التربية أم الجهاد.. أيهما أولاً؟
فلسطين- أجمع علماء في الشريعة وخبراء في التربية على ضرورة توازي خيارَي التربية والجهاد في برنامج الحركة الإسلامية في الأراضي الفلسطينية، مشددين على أنه لا يعقل أن نتخلى عن مقاومة العدوان والاحتلال والظلم بحجة الإعداد والتربية.
واختلف العلماء والخبراء الذين استطلعت "إسلام أون لاين.نت" آراءهم بشكل منفصل في أولويات العمل، غير أنهم أجمعوا على أن الاعتداءات لم تترك خياراً أمام الحركة الإسلامية سوى الرد على العدوان.
واعترف عدد من المستطلعة آراؤهم بأن مشاركة الحركة الإسلامية في الفعل المقاوم في الأراضي الفلسطينية المحتلة كانت في بعض الأحيان على حساب الجوانب الدعوية والتربوية، فتوسيع قاعدة الحركة كان على حساب النوعية والبناء التربوي.
عقدان من التربية مهدا للجهاد
وقال الدكتور فريد أبو ضهير أستاذ الإعلام والتربية في جامعة النجاح بالضفة الغربية: إن الحركة الإسلامية خاضت مرحلة تربوية امتدت إلى عقدين منذ بداية السبعينيات حتى نهاية الثمانينيات، ونجحت خلالها في تجميع صفوة الشعب الفلسطيني ومثقفيه وعاشوا مرحلة من البناء والإعداد والتربية بما ممكن الحركة من بناء عمل مقاومة.
وأضاف: في الواقع فإن تطورات الأحداث والجرائم التي ترتكبها قوات الاحتلال لم تترك خياراً أمام الحركة الإسلامية سوى انتهاج خيار المقاومة كخيار مواز لمنهاج التربية الذي تعتمده منذ فترة طويلة كمنهج أساسي للدعوة الإسلامية، وبناء الأساس الذي تقام عليه المجتمعات التي تريد النهوض بواقعها.
الدعوة ترفد المقاومة
وأشار إلى أن الحركة الإسلامية لم تترك التربية بل كان هناك شقان إن صح التعبير: الحركة الدعوية "الإخوان" وتقوم بالتربية، وحركة المقاومة لتتولى العملية الجهادية، والفكرة أن تقوم الحركة بجانبها التربوي والدعوي برفد حركة المقاومة بالأجيال الشابة والشخصيات المرباة التي يمكن الاعتماد عليها وهو ما حاصل فعلاً في فلسطين.
إشكالية توسع القاعدة
ولفت أبو ضهير إلى أن دخول الحركة الإسلامية لفهم المقاومة أثر إلى حد ما على العمل التربوي والدعوي، فمعظم الطاقات الدعوية تم استقطابها للعمل المقاوم وبالتالي أثر على حضورها في الجانب التربوي، والعمل المقاوم أدى إلى اتساع القاعدة بشكل كبير وزيادة لافتة في العدد ولكن على حساب الكيف وكان الملاحظ وجود نقص في التربية للأجيال الجديدة، وهذا هو التحدي أمام الحركة الإسلامية وقياداتها.
جدلية الدولة والتغيير
وبخصوص إقامة الدولة والتغيير أشار إلى أنها عملية جدلية؛ فالدولة تساهم في عملية التغيير، والسلطان يكون له دائماً دور في التغيير، وفي الكثير من البلدان يكاد التأييد للحركة الإسلامية يصل لأكثر من الثلثين، لكن قدرة هذه الأغلبية على التغيير بسيطة أمام مظاهر الحياة المصبوغة بالسلطة السياسية؛ لأنها أقدر على فرض سياساتها، كما أنه من المهم تهيئة الناس وإعدادهم لتقبل التغيير الإسلامي.
"سلامة": نعتمد التربية الجهادية
بدوره أكد الدكتور سالم سلامة أستاذ الشريعة، أحد قيادات الحركة الإسلامية، أن الحركة الإسلامية تعتمد برنامج "التربية الجهادية"، وهو مصطلح إسلامي لا نتشارك فيه مع أحد ونقصد به أن نربي أبناءنا على تحمل المشاق والتعب ابتغاء وجه الله ومن باعث ديني يدفعهم على السير في طريق النبي عليه الصلاة والسلام وصحبه الذين أوذوا في سبيل الله حتى تمكنوا من رفع راية التوحيد.
التربية: طاقات متجددة
وقال "سلامة": إن هذا الفهم جاء ليكون لدينا برنامج نرد به على كيد المعتدين الصهاينة، ولدينا الثقة الكاملة في برنامج الحركة التي تعلم وتربي أبناءها على حب لقاء الله، وأن الله إذا اصطفى عبداً اتخذه شهيداً، لذا عندما يتم اغتيال القادة أمثال ياسين والرنتيسي فلن يؤثر ذلك على برنامج الحركة، فهي قادرة بإذن الله ولديها من الطاقات والكفاءات ما يقوم بالمهام رغم فداحة المصاب في فقدان الشهداء والقادة.
التخصص مطلوب
وأشار إلى صعوبة الفصل بين التربية والجهاد، فالواقع له معطياته، ولقد علمنا الرسول صلى الله عليه وسلم التربية الإيمانية والتربية الجهادية، فعلى سبيل المثال خالد بن الوليد لم يكن قد مضى على إسلامه ثلاثة أشهر عندما جعله الرسول على رأس الجيش لأنه يؤمن بالعمل المتخصص.
وشدد على أننا لا يجب أن ننتظر أن نعلم الناس تربية إيمانية ثم نعلمهم تربية جهادية، ومرة أخرى نذكر بأن رجلاً جاء للنبي صلى الله عليه وسلم، وقال إنه يريد أن يسلم، فقال له: قل: لا إله إلا الله، ثم ألحقه بكتائب الجهاد.
ولفت إلى أنه لن يكون هناك دولة بدون تغيير في قلوب الناس وتوجهاتهم، فالتغيير من أسس إقامة الدولة، فالله سبحانه وتعالى يقول: "إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم".
توازن بين التربية والجهاد
|
|
|
الدكتور نسيم ياسين |
ويرى الدكتور نسيم ياسين أستاذ العقيدة في الجامعة الإسلامية بغزة، أن التربية والتي يقصد بها صقل الشخصية المسلمة بصفات وأخلاق إسلامية مستقاة من وحي القرآن والسنة، كانت من أساسيات الحركة الإسلامية، فالخلايا الأسرية -وهي أساس العمل الحركي لدى جماعة الإخوان المسلمين- تركز على الجانب القرآني والحديث والفقه وتزكية النفس، وكل ذلك المنهاج يرسخ المفاهيم التربوية، يتوازى مع ذلك الحلقات والندوات في المساجد والتي تهتم بها الحركة، ترسخ نفس المفهوم ومن ثم يقع الاختيار على أفضل العناصر للعمل الجهادي.
التضحيات والانضباط ثمرة التربية
وأقر بأن مشاركة الحركة الإسلامية في العملية الجهادية أدت إلى عرقلة نسبية في العملية التربوية رغم أن الأساسيات موجودة ولكن تطلعنا يبقى دائماً نحو التربية المتكاملة.
وأشار إلى أن صمود الحركة وتضحيات أبنائها وقدرتهم على تجاوز المحن ما هو إلا ثمرة من ثمار التربية، كما أن انضباط أبناء الحركة الإسلامية وتميزهم بالسمع والطاعة وعدم الانفلات مؤشر آخر على آثار التربية، لافتاً إلى الالتزام والانضباط الذي ساد عندما أقرت قيادة الحركة هدنة لفترة ما خلال الانتفاضة الحالية.
يشار إلى أن مشاركة حركة حماس في الفعل المقاوم لم تمنع استمرار جماعة الإخوان المسلمين من الاستمرار في نظام الخلايا الأسْرية وهو ما شكل عنصر صقل تربويا مستمرا.
الدولة والتغيير: ارتباط لا انفصام
وقال: إن إقامة الدولة مرتبطة بحجم التغيير الذي نقيمه في المجتمع فبالقدر الذي نسير فيه على خطى الصحابة يكون النجاح في إقامة الدولة التي نسعى إليها.
وأشار إلى أن الحركة الإسلامية مرت بفترة من الإعداد التربوي استمرت إلى ما قبل الانتفاضة الأولى، وعندما كان لا بد من الخوض في الجهاد والمقاومة أصبح الجهاد ملازماً للمقاومة وليس منفصماً عنه.
فالشباب المجاهد لا بد من إعداده إيمانياً وجهادياً، وبالتالي لا بد من توفر حد أدنى من التربية الإيمانية عند الأشخاص قبل المشاركة في العملية الجهادية لدى الحركة.
التربية إعداد للحياة
|
|
|
الدكتور درباح الشاعر |
ويعرف الدكتور درباح الشاعر أستاذ التربية في جامعة الأقصى التربية بأنها "عملية إعداد للحياة" وانطلاقاً من هذا الفهم يشير إلى أن حياة الشعب الفلسطيني كلها قساوة وعدوان وهو ما أدركته الحركة الإسلامية فكان إعدادها على شاكلة التحدي. وأكد أن الحركة وازنت بين الجانب التربوي والجهادي وبذلك استطاعت أن تحقق النجاح، والدليل هو حجم التأييد الذي يعكس حسن التوجه التربوي.
النموذج أساس التربية
وقال: إن الحركة الإسلامية استطاعت أن تعد الشباب لمواجهة هذا العدو فغرست معاني الإباء والكرامة وقدمت النموذج والقدوة علماً أن النموذج مهم جداً في العملية التربوية، وتفخر الحركة بعشرات النماذج في الجهاد والتضحية ويكفي أنها قدمت من قادتها ومؤسسيها شهداء ومعتقلين والتضحيات كانت تأتي دائماً من رجال الصف الأول بخلاف المتعارف عليه.
قضية شائكة
وأشار إلى صعوبة الإجابة على سؤال من نوع: "أيهما أهم الدولة أم التغيير؟" فهي قضية شائكة، غير أننا نعيش واقعاً، ويجب ألا تعطل التربية الجهاد فلا يعقل أن ننتظر بحجة الإعداد التربوي فالظلم والعدوان والبغي واقع علينا بل يجب أن يكون الجهاد والتربية متلازمين وكل منهما يكمل الآخر.
التربية لا تكون في الكواليس
ويرى الشيخ صبحي اليازجي مدير رابطة علماء فلسطين في قطاع غزة أن هناك ترابطاً وتكاملاً بين الجهاد والتربية فالأول ثمرة طبيعية للآخر، وهناك فلسفة جهادية تربوية تدرك من خلال المقاومة، فلا يعقل أن نربي في الكواليس.
وأشار إلى أن الفعل الجهادي والاستشهادي والتضحيات التي يقدمها اليوم أبناء وقادة الحركة الإسلامية ما هو إلا ثمرة من ثمار التربية. وقال: عندما نسعى إلى إقامة الدولة -وهي أمل منشود- فإننا نتطلع لدولة تحمي دين الله وترفع لواء الإسلام ويكون فيها للشرف والكرامة مكانة.




















