مدارك: بوابة الثقافة والفكر الإسلامي المعاصر "إصدار تجريبي"
أرسل لصديق ||

ميرفت طه تحكي معاناة أمهات في الأسر

سامر خويرة / 16-02-2005

ميرفت ووائل..وفرحة اللقاء بالزوج والأب لأول مرة مجتمعين
ميرفت ووائل..وفرحة اللقاء بالزوج
والأب لأول مرة مجتمعين

بعد عامين تماما من ولادتها لابنها البكر وائل، رأت الأسيرة الفلسطينية ميرفت طه -21 عاما، من سكان مدينة القدس- النور، بعد أن أطلقت سلطات الاحتلال الإسرائيلي سراحها هي ونجلها من سجن تلموند الخميس 3-2-2005.

وبعد محاولات عدة للوصول إليها لانشغالها بالمهنئين، تحدثنا معها عن ليلة الاعتقال، وفترة التحقيق، والمخاض، والولادة، والصعوبات التي مرت عليها هي ونساء فلسطين في السجون الإسرائيلية.

وكانت محكمة إسرائيلية قد حكمت على ميرفت بالسجن لمدة 4 سنوات ونصف لمحاولتها مساعدة مطلوبين، بعد 3 شهور من زواجها، أمضت ثلثي حكمها في سجن تلموند الذي تحتجز فيه إسرائيل ما يقارب من 100 أسيرة فلسطينية، وكان من المقرر الإفراج عنها في شهر أيار 2006، في حين أن ابنها وائل الذي أصبح عمره عامين كان من المقرر -وفقا لقوانين السجون- فصله عن أمه في الثامن من شباط الجاري، إلا أن محكمة "الشليش" (قضاء ثلثي المدة) قررت الاكتفاء بالمدة التي قضتها وتم إطلاق سراحها "لحسن سلوكها".

12 يوما في التحقيق

تقول ميرفت: في الثانية عشرة بعد منتصف ليلة 29-5-2002 اقتحم الجنود منزلي في منطقة "العيسوية" بالقدس، واقتادوني إلى مركز اعتقال "المسكوبية"، ومنه إلى سجن الجملة حيث أمضيت 12 يوما متواصلة في زنازين التحقيق.

وتضيف أم وائل: "مارسوا بحقي شتى صنوف العذاب؛ فقد هددوني بالقتل والاعتداء الجنسي، بالإضافة إلى الضرب المبرح والشتائم، وكذلك اتبعوا الأساليب النفسية معي، وحرموني من الالتقاء بالمحامي، وهددوني باعتقال أشقائي وشقيقاتي، وبأنني لن أخرج من هذه الزنازين حتى أموت.. كل هذا كان يحدث ويداي مقيدتان للخلف وقدماي مربوطتان بكرسي مثبت بالأرض".

وتتابع ميرفت: "طلبت منهم أن يجروا لي فحصا لأعرف نفسي هل أنا حامل أم لا، لكنهم كانوا يرفضون ويزيدون في تعذيبي، وبعد انتهاء التحقيق أجريت فحصا، وعلمت أنني أحمل في أحشائي جنينا، ومع هذا فلم تختلف معاملتهم معي؛ بل زادت صعوبة".

وائل والسجن

الأسير المحرر الطفل وائل 

 وتمضي الأسيرة المحررة ميرفت طه في حديثها عن يوم ولادتها والظروف الصعبة التي عانت منها برفقة ابنها وهي داخل السجن، قائلة: "معاناتي كانت مضاعفة؛ فإلى جانب المعاملة التي عانيت منها من السجانين وإدارة المعتقل كان همي على ابني وأنا حامل به".

وتتابع: "يوم 8-2-2003 تاريخ لا ينسى؛ فقد نقلوني نحو الساعة السادسة صباحا إلى المستشفى حتى ألد، وقاموا بوضع القيود بيدي وقدمي، ولم يفكوها إلا الساعة السابعة مساء قبل الولادة بدقائق، ولم يكد وائل يخرج للحياة حتى أعادوا تربيطي من جديد، ولم تسمح لي إدارة السجن بالبقاء في المستشفى للمراقبة، بل أعادتني للسجن فور انتهاء الولادة مباشرة".

ووصفت ظروف السجن بأنها صعبة، وأنها واجهت مشاكل وصعوبات في تربية ابنها وائل؛ لانعدام الطعام الجيد والمناسب. تقول ميرفت: "لم أقم بإرضاعه بالشكل المطلوب؛ فقد كنت أعاني من سوء التغذية، وكذلك وجود جروح في صدري من التعذيب، وكذلك هناك قلة في الطعام والعناية والنظافة، وأذكر عندما طلبت من إدارة السجن إدخال الحافضات كانت في حالة تعفن كاملة".

وتتابع: "وجدت صعوبة بالغة في التعامل مع وائل؛ فإني لا أملك الخبرة وهذا طفلي الأول؛ لذلك استعنت بالأسيرات صاحبات الخبرة والتجربة داخل السجن؛ كالأسيرة قاهرة السعدي (محكومة بالسجن 3 مؤبدات)، فعندها 4 أولاد وخبرتها جيدة، وكافة الأسيرات الأخريات وقفن بجانبي في كافة المواقف واللحظات".

ويشار إلى أنه يوجد طفل آخر رضيع آخر داخل السجن اسمه نور، وهو ابن الأسيرة منال غانم.

24 أما أسيرات

من جهتها تقول المحامية بثينة دقماق من مؤسسة "مانديلا" التي تعنى بشئون الأسرى الفلسطينيين: بين الأسيرات اللواتي يزيد عددهن على 128 أسيرة 24 أمًّا، إحداهن أم لتسعة أطفال وهي زهور حمدان (أم النصر) من مدينة قلقيلية، كما أن شقيقتها زكية كانت معتقلة إداريا وهي أم لأحد عشر ولدا، وكذلك الأسيرة أمل علان من بيت لحم التي استشهد زوجها وهي داخل السجن ولديها طفل يدعى معاذ.

ومن بين الأسيرات الأمهات واحدة من الجولان السوري المحتل هي آمال محمود.

والأكثر قسوة بالنسبة للأسيرة الأم هو عندما يكون زوجها أسيرا أيضا؛ حيث يعيش أطفالهما دون رعاية أي منهما؛ مثل إلينر السراحنة (روسية مسلمة) وغيرها.

وقد أفرج مؤخرا عن أسيرات أزواجهن في الأسر بعد قضاء فترات متفاوتة في الأسر مثل أسماء أبو الهيجاء، ومؤخرا أيضا أطلق سراح زوج إحدى الأسيرات وهي قاهرة السعدي.

ولحرمان ذوي الأسيرات والأسرى من زيارة ذويهم فإن بعض الأسيرات لم يلتقين أطفالهن منذ ما يزيد عن ثلاث سنوات ونصف، منهن الأسيرة سونا الراعي من قلقيلية التي لم تشاهد ابنها سوى مرة واحدة طيلة الانتفاضة.

وتضيف: "فرغم قسوة الحياة في الأسر خصوصا لأم لديها أطفال داخل الأسر أو خارجه فإن الأسيرات نجحن في تحويل واقعهن المستحيل هذا إلى واقع يمكن العيش فيه بل واستغلاله في بناء شخصياتهن ثقافيا واجتماعيا وإنسانيا".

ولديها العديد من الأمثلة على ذلك؛ منها الأسيرة سعاد غزال من قرية سبسطية المجاورة لنابلس التي دخلت الأسر طفلة في الخامسة عشرة والنصف، وأصبحت اليوم فتاة ناضجة ذات ثقافة رفيعة.

صنوف التعذيب

وكشفت الأسيرة المحررة "ميرفت طه" عن أشكال التعذيب والمعاملة القاسية التي تعيشها الأسيرات، تقول: "كنا نجبر على التعري من كامل ملابسنا؛ وذلك من أجل التفتيش خلال ذهابنا وإيابنا من المحاكم، وتقوم السجانات بفحص الأسيرات بواسطة جهاز كهربائي في مناطق حساسة من أجسامهن، والتي ترفض تلاقي أشد أنواع الضرب والإيذاء والعقوبات".

وشرحت ميرفت معاناة الأسيرات داخل السجون الإسرائيلية، قائلة: "فيما يتعلق بالطعام يتم تحديد الكميات التي تدخل الكانتين (المقصف) ونوعيتها؛ حيث تكون في معظمها منزوعة القيمة الغذائية بنسبة 80%، وهي عبارة عن معلبات تحوي المواد الحافظة فقط، وقد أدى ذلك بالأسيرات إلى تراجع صحتهن، وتواجد حالات فقر الدم، وتساقط الشعر".

وأوضحت الأسيرة المحررة أن "هناك إهمالا واضحا وتأخرا في علاج الأسيرات، وإعطاء الدواء لهن"، ومضت تقول: "يتبع طبيب الأسنان داخل المعتقل سياسة خلع الأسنان للأسيرات دون معالجتهن، وقد طلبت الأسيرات تغير هذا الوضع، فأبت الإدارة، وقالت لهن: "أحضرن طبيبا على حسابكن الخاص"، وعندما تم الاتفاق على حضور طبيب فلسطيني تراجعت الإدارة عن ذلك منذ سنتين ونصف وحتى الآن".

وذكرت فيما يتعلق بزيارات الأهل أن مصلحة السجون الإسرائيلية تضع منذ أكثر من سنتين ونصف ثلاثة حواجز بين الأسيرة وأهلها، مضيفة: "تضع إدارة السجون حاجزين زجاجيين وشَبَكا في الوسط حتى لا تسمح بأي تواصل إنساني بين الأسيرة وأهلها، كما أنها لا تسمح للأطفال دون سن التاسعة بالدخول إلى غرفة الزيارة".

وناشدت ميرفت طه وعائلتها "المسئولين في السلطة الفلسطينية الاهتمام بقضية الأسيرات على وجه الخصوص، وأن يتم إطلاق سراحهن في المرحلة الأولى؛ لإثبات حسن النوايا من قبل الإسرائيليين، وألا تترك قضيتهن عرضة للمساومات والابتزاز".

سجن تلموند

سجن تلموند (هشارون) لا يتمتع بظروف أفضل من سائر السجون الإسرائيلية، بل يمكن اعتباره من أسوئها؛ حيث تعاني 100 أسيرة من ظروف صعبة للغاية؛ حيث يفتقر السجن إلى مقومات الحياة التي من الممكن لأي إنسان أن يعيش فيها؛ فالطعام رديء نوعا وكما، ويفتقر إلى أي مواد أساسية تلعب دورا في بناء الجسم وحمايته. أضف إلى ذلك أن هناك نقصا في الملابس المناسبة صيفا أو شتاء، كما أن السجن يفتقر إلى التهوية؛ فلا تدخله الشمس، وترتفع فيه درجة الرطوبة، ويفتقر إلى التدفئة شتاء مع نقص في الأغطية الدافئة.

ولا تقف الأمور عند هذا الحد؛ بل يزيد من سوئها سلسلة العقوبات الممنهجة والدائمة التي تتعرض لها الأسيرات بين الحين والآخر دون مبرر؛ حيث يتم قمع الأسيرات برشهن بالغاز والماء البارد، ويمنعن من الفورة والزيارة، ويتم تعريضهن لسياسة العزل لفترة غير محددة، إضافة إلى ضربهن وإهانتهن وإجبارهن على التفتيش العاري في كل مرة تخرج الأسيرة فيها إلى المحكمة.


  صحفي فلسطيني من نابلس.