الترابي .. فتاواه وآراؤه (ملف)
وهنا يغدو الحديث عن الحقيقة بالغ الصعوبة، فيسبقها الجدل والخصام حول مراد الرجل أوَّلا، ثم حول صلته بالمعهود التراثي ثانيًا، ثم صلتها بمنهجه ثالثًا، وهل هي صادرة عن الترابي المفكر المعنيّ -في بعض أحايينه- بالفكر والتجديد، أو هي صادرة عن الترابي السياسي المشغول- غالب أيامه- بالسياسة وألاعيبها المحفوفة ببريق السلطة.
محاضرة الترابي التي كانت حول (تجديد الفكر الديني) وما أوردته الصحافة من تصريحات له أو اقتباسات أو نُقولٍ عنه، أثارت الكثير من الجدل، لكن هذا الجدل غلب عليه الفقه، إذ إن الترابي خرج على العديد من المسلّمات الفقهية المعهودة.
وفي الواقع إن شخصية الرجل الملتبسة تلقي بثقلها على كيفية قراءة تلك الآراء وتوقيتها ومضمونها، فهل هي ذات هدف سياسي عبر بوابة الفقه؟ أم هي عودة الفقيه المجدّد إلى ساحته القديمة لإعادة بث الحياة في أطلالها التي كادت تندرس؟.
أيًّا كان الهدف منها، فإن تلك الآراء استأثر بها الفقهاء، أو الجدل الفقهي تحديدًا، فقد انعقدت في 20-6-2006 ندوة في القاهرة لمناقشتها، وأخبرني الشيخ عبد المجيد الزنداني بتاريخ 25-6-2006 بأنه بصدد إعداد ندوة لمناقشتها في جامعة صنعاء، وقبل ذلك كله وصلتني عدد من الردود والمناقشات حولها.
هذا الملف اقتصرنا فيه على أربعة عناوين، اثنان منها يتناولان الجدل الفقهي والعقدي، واثنان منها يتناولان تجاذبات السياسي والديني في شخصية الترابي وأطروحاته، وهذه المقالات تتفاوت في عمقها ومنهجيتها، كما تختلف في توجهات أصحابها، حرصًا على التنوع؛ على مستوى الأفكار والتوجهات، وعلى مستوى زاوية التناول والمعالجة، واعترافًا منا بتركيبية النظر إلى القضية، وبأننا يجب أن نكون على بيّنة من زوايا النظر والمعالجة كافة، سواء في بعدها الفقهي الكلاسيكي، أم في بعدها الإصلاحي.
فالبُعد الفقهي الكلاسيكي له منهجيته المعروفة في النقاش والمعالجة، من الاستناد إلى رأي "الجمهور"، و"الإجماع"، و"الرأي المعتمد"، وحشد الأدلة بغض النظر عن مدى قوتها وضعفها، ومستوى الدلالة فيها (ويمثلها هنا: فتاوى الترابي: قراءة في المنهج والتطبيق).
فضلاً عن أن هذا المقال ليس دقيقًا في معالجته ومنهجيته حين يحاكم الترابي إلى التراث، وقد أعلن الترابي قديمًا بلا مواربة ضرورةَ تجاوز الموروث الفقهي كله باعتبار أن التنقيب فيه لن يغني عن ضرورة إيجاد فتاوى جديدة عصرية.
أما البُعد الإصلاحي فيتم فيه التماس المستند والشرعية في تلك الآراء التراثية والحديثة التي تُعتبر "شاذة" وخارج منظومة "الجمهور" و"الرأي السائد"، فيُرى للترابي سلف في كل رأي ارتآه، ومن ثم فلا يكون قوله بدعًا من القول (ويمثلها: آراء الترابي من غير تكفير ولا تشهير).
أما المقالان الآخران فهما يتناولان شخصية الترابي المركبة من السياسي والديني (فكرًا وفقهًا) والجدل الذي يحيط بذلك التركيب، أحدهما (الترابي والاستقطاب الفكري والسياسي) صدر عن كاتب سوداني، ينطلق من موقف سياسي من الرجل، يقوّم فيه تجربته، ويقرأ فيه أفكاره وتصريحاته بحسب توقيتها، ويرى فيها أنها تصريحات لتسخين الساحة، وتحريك السجالات السياسية. بينما يتحدث المقال الآخر عن شخصية الرجل والجدل حولها وطبيعته وخلفياته.
نأمل أن يكون الملف وافيًا بوجهات النظر المختلفة، وبزواياها المتعددة، ليقدم رؤية متكاملة الأبعاد.

























