء الدكتور طارق الصادر يوم 18/03/2005 الذي دعا فيه إلى "تعليق" العمل بالحدود الجنائية الإسلامية، بما فيها حد القتل وكل العقوبات الجسدية.
نقاط الاتفاق
أود ابتداء إبراز بعض الأفكار التي أوافق الأخ الدكتور طارق عليها، قبل الحديث عن نقاط الخلاف:
* أحسن الدكتور طارق صنعا بتنديده بما يتسم به بعض فقهاء ومثقفي المسلمين اليوم من خوف وديماغوجية ومجاراة للعوام والدهماء، بحيث أصبحوا يتجنبون الخوض في بعض الأمور الحساسة التي يطرحها الناس حول الإسلام يوميا، أو يقدمون إجابات تلفيقية باردة، لا تحق حقا ولا تبطل باطلا، أو يعترضون بشدة على كل رأي مخالف للمعهود، وإن كان له ركن من الشرع مكين. وفي قصة الشيخ محمد أبو زهرة عبرة للمعتبر: فقد كتم الشيخ رأيه في أن الرجم ليس تشريعا إسلاميا لمدة عشرين عاما، ثم لم يبح به إلا قبيل وفاته. يحكي الشيخ القرضاوي في مذكراته -وهو من شهود الواقعة- أن الشيخ أبا زهرة حين باح بهذه الرؤية في "ندوة التشريع الإسلامي" عام 1972 "هيجت عليه أعضاء المؤتمر" و"ثار عليه أغلب الحضور، وقام من قام منهم... ويبدو أن هذه الحملة الهائجة المائجة التي واجهها الشيخ أبو زهرة جعلته يصمت عن إبداء رأيه؛ فلم يسجله مكتوبًا بعد ذلك". وقد علق الشيخ القرضاوي على ذلك تعليقا ذا دلالة، فقال: "توقفت طويلا عند قول الشيخ أبي زهرة عن رأيه: إنه كتمه في نفسه عشرين عاما، لماذا كتمه ولم يعلنه في درس أو محاضرة أو كتاب أو مقالة؟ لقد فعل ذلك خشية هياج العامة عليه، وتوجيه سهام التشهير والتجريح إليه، كما حدث له في هذه الندوة. وقلت في نفسي: كم من آراء واجتهادات جديدة وجريئة تبقى حبيسة في صدور أصحابها، حتى تموت معهم، ولم يسمع بها أحد، ولم ينقلها أحد عنهم"!! ونحن نقول: لقد آن الأوان للعقل المسلم أن يتحرر من الديماغوجية، وآن الأوان لفتح حرية التفكير والتعبير دون كوابح.
* أحسن الدكتور طارق في إلحاحه على تحقيق العدل والحرية والكرامة للإنسان المسلم قبل أي شيء آخر. فالذي يريد تطبيق الحدود دون بناء النظام السياسي والاجتماعي المنصف، مثل الذي يرسم حدود دولة لا وجود لها أصلا. لقد تشوه مفهوم "تطبيق الشريعة" في أذهان العديد من المسلمين اليوم، فاستحال مفهوما جنائيا، يجعل الشريعة الإسلامية مجرد حشد من العقوبات والحدود والقيود، بدلا من وضعها في موضعها الصحيح: نظاما إيجابيا للحياة يحقق الخير والعدل والحرية، تحميه حدود زاجرة. وذلك أثر من آثار انحطاطنا الحضاري اليوم، ففي ظروف الانحطاط تسود الحيطة والحذر، على حساب المبادرة والإقدام والإيجابية.
كما أن الدكتور طارق على حق في تنديده بالتوظيف السياسي لتطبيق الشريعة من طرف بعض الحكام المستبدين الذين جعلوا الشريعة خادمة للسلطة، لا العكس المفترض. فهؤلاء الحكام الظلمة يعبدون الله على حرف، فهم مع الشريعة في خدمة أهوائهم وظلمهم، وهم ضدها في دعوتها إلى القسط والعدل والحرية واحترام الكرامة الإنسانية. ومن آخر أمثلة هذا المنحى المنافق قول أحد القضاة مؤخرا، وهو يحاكم سياسيين معارضين في موريتانيا، ويبرر تعذيبهم: "أنا لا أهتم بمعاهدة نيويورك المناهضة للتعذيب، لأن التعذيب جائز في الفقه المالكي"!! ومن أمثلته السجون الملأى بسجناء الضمير في السعودية وغيرها، ووصم هؤلاء المظلومين بأنهم "خوارج" أو "بغاة" أو "محاربون" أو غير ذلك من الأوصاف المستجلبة من قاموس الفقه الإسلامي لغايات غير نزيهة. ولو كان نداء الدكتور طارق حول منع التعذيب والاعتقال التعسفي في العالم الإسلامي، لكان أكثر فائدة وأعظم ثمرة.
* أوافق الدكتور طارق على أن أسلوب المناكفة والمجانبة المطلقة مع الغرب موقف سلبي، فليس كل ما يدعو له الغرب في بلادنا شرا محضا، ولا كل ما نحرص عليه خيرا محضا. وربما يكون الموقف الأنسب هو التعاطي الإيجابي مع ما يدعو به الغرب اليوم من إصلاح وحرية في العالم الإسلامي، رغم ما تشتمل عليه تلك الدعوة من نفاق وانتقائية، لأن ما يهم -من وجهة نظر سياسية- هو الآثار وليس المقاصد. فإذا دعا الغربيون إلى الحرية والديمقراطية لامتصاص الغضب والسخط على سياساتهم في العالم الإسلامي، أو لمجرد التظاهر أمام شعوبهم وأمام العالم، فليس لنا أن نرفض تلك الدعوة بحجة أن دوافعها أنانية. صحيح أن المقاصد أنانية، لكن الثمرة أكبر وأبعد أثرا من أي دافع ظرفي. وإذا انتقد بعض الغربيين بعض أحكام الفقه الإسلامي، فينبغي أن يكون ذلك حافزا لنا على تحرير تلك الأحكام، والتدقيق في أصالتها، وفحص دفاعاتنا من الداخل للتأكد من قوتها وحصانتها الشرعية. أما مجرد الرد الانفعالي على النقد الغربي فهو لا يقدم ولا يؤخر...
نقاط الخلاف
تلكم بعض الأفكار المهمة التي استثارها الدكتور طارق بندائه، وهي جديرة بالتقدير والتأمل. وتبقى نقاط الخلاف مع دعوة الدكتور طارق بحاجة إلى وقفات:
أولا: كنت أود أن يفرق الدكتور طارق بين حد الرجم وغيره من الحدود. فالرجم لم ينعقد عليه إجماع المسلمين في الماضي، بل أنكره المعتزلة والخوارج، وتشكك بعض الصحابة -كما يروي البخاري- فيما إن كان تم تطبيق الرجم في العهد النبوي قبل نزول آية الجلد فيكون منسوخا بها، أم أن التطبيق النبوي استمر بعد نزول هذه الآية. وأثار عدد من العلماء المعاصرين إشكالات فقهية جدية حول أصالة حد الرجم في الإسلام، منهم الشيخ محمد أبو زهرة الذي يعتبره دخيلا على الإسلام، والشيخ القرضاوي الذي يفتح الباب لاجتهاد الحاكم في وقف تنفيذه. وأغلب أحاديث الرجم لا تخلو من مغمز وعلة في السند أو المتن أو كليهما.. وبعض هذه الأحاديث تشتمل على أمور منكرة في الإسلام، مثل الإيحاء بتحريف القرآن الكريم في حديث الداجن، وأمر عمر برجم امرأة مجنونة (البخاري). فهذه إشكالات كافية لوقف حد الرجم، درءا للحد بالشبهة، وصيانة لدم المسلم من الهدر بحجة غير قطعية.
ثانيا: كنت أتمنى كذلك أن يميز الدكتور رمضان بين حد القتل الذي ينفذ في قاتل، وبين القتل بالردة الذي أثار علماء أجلاء اعتراضات جدية حوله، وميزوا بين الردة موقفا فكريا، وبين الردة خيانة سياسية وخروجا عسكريا على السلطة الشرعية المنتخبة. ولو أن الدكتور طارق انطلق من هذا التمييز لوجد في آراء الفقهاء المعترضين على القتل بالردة -وهم اليوم كثير- وفي تفسيرهم لأحاديث الردة بهذا المعنى شبهة كافية لدرء الحد، دونما تعسف في الطرح، أو سعي إلى نسف مجمل النظام الجنائي الإسلامي. أما وقد انطلق الدكتور من تعميم، فإن النتيجة المنطقية والعملية لذلك هي تعطيل نصوص قطعية الثبوت والدلالة في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وهي النصوص التي وردت في حد القتل والسرقة والزنا والقذف والخمر. فهل هذا ما يريده الدكتور رمضان؟ أرجو ألا يكون الأمر كذلك، لأن أي مسلم جاد في الأخذ بمرجعية الكتاب والسنة لن يكون هذا مقصده.
ومهما يكن فلا أتوقع من قاض مسلم يخشى ربه اليوم أن يهدر دم مسلم بحد الرجم أو الردة، وهو يعلم أن هذا الموضوع فيه من اختلاف الآراء ما يكفي شبهةً لدرء الحد، سواء وافق على هذه الآراء من الناحية الفقهية أم لا. وكنت أتمنى أن يبرز الدكتور طارق هذه النقطة المحددة.
ثالثا: أخشى أن يكون الدكتور طارق قد أغرق في التنظير في هذا النداء، وابتعد عن الواقع أكثر من اللازم. فالحدود الشرعية معطلة في كل الدول المسلمة تقريبا، وهو ينادي بتعليقها، والنصوص الشرعية الواردة فيها مجمدة، وهو ينادي بتأويلها. ثم إن إبراز الموضوع بهذه الطريقة يوحي للقارئ الأجنبي أن ديار الإسلام اليوم مسلخة ملأى بالأيدي المبتورة، والرؤوس المقطوعة... إلخ رغم أن هذه الحدود لا يكاد يسمع أحد عن تنفيذ لها أصلا. وبهذا يكون الدكتور طارق أثار الآخرين على الإسلام بندائه هذا من حيث أراد طمأنتهم، وقدم صورة مشوهة وغير دقيقة عن واقع العالم الإسلامي، وهو الحريص على الدقة ونقاء الصورة. كما قدم الدكتور طارق الحدود في صورة قوانين جائرة، لا جزءا من نظام عام يحقق العدل.
ولم يصرح برأيه في تطبيق هذه الحدود في الظروف الطبيعية. فإذا سلمنا بما انطلق منه ضمنا، وهو أن العالم الإسلامي كله يعيش ظروفا استثنائية، وهو أمر فيه نظر على أية حال، فإذا كانت ذريعة تعليق الحدود هي الظروف السياسية، فهل هذا معيار تستوي فيه الدكتاتورية التونسية مع الديمقراطية الماليزية؟ وإذا كانت الذريعة هي البؤس الاقتصادي، فهل هذا معيار ينطبق على دولة الإمارات العربية المتحدة وجمهورية مالي بنفس الطريقة؟ لقد كان الأوْلى بالدكتور أن يعترف بأن الحدود جزء من نظام العدل المنشود، وليست مقابلا أو نقيضا له. كما كان الأولى به ألا يعمم في حديثه عن الوضع السياسي والاجتماعي في العالم الإسلامي، وهو وضع في غاية التباين والاختلاف.
رابعا: من الواضح أن القيم الغربية أثرت على العقل المسلم اليوم تأثيرا عميقا، ولم يقتصر هذا التأثير على العلمانيين، بل امتد إلى الإسلاميين أيضا، خصوصا المقيمين منهم في الغرب مثلي ومثل الدكتور رمضان، فبدأ مسار التكيف مع ثقافة مختلفة يتحول إلى رؤية أخلاقية ودينية.. لكن من المفيد لنا جميعا أن نفهم بنية النظام الأخلاقي الغربي، وتطوره التاريخي، وليس من ريب أن طارق رمضان يدرك ذلك بعمق. فالضمير الأخلاقي الغربي اليوم يتعاطف مع الجاني أكثر من المجنيِّ عليه، ومع الفرد أكثر من المجتمع، لأسباب دينية وتاريخية عديدة، ليس أقلها شأنا النفسية المسيحية المشبعة بعقيدة "الخلاص" و"الصلب" و"الفداء". لكن هذا المنحى من النظر الأخلاقي في الغرب هو الذي فتح الباب إلى الليبرالية المتحررة من أي ضابط أخلاقي، وجر إلى كوارث إنسانية واجتماعية، مثل مرض "الإيدز" الذي يفتك بعشرات الملايين اليوم، والشذوذ الجنسي الذي يهدم بنية المجتمع الإنساني. وسبب كل ذلك عدم الضبط الأخلاقي لحياة الفرد بقوانين المجتمع، واعتبار الأخلاق شأنا شخصيا لا يطاوله القانون. فإذا كان لدى الغربيين من القيم السياسية ما يثير الإعجاب حقا، فإن لديهم من الموبقات الأخلاقية والاجتماعية ما يثير الحذر والتحفظ بحق.
وأخيرا أذكر أستاذنا الكريم الدكتور طارق رمضان بقول الله عز وجل بعد الحديث عن حد الزانيين: {وَلاَ تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللهِ إِن كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ}.
اقرأ في الملف:
مقالات في المنهج:
- حقائق.. حول تطبيق الشريعة والحدود
- الخطاب الفقهي حول الحدود.. ومتغيراته
- حدود النظر في الأحكام الشرعية
تعليقات على مقال طارق رمضان:
- طارق البشري: دعوة بلا أساس
- الشنقيطي: النداء ما له وما عليه
- د. طه العلواني: افتئات غير مقبول
- أحمد الراوي: نداء عقيم
- د. صلاح سلطان: لا بد من التريث
ردود طارق رمضان:




















