مفاهيم الجهاد والحرب العادلة واستعمالاتها المعاصرة *
تقديس العنف.. ودلائله
من جهة أخرى أثيرت من جانب اليسار القديم والجديد مسألة «العنف الثوري»، وحرب الشعب الطويلة الأمَد. وكان البارز في هذا التقديس للعنف ثلاثة أمور:
الأول: الربط الجديد للعنف بالأخلاق، بدلا من ربطه بالضرورة كما كان عليه الأمر سابقا. ومن هذا القبيل إطلاق الرئيس ريجان على الاتحاد السوفيتي اسم "مملكة الشر"، وصولا للرئيس بوش الابن الذي اعتبر الحرب على الإرهاب صراعا بين الخير والشر.
والأمر الثاني: ربط العنف بالدين؛ فالحرب العادلة مفهوم مسيحي قديم، جرى أواخر السبعينيات، ثم تجدد الحديث فيه بعد أحداث 11 أيلول (سبتمبر) 2001. كما أن الجهاد مفهوم وممارسة إسلامية. وقد عاد الحديث فيه بشكل جديد في النصف الثاني من السبعينيات، وسأعود لذلك فيما بعد.
والأمر الثالث أن الفرقاء الثلاثة الرئيسيين الذين سوّغوا العنف منذ السبعينيات وهم: اليساريون الجدد، والإسلاميون، والإنجيليون الجدد، ما كانوا راضين عن مقاربة القانون الدولي والمؤسسات الدولية لمسألة العنف، لجهة التخاذل عن التدخل العنيف في النزاعات لمصلحة المظلومين وفي القضايا العادلة، ولجهة الخضوع للقوى الكبرى ومصالحها التي تفرض التجاهل أو التدخل بحسب ما تقتضي اهتماماتها. وقد استخدم المحافظون والإنجيليون حجة عجز الأمم المتحدة لتبرير التفرد الأمريكي في التدخل العنيف، بينما استخدمها الثوريون الإسلاميون واليساريون لممارسة العنف بأنفسهم دونما انتظار للدولة أو للمجتمع الدولي.
برزت في رسالة «الفريضة الغائبة» عدة أمور جديدة تتعلق بالجهاد، كما تطور المفهوم في السبعينيات: إن الجهاد فرض عين، وليس فرض كفاية كما تقول النظرية السنيّة التقليدية، وبالتالي فإن في إهماله إهمالا لركن من أركان الإسلام. وقد كان ممكنا التوفيق بين هذه الرؤية والرؤية التقليدية التي ترى أن الجهاد يتحول إلى فرض عينٍ إذا غُزيت ديار المسلمين، لولا أن "فرج" أضاف أمرا آخر إذ قال بجواز استخدام الجهاد -مفهوماً ومصطلحاً- في الداخل الإسلامي ضد الحاكم وأعوانه. وهو ما عاد في ذلك إلى مفهوم الجاهلية الذي استخدمه سيد ومحمد قُطب، بل إلى ابن تيمية وابن القيِّم وابن كثير، الذين شككوا في عقائد حكام مسلمين في عصر الحروب الصليبية والمغولية، بناء على خضوعهم أو تعاونهم مع الغزاة.
وقد اتسع مجال التكفير فيما بعد لدى بعض الفئات المتطرفة، ليشمل فئات اجتماعية واسعة إضافة إلى الحكام وأعوانهم. وأرى أن ذلك يعود لاتساع تأثير السلفية الوهابية على الإسلاميين عامة في السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي. فالسلفيون يهتمون بالتدقيقات الفقهية، أو أنهم يربطون العمل بالإيمان ربطاً محكماً، أكثر مما تفعل المذاهب التقليدية، وأكثر مما كان يفعله الإخوان المسلمون فيما بين الثلاثينيات والخمسينيات من القرن الماضي.
وما دامت الدولة كافرة تجوز ممارسة الجهاد ضدها، فيسقط شرط ثالث من الشروط الإسلامية التقليدية ليكون الجهاد مشروعاً، وهو قيام الدولة به عبر قواها النظامية أو بإذنها، ودائماً إذا كانت الحرب موجهة ضد الخارج، أما إذا كان المراد مقاومة عدو مهاجم فيجوز لأي فرد أن يدافع عن أرضه ووطنه من دون إذن من السلطات الرسمية.
ويمكن القول: إن حرب أفغانستان وجّهت الأمور في اتجاه آخر أقرب للأجواء الكلاسيكية الإسلامية. فقد انصرف الجميع لمقاتلة الروس، وهم عدو كافر يحتل أرضاً إسلامية. والمعروف أن التنظيمين المصريين المتطرفين: الجهاد، والجماعة الإسلامية، اللذين شاركا في حرب أفغانستان، ظلاّ يقومان بعمليات في الداخل المصري في الثمانينيات والتسعينيات. وقد استخدما في بياناتهما ومواقعهما على الإنترنت مصطلح الجهاد. لكن الأعمّ الأغلب لديهما استخدام المصطلح ضد الروس والأمريكيين. وقد دارت نقاشات فقهية وسياسية في أوساطهم فيما بين العامين 1986 و1990 حول الإيمان والكفر، وحول جواز استخدام العنف في الداخل. وفي حين انتهت الجماعة الإسلامية –كما هو معروف– إلى إيقاف العنف في الداخل، ظل تنظيم الجهاد يُجيز استخدام العنف الداخلي وباسم الجهاد، لكن ضد الحكام وأعوانهم فقط.
السلفية الجهادية
وإذا كانت حرب أفغانستان قد نقلت الإسلاميين المتطرفين من مرحلة الجهاد الداخلي إلى مرحلة الجهاد الخارجي، فإن ظهور «السلفية الجهادية» أواسط التسعينيات من القرن الماضي، أنتج جديداً أيضاً. المصطلح: «السلفية الجهادية» استخدمه للمرة الأولى الشيخ عبد الله عزام العام 1987. ويبدو أن المُراد به كان توحيد صفوف السلفيين العرب وغير العرب في أفغانستان على مشارف خروج الروس منها. لكن المصطلح شاع في بيانات ابن لادن ثم في بيانات المقاتلين الجزائريين بين 1994 و1996. وقد اختلف ابن لادن فيما بعد مع الجزائريين حول الأولويات. فقد رأى ابن لادن أولوية مقاتلة أو مجاهدة الأعداء الخارجيين، بينما أراد السلفيون الجزائريون مقاتلة النظام الجزائري ورجال أمنه وعسكرييه بناء على تكفيرهم له وللجزائريين الذين لا يثورون عليه.
والواقع أن في ما بين السبعينيات والتسعينيات من القرن الماضي، كانت الإشكالية لدى السلفي أنه لا يستطيع التمرد على الحاكم إلا إذا اعتبـره كافراً، إذ هو يقول بالطاعـة للحاكم (خوف الفتنة) حتى لو كان ظالماً أو مغتـصِباً للسلطة؛ ولذلك كان هناك من قاتل الحكّام باعتبارهم مرتدّين، في حين آثر آخرون القتال الخارجي لتجنب إشكاليات مبدأ الطاعة للحاكم، أو تكفيره.
ما هي الحرب العادلة؟
وأود أن أذكر ملاحظة ختامية حول مقولة «الحرب العادلة». فقد اتصل بي عندما كنت أدرّس في Harvard في خريف العام 2002 مدير معهد القيم الأمريكية، الذي كان قد وجه بياناً إلى المثقفين المسلمين في 12 شباط (فبراير) عام 2002، وقع عليه ستون مثقفاً أمريكيًّا، أرادوا إقناعنا بأن «الحرب على الإرهاب» هي حرب عادلة. وبعد نقاشات استمرت حوالي العام، التقينا عرباً وأمريكيين في مالطا، للنقاش في كل المشكلات، ومن ضمنها مسألة «الحرب العادلة». وما أمكن الاتفاق حول هذه المسألة بالذات، في حين تحقق تقارب في مسائل أخرى بما في ذلك قضية فلسطين.
وأذكر نقاشاً دار بين عبد الله ولد أباه من موريتانيا وجمال باروت من سورية من جهة، وجونسون ونوفاك من جهة ثانية. قال جونسون: إن الحرب الدفاعية حرب عادلة، ووافقه ولد أباه وباروت على ذلك. ثم اختلف الطرفان على تعريف الحرب الدفاعية، فقال العربيان: الحرب الدفاعية هي التي يعتبرها القانون الدولي كذلك، ومن ضمنها حروب التحرير الوطني، والحرب لمواجهة هجوم من الخارج. وما وافق جونسون ونوفاك على ذلك، بل قالا: إن الحرب العادلة هي التي تقول القيم الأخلاقية إنها كذلك، أما المؤسسات الدولية فبعض قوانينها خطأ، وبعضها الآخر غير فاعل. وقال العرب الحاضرون: عندنا مقياس متفق عليه وأنتم وضعتموه قبل ستين عاماً وتتجاهلونه الآن، ثم تذهبون إلى عدم الفاعلية، مع أنه بعد أحداث 11 أيلول بخمسة أيام اتخذ مجلس الأمن الدولي قراراً إجماعيًّا بضرب القاعدة في أفغانستان، وذهبت معكم دول عدة إلى هناك، ولا تزال معكم، مع أنكم تجاوزتم تكليف مجلس الأمن بإسقاط حكومة أفغانستان، وإحلال عصابات مسلحة محلها، كنتم أنتم أنفسكم قد أسهمتم في إبعادها عن السلطة، ثم ما هي الدوافع الدفاعية والأخلاقية لحربكم على العراق، والتي فهمنا أن أكثركم أيّد إدارة بوش فيها؟ إنكم في الحقيقة تقيمون تماثلاً أو تماهياً بين الأخلاق وفهمكم للمصالح الوطنية الأمريكية!
لقد تراجعت في السنتين الأخيرتين صيحات الجهاد وصيحات الحرب العادلة على حد سواء. فلا أحد الآن يقبل جهاديات ابن لادن والزرقاوي، وأكثر دعاة الحرب العادلة من المثقفين واللاهوتيين الأمريكيين كفوا عن التصريح بذلك اتعاظاً بما حدث ويحدث في العراق.
بيد أن جهاديات الإسلاميين المتشددين تعني في مجالنا الديني والثقافي، أكثر بكثير مما تعنيه مقولة الحرب العادلة في الثقافة الأمريكية المعاصرة. فالسلفية الجهادية هي رؤية نكوصية للعالم، تعلن عن تصدع البنى التقليدية للإسلام الرسمي، وتتحدى مرجعياته، دونما قدرة من جانب تلك المرجعيات المنضوية في إطار الدولة على حماية نفسها ووظائفها وجمهورها.
* المقال كلمة ألقيت مؤخرًا في مؤتمر القاهرة حول "المجتمع المدني والعنف".





















