مدارك: بوابة الثقافة والفكر الإسلامي المعاصر "إصدار تجريبي"
أرسل لصديق ||

عقوبات الحدود.. بين التعليق والتطبيق

حدود النظر في الأحكام الشرعية

د. محمد بن نصر
د. محمد بن نصر
لست مختصًّا في أحد من العلوم الشرعية، أو بالأحرى العلوم التي استأثرت بهذه الصفة، وتحديدا في علم الفقه وأصوله*، ولذلك سيغلب على ما أقوله الطابع المنهجي، وسأكون متسائلا أكثر مني مجيبا، وسأهتم بضوابط التفكير في مسألة النظر في الأحكام الشرعية وليس الأحكام في ذاتها.

ويمكن تناول الموضوع من خلال المحاور التالية:

الإصلاح.. ومقتضيات الإيمان

ليست هذه المرة الأولى التي تطفو فيها هذه المسألة على السطح، فمنذ أن بدأ المسلمون التفكير في إصلاح أمرهم والبحث عن سبل استئناف دورهم الحضاري، بدأت مثل هذه القضايا تفرض نفسها عليهم، ولكن الجديد في الأمر أنه في كل مرة تتسع دائرة النظر. فقد اقتصر الاهتمام في الأول على الدعوة إلى مراجعة الفتاوى التي تتعارض مع قيم الإسلام الأساسية، أو على الأقل ما اعتبرت كذلك، ثم اتسعت الدائرة قليلا لتشمل الدعوة إلى مراجعة السنة النبوية، ثم اتسعت الدائرة أكثر لتشمل الدعوة إلى مراجعة بعض القضايا التي تجد لها سندا قرآنيا ولكن هذا السند القرآني قابل لإمكانية أن يفهم فهما يختلف عن الفهم السائد، ثم اتسعت الدائرة أكثر فأكثر لتصل هذه المرة إلى الدعوة إلى مراجعة الأحكام التي وردت بصيغ محكمة ومفصلة؛ بحجة أنها تتعارض مع قيم الحداثة، وتحديدا مع مواثيق حقوق الإنسان.

أصبح إذن من الضروري وضع معايير وضوابط لعملية النقد الداخلي. والنقد الداخلي أمر محمود في حد ذاته، إلا أنه هناك فرق بين السؤال النقدي الذي يسعى صاحبه من خلاله إلى الحصول على الاطمئنان القلبي تأسيا بأبي الأنبياء إبراهيم عليه السلام حين قال: (رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي) وبين سؤال المستعلي: (أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا). والمسلم أيضا يمكن أن يتملكه الاستعلاء حين يغتر بعلمه ويعطي لنفسه حق النقض لأحكام الله، بدعوى تقديم الإسلام في طبعة جديدة مناسبة للقيم الغالبة في العصر.

من مقتضيات الإيمان أن نؤمن بأن كل ما ورد في القرآن حق، ولا يمكن أن يوصف بالنقص، سواء وافق ما نسميه "عقلا" أو خالف ما نعده "معقولا"، فمن الممكن أن يجد المؤمن نفسه أمام أمور ذكرها القرآن ولكنها لا توافق رغبته، أو يعسر عليه -بحكم تكوينه النسبي- أن يدرك كنهها أو الحكمة من ورائها، وما يمكن أن يكون عصيًّا عن الفهم اليوم، يمكن أن يصبح مفهوما غدًا، ومن الجائز أيضا أن يظل كذلك، ولكن في كل الأحوال يجب على المؤمن أن يعتقد في أن قول الله لا يمكن أن يكون إلا معقولا، ولنذكِّر في هذا الإطار بقصة موسى والعبد الصالح، إذ لم يستطع النبي موسى عليه السلام أن يمسك نفسه عن السؤال عن أشياء بدت له غير معقولة، ولعل في ذلك إشارة إلى أن الإنسان حتى إن كان من المصطفين لا يستطيع أن يضع حدا للتساؤل، وتلك هي مأساة الإنسان: قدرة لا متناهية على السؤال وقدرة محدودة على الإجابة. ما كان من الممكن أن يسكت موسى وهو يرى العبد الصالح يخرق السفينة ويقتل الغلام ويقيم جدارا على وشك الانهيار في بلد قوم أهل سوء، لأن هذه الأعمال من شأنها أن تثير التساؤل بحكم أنها تبدو غير معقولة، ولكن عندما بيّن العبد الصالح الأسباب التي دعته إلى القيام بهذه الأعمال تبين لموسى عندها معقوليتها. فالقرآن الذي تعهد الله بحفظه لا يمكن أن يكون مناقضا لمبادئ العقل حتى إن بدا لنا عكس ذلك.

أذكر أنني حين كنت طالبا في الجامعة قمت ومجموعة من الأصدقاء بمدارسة كتاب المفكر السوداني أبو القاسم الحاج حمد رحمه الله "العالمية الإسلامية الثانية" في طبعته الأولى وكنا معجبين بأسلوبه الشيق ونقده المتين لأسس الفكر الوضعي، خاصة أننا كنا نعيش في تلك المرحلة حمأة الصراع الإيديولوجي مع التيارات الماركسية، إلا أن رأي الكاتب في العقوبات الجسدية، وبالتحديد في حكم قطع يد السارق، جعل النقاش ينحو منحى آخر ويتمحور حول العلاقة بالنص القرآني، وكيف يمكن أن نقرأه؟ وبحكم أن المرحلة حينئذ كانت مرحلة الدفاع عن الذات -إن جاز التعبير- انتهينا إلى أن قراءة النص القرآني بأدوات من خارجه لا يمكن أن تؤدي في النهاية إلا إلى إبطاله، فضلا على أن في ذلك هدرا للوقت وللجهد معا.

فإذا كنا سننتهي إلى مطابقة كلية مع القوانين الوضعية فلماذا لا نتبنى العلمانية من البداية ونريح أنفسنا من مهمة ترميم الدين وفق أنموذج مناقض له؟ استحضرت هذا الأمر لأبيّن أن للدين منطقا خاصا به، يجب كشفه، وهذا ما دعاني إلى الخوض في مسألة الضوابط التي يجب أن نستحضرها، خاصة أن المرحلة التي نعيشها اليوم هي مرحلة الذات المنفتحة التي تسعى إلى فرض نفسها في أجواء تهيمن عليها أيديولوجية اللذة والمتعة المنفلتة من كل القيم، ترفض الحديث عن الحد، وتعتبر كل شيء قابلاً للتغيير فلا شيء ثابتا إلا التغيير نفسه.

ومن دواعي الضبط المنهجي هو أن الدعوة إلى مراجعة الأحكام الإسلامية تأتي في صيغ موهمة، يختلط فيها الحق بالباطل، فالكل يزعم أنه ينطلق من مبادئ الإسلام، ولكن بعد أن يتم تجريد هذه المبادئ من إيحاءاتها الدينية وإلحاقها بما سُمِّي بالقيم العالمية التي أصبحت بدورها تُقدّم "طَبَقا أيديوجيا جاهزا" مقطوعة عن أسسها الفلسفية المادية، ثم يُوضَع كل ذلك على عربة "مقاصد الشريعة" التي أصبحت مفتاحا سحريا يُستخدَم من جميع الأطراف ولجميع الأغراض: من يدعو إلى التجميد، ومن يدعو إلى التعطيل، ومن يدعو إلى الإلغاء! جوقة غير متناغمة، اشترك فيها أصحاب النوايا الحسنة الذين أرهقهم الدفاع عن أحكام كثيرا ما استخدمها الظالمون ضد المظلومين، وكثيرا ما استخدمها الغافلون بغير حقها، أما أبطالها فهم أصحاب الإستراتيجيات البعيدة الذين فهموا أن إلغاء الدين مرة واحدة، جملة وتفصيلا: عملية مستحيلة، فعمدوا إلى تفكيك نواته، مرة بإثارة الشبهات حولها، ومرة بالدعوة إلى القيام بإجراء عمليات تجميلية بقصد أن تصبح أكثر ملاءمة للعصر، وقد وجدوا في الصدأ الذي ألحقه التقليد بهذه النواة الصلبة ما يبرر دعواهم.

ضوابط النظر في الحدود

من أين -إذن- نبدأ عملية التمييز بين الحق والباطل أو ما نعتبره كذلك؟ وما المعايير التي يجب استحضارها؟

- إن الدعوة إلى تجميد الأحكام الإسلامية يجب أن تكون مبررة بعدم توفر شروط تطبيقها والتفكير والعمل على إيجاد الظروف المناسبة لتطبيقها حتى لا يتحول المؤقت إلى دائم، مع العلم أن الجزء الأكبر من هذه الأحكام عمليّا معطل اليوم، وذلك من مبررات التساؤل حول الأهداف المسكوت عنها في هذه الدعوة، ومع العلم أيضا أن عددا من هذه الأحكام أحاط الله سبحانه وتعالى تطبيقه بجملة من القيود التي حوّلتها إلى أحكام ردعية بالدرجة الأولى. ولنأخذ مثلا على ذلك حكم الزنى الذي يتعذر توفير الشهود اللازمين لتطبيقه، ويذهب الدكتور عبد الحميد أبو سليمان إلى أنه حكم يهدف إلى القضاء على المجاهرة بارتكاب هذه الفاحشة وليس فعل الزنى في حد ذاته، فالمقصود من الحكم هو تطهير المجتمع، في حين أن المقصود من الاعتراف الشخصي باقتراف هذا الجرم هو تطهير النفس، على أن يكون هذا الاعتراف إراديا، ولذلك نفّذ الرسول حكم الزنى في المرأة التي اعترفت بمحض إرادتها بهذا الفعل ولم يأمر بالبحث عن شريكها.

في صحيح مسلم عن سليمان بن بريدة، عن أبيه. قال: جاء ماعز بن مالك إلى النبي صلى الله عليه وسلم. فقال: يا رسول الله! طهرني. فقال (ويحك! ارجع فاستغفر الله وتب إليه) قال: فرجع غير بعيد. ثم جاء فقال: يا رسول الله! طهرني. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (ويحك! ارجع فاستغفر الله وتب إليه) قال: فرجع غير بعيد. ثم جاء فقال: يا رسول الله! طهرني. فقال النبي صلى الله عليه وسلم مثل ذلك. حتى إذا كانت الرابعة قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم (فيم أطهرك؟) فقال: من الزنى. فسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم (أبه جنون؟) فأخبر أنه ليس بمجنون. فقال ( أشرب خمرا؟) فقام رجل فاستنكهه فلم يجد منه ريح خمر. قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (أزنيت؟) فقال: نعم. فأمر به فرجم. قال: ثم جاءته امرأة من غامد من الأزد. فقالت: يا رسول الله! طهرني. فقال (ويحك! ارجعي فاستغفري الله وتوبي إليه). فقالت: أراك تريد أن ترددني كما رددت ماعز بن مالك. قال: (وما ذاك؟) قالت: إنها حبلى من الزنى. فقال (آنت؟) قالت: نعم. فقال لها (حتى تضعي ما في بطنك). قال: فكفلها رجل من الأنصار حتى وضعت. قال: فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: قد وضعت الغامدية. فقال (إذن لا نرجمها وندع لها ولدها صغيرا ليس له من يرضعه). فقام رجل من الأنصار فقال: إلى رضاعه يا نبي الله! قال: فرجمها

- يجب أن يكون أمر التجميد صادرا عن مجامع علمية إسلامية وليس عن مجامع فقهية ولا عن أفراد معينين؛ مجامع تتكون من مختصين يجمعون بين ما اصطلح عليه تقليديا بالعلوم الشرعية وبين العلوم الإنسانية، فمعرفة الحكم من الناحية النظرية لا تكفي ولكن يجب معرفة مآلات تنزيله في الواقع وما يمكن أن يترتب عنه. وهو ما يستوجب معرفة عميقة بالإنسان وبمحيطه الاجتماعي والطبيعي.

- يجب أن يكون التجميد محدودا من حيث المكان، فما يعطل في مكان معين لاعتبارات معينة يجب أن يستمر العمل به حيث تنعدم هذه الاعتبارات، فالحكم الشرعي لا يعطل لذاته، وإنما لعدم توفر شروط تطبيقه، فما يجمع على ضرورة تعطيله في بلد ليس بالضرورة أن يعطل في البلدان الإسلامية الأخرى. 

- أما فيما يتعلق بمراجعة الأحكام من الناحية النظرية فإنه يجب التفريق بين نوعين من الأحكام: الأحكام التي جاءت واضحة وبيّنة في القرآن الكريم بحكم قطعيتها في الفهم واستحالة أن تتحمل تأويلا مختلفا، ومشفوعة بتحذير إلهي من مغبة تغييرها، مثل حد الزنى كما نص عليه القرآن، ومثل أحكام الإرث، ومثل حكم الإعدام لمن قتل نفسا بريئة دون حق، والأحكام التي تحتمل الاختلاف في الفهم، نذكر على سبيل المثال حكم الردة وحكم الرجم وسنبين مبررات ذلك، أو الأحكام التي ارتبطت بعلة مخصوصة لم تعد متوفرة مثل تنصيف الحد على غير الحر؛ فالحكم كما هو معروف يدور مع العلة وجودا وعدما، ووجود العلة أو عدمها يمكن أن يكون مؤقتا ويمكن أن يكون دائما، ومن المحتمل أيضا من الناحية النظرية أن العلة التي ظننا أنها قد اندرست تماما تعود إلى الظهور في أشكال مختلفة، مثلها مثل الأمراض التي نظنها قد اندثرت بالكامل ثم نكتشف بعد ذلك أنها عادت للظهور.

إن الأحكام التي جاءت دلالتها قطعية لا يمكن التفكير في تغييرها بدعوى عدم مسايرتها للواقع؛ فالشارع الذي أحاط علمه بكل شيء، يعلم المتغيرات التي حصلت والتي ستحصل يوما ما، ولأنه يعلم أننا سنجد في أنفسنا حرجا مما قضى نجده يذكرنا بأنه العليم الخبير ويحذرنا من الضلالة، وبذلك ختم آية الإرث التي جاءت في بداية سورة النساء بالقول: (تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ)، ثم عاد وذكرنا في نهاية السورة حين بين لنا حكم الكلالة قائلا: (يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ). وفي ذكره لحكم الزنا قال تعالى: (وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ)، لأنه يعلم سبحانه أنه سيأتي من يتكلم عن قسوة هذا الحكم. مع إشارة عابرة إلى أنه إذا كان الله قد حذرنا من استبشاع الجلد والرأفة بمن ارتكب جريمة الزنى فلا يمكن أن يفرض حكما أقسى من ذلك في حق المحصن ثم يرفع نص هذا الحكم بعد أن اعتدى عليه داجن حسب بعض الروايات.

ولنا أن نتساءل: كيف يمكن لمؤمن أن يتعبّد بنص تجرأ على تغييره وإلغائه بدعوى أن الحكم الوارد فيه لم يعد بإمكانه تحقيق العدل أو أنه لم يعد مقبولا بحسب المعايير التي فرضتها المنظومة الأخلاقية الحديثة؟ أنّى له أن يحافظ على قدسية هذا النص وقد وضعه في نفس مستوى نصوص البشر القابلة للمراجعة والتعديل والدحض؟ ما الشعور الذي ينتاب مثل هذا الشخص وهو يقرأ في صلاته آية لم يجد حرجا في نسخها بنفسه؟ مع العلم بأن منهجية تحليل النص التي يتغنى بها الكثيرون لا تكون علمية إلا إذا أخضعت النص وكاتبه إلى التحليل العلمي، وهذا لا يكون ممكنا إلا إذا اعتبرنا القرآن نتاجا بشريا وليس وحيا يوحى.

ما يقبل المراجعة من الأحكام وتطبيقاته

أما لماذا نعتبر أن هناك بعض الأحكام قابلة للمراجعة فذلك للأسباب الآتية:

السبب الأول يتمثل في كون النصوص المتضمنة لها تسمح بذلك بحكم ظنيتها، ولذلك لم يحصل الإجماع على هذه الأحكام، حتى إن كان الرأي الغالب قد أصبح منذ زمن بعيد الرأي الجامع كما هو الحال في حكمي الردة وزنى المحصن.

والسبب الثاني هو أنه ليس هناك ما يمنع من الناحية النظرية أن يصبح الرأي الأقل رأيا: غالبا إذا استجد من المبررات ما يجعله أكثر فعالية وأكثر تقبلا.

والسبب الثالث يتمثل في قاعدة التيسير؛ فالمؤمن إذا خُيّر بين أمرين اختار أيسرهما، فلماذا نصر على التمسك بأكثر الاجتهادات تشددا في حين أن هناك اجتهادات أخرى ليست أقل من الأولى قوة ومتانة تميل إلى التيسير.

دعنا لنرى إلى أي حد يمكن أن نطبّق هذا الأمر على الحكمين السالفي الذكر؟

الخلاف الذي حصل بين أهل النظر في مسألة الردة منشؤه الاختلاف في تحديد طبيعة هذا الفعل، فهناك من اعتبرها جريمة سياسية، وهناك من اعتبرها جريمة عقدية، فاعتبارها جريمة سياسية يجعلها من صلاحيات ولي الأمر الذي من حقه أن يقدر العقوبة المناسبة لها، واعتبارها جريمة عقدية يجعلها تدخل ضمن جرائم الحدود التي هي من حق الله لا مجال للاجتهاد فيها.

وبما أنه من الثابت تاريخيا أن أبا بكر رضي الله عنه قاتل المرتدين ليس لأنهم بدلوا عقيدتهم وإن كان من بينهم من كان كذلك، ولكن لأنهم رفضوا الولاء للدولة الإسلامية الناشئة التي رأوا فيها قوة لقريش، بدليل أنه لم يطبق الحكم على المرتدين المنهزمين، حين تحولوا إلى مجرد أفراد لا يمثلون خطرا على الدولة.

وبما أنه من الثابت أيضا أن الرسول صلى الله عليه و سلم قد عفا عند فتحه لمكة عن قوم كان قد توعدهم بالقتل منهم عبد الله ابن أبي سرح الذي كان من قبل من كتبة الوحي ثم ارتد، وقبل فيه شفاعة عثمان بن عفان، ومعلوم أنه لا شفاعة في حد من حدود الله. فالردة بهذا المعنى فعل سياسي لا علاقة له بحرية العقيدة التي جاءت واضحة في القرآن لا لبس فيها (فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ)، في المقابل لا نجد آية واحدة تشير إلى قتل المرتد واكتفى القرآن بالقول: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الضَّالُّونَ). ما نروم أن نصل إليه في هذه العجالة هو أن مراجعة حكم المرتد مسألة لها أكثر من مبرر، فضلا على أن هذا السيف المسلط على الذين يريدون أن يبدلوا دينهم لا يسهم إلا في تزايد أعداد الذين يظهرون الإيمان خوفا ويعملون بالكفر سرا ويتحولون إذا رأوا في ذلك مصلحة إلى ضحايا للاستبداد الإسلامي، والأصل أن يكون ابن آدم حرا كريما بغض النظر عن دينه. فضلا على أن هذا الحكم عادة ما يستغله الظلمة من الحكام للتخلص من معارضيهم بدعوى تبديلهم لدينهم والعكس صحيح أيضا.

أما عقوبة الرجم فلا شك أن الرسول قد حكم بها في حالات كان الدليل فيها اعتراف الجاني على نفسه، ولكن الإشكال الذي أثير والذي بقي -على ما يبدو- معلقا: هو معرفة ما إذا كان الرسول صلى الله عليه وسلم قد نفذ هذه العقوبة قبل أم بعد نزول سورة النور حيث إن الصحابي الذي سئل عن هذه المسألة أجاب بأنه لا يدري. إضافة إلى ذلك، فإن الرجم عقوبة تنتهي بموت صاحبها فشأنها ِشأن عقوبة القتل، فهي عقوبة قاسية من المفروض أن يتم إثباتها بالقرآن أو بالسنة المتواترة، والمعلوم أن القرآن لا يتضمن آية في هذا الشأن، والقول الذي يذهب إلى أن آية: (الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة نكالا من الله والله عزيز حكيم) قد تضمنها القرآن إلى حين نسخها أو اعتداء الداجن عليها، قول لا يحل المشكلة، بل تتولد عنه آلاف المشكلات: أيعقل أن يقال هذا عن كتاب تعهد الله بحفظه؟ وهب أن هذا الداجن استطاع أن يصل إلى النسخة التي كانت بحوزة عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها فهل استطاع أيضا أن يصل إلى كل النسخ الأخرى؟ ودعنا  نتخيل أن العملية كانت منظمة وأن هذا الداجن قد استطاع أن يستعمل كل أعوانه فهل استطاع أن يصل أيضا إلى صدور حفظة القرآن من الرجال والنساء فيمحو منها هذه الآية؟ أما القول بأنها منسوخة، فمعلوم أن هناك من الأصوليين من أنكر مسألة نسخ النص وبقاء الحكم، لا ضير إذًا في إعادة النظر في مسألة خلافية.

أما السنة التي أخبرت عنها فكلها أخبار آحاد، وبالتالي ما يثبت بها لا يمكن أن يصل إلى درجة الإثبات القطعي، وما يزيد الأمر تعقيدا هو أن عقوبة الرجم لا تنصف في حين أن الله تعالى قال: (فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنْ الْعَذَابِ) فمن المنطقي أن يكون عقاب المحصنات من الحرائر الجلد فحسب، وبذلك يكون من الممكن تنصيف العقوبة للإماء المتزوجات. كل هذه الاعتبارات تجعل إعادة النظر في هذه المسالة مطلبا مشروعا. هل يمكن أن يكون جزاء من اعترف بشكل إرادي بهذه الجريمة، وكان من الممكن له أن يستر نفسه ويتوب لربه توبة نصوحة، أن نحكم عليه بالرجم وبين أيدينا سورة النور؟ كيف يكون القتل رجما نهاية هذه النفس التي تريد أن تتطهر؟

- والتعقيد يصبح إشكالا يستوجب إعادة نظر في حكم الرجم؛ لأن الله جل جلاله قال في عقوبة الزنا: )الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُم بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ((النور:2). وفي نفس السورة وبعد بضع آيات ذكر حكم اللعان فقال تعالى: )... وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَن تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ ( (النور: 8). في حال اللعان المرأة ذات بعل فيدفع عنها العذاب، فما العذاب الذي أشارت إليه هذه الآية؟ أليس هو العذاب المتقدم في الآية الثانية وهو الجلد، وقد اعتبره عذابا كما هو بيّن من قوله تعالى: )وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا(،  فليتأمل النظار في كتاب الله فإنه معين لا ينضب.

هذه بعض القواعد التي يجب استحضارها كلما أثيرت هذه المسألة، ولن يتوقف الذين يسعون إلى تفكيك الدين الإسلامي عن إثارتها مستغلين في ذلك حالة الوهن التي تعيشها نخب الأمة. سعينا من وراء ذلك إلى تأطير التفكير في هذه المسألة الخطيرة ووضع حدود للتفكير في الحدود.

اقرأ في الملف:

مقالات في المنهج:

تعليقات على مقال طارق رمضان:

ردود طارق رمضان:


  أستاذ جامعي، مدير تحرير مجلة التجديد بماليزيا سابقا

* أنا مدين بالشكر لأستاذي الفقه وأصول الفقه بالجامعة الإسلامية العالمية - ماليزيا: د.حسن هنداوي ود.نعمان جغيم على ما أبدياه من ملاحظات قيمة أثرت هذه المقالة.