مدارك: بوابة الثقافة والفكر الإسلامي المعاصر "إصدار تجريبي"
أرسل لصديق ||

الدعوة والسياسة.. حينما يعجز الثقة

أحمد سعد / 01-12-2005

Image

بين الحين والآخر تنطلق صيحات جديدة قديمة، تلوم الدعاة وتتهمهم بأنهم لا يسيرون في طريق الدعوة بغرض إصلاح المجتمع، وإنما بغرض الوصول إلى سدة الحكم والاستيلاء على السلطة في بلادهم. وفي الجانب المقابل نرى بعض الدعاة ممن دخلوا المعترك السياسي، ومارسوا فعالياته، يهبون لدفع هذا "الاتهام" عن أنفسهم، وكأن الوصول للحكم أو المشاركة في السلطة عيب عليهم أن يتنزهوا عنه ويبرءوا منه!!.

ولست أدري لأي سبب ينفون عن أنفسهم هذه التهمة -إن صح لنا أن نسميها تهمة-، وبأي منطق يتنزهون عن الحكم والسلطة إلا بمنطق من لا يسأل الإمارة حتى يُطلَب إليها، وهو منطق يحتاج إلى تفصيل، ومبدأ يفتقر إلى الإنصاف؟.

وأرى أن الأمر برمته تعتريه بضعة مناحٍ لا بد من أخذها بعين الاعتبار، وبداية أحسب أن طلب الحكم يدخل في باب فقه السياسة الشرعية، وفقه الموازنات، كما يدخل في أبواب كثيرة أخرى من الفقه.

جلد الفاجر وعجز الثقة

والناظر في الأمر من باب قول عمر بن الخطاب: "اللهم إني أعوذ بك من جَلَد الفاجر وعجز الثقة"، يرى أن حصافة الفاروق -رضي الله عنه- جعلته يوضح لنا أن الواجب الشرعي يحتم على الثقات وأصحاب الحكمة والعلم المؤهَّلين ألا يعجزوا عن التصدر، بل عليهم -إن أتيحت لهم الفرصة وتهيأت الظروف- أن يقدموا أنفسهم للمناصب والولايات المختلفة، وأن تقاعسهم عن هذا الأمر متعللين بالزهد فيه وتنزيه أنفسهم عنه يوقعهم ويوقع مجتمعاتهم في مأزق أي مأزق؛ حيث يتصدى غير المؤهلين وأصحاب الأهواء لمثل تلك المواقع ويسطون عليها، وتقع البلاد تحت طائلتهم، ويقع ما يقع من فساد للبلاد والعباد.

وأعتقد أن من باب سد الذرائع -الذي هو قاعدة أصيلة من قواعد الدين- أن تجتث الفتنة من أصلها، وتوأد في مهدها، بأن يتقدم أو يُقدَّم أصحاب التقى والعلم والورع لتولي المناصب المختلفة والولايات؛ حتى لا يتسلط عليها أصحاب المصالح الخاصة والأهداف الفاسدة.

وينبغي ألا ينتظر أصحاب الورع أن يُطلَبوا للإمارة؛ حيث لا سابق يطلبهم ولا أمير يوليهم، بل عليهم أن يسعوا إليها بأنفسهم ويأخذوها بالطرق السلمية المتاحة التي يمكن ممارستها داخل النظام الاجتماعي والسياسي السائد في القطر الذي يوجدون به، كالترشيح في الانتخابات النيابية بكافة صورها، ومجالس الجمعيات والنقابات المهنية المختلفة، متأسِّين في ذلك بالصديق يوسف -عليه السلام- الذي حكى القرآن عنه طلبه تولي أمر خزائن الدولة، حيث قال لملك مصر: {اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم} (سورة يوسف: 55)، ونجد أن يوسف -عليه السلام- قد علل طلبه هذا بامتلاكه خصلتين أساسيتين فيمن يتبوأ هذا المنصب، بل وجميع المناصب، وهما: الحفظ، ومعناه هنا الأمانة التي تمنعه من أن يسطو على أقوات الشعب ويستنزف موارده لنفسه أو لغيره بوساطة أو محسوبية. والعلم الذي يجعله يضع الأموال في مصارفها الصحيحة، ويحميها من الضياع.

المنطق "القاروني"

ومن أخطر ما يؤدي إليه "عجز الثقة" وعزوفه عن تبوأ المناصب أن يفقد الناس ثقتهم فيه وينفضوا عنه؛ لأن الناس جبلوا على الإعجاب بصاحب السطوة والقوة والمال، وقد تخدعهم المظاهر. نعم للعلماء والدعاة سلطان على القلوب أي سلطان، لكن سلطانهم هذا يحتاج للتفعيل وجعله مؤثرًا في الحياة والناس.

والقرآن الكريم يصور لنا كيفية تأثير القوة والثروة في تشكيل الرأي العام، ولفت أنظار الكثيرين من البسطاء عن الحق، وتحويل أنظارهم عن الغوص وراء المظاهر الخادعة؛ وذلك في قصة قارون الذي خرج على قومه يتبختر في حلله وزينته، ويتمايل كبرا في موكبه، فاستطاع بهذه الجلبة والضوضاء أن يخطف أنظار البسطاء الذين يريدون الحياة الدنيا وزينتها، ودعاهم -بمظهره وزينته- إلى أن يحكموا عليه أنه ذو حظ عظيم، وأن ما هو فيه دلالة على نجاحه في الحياة.. يقول الله تعالى: {فخرج على قومه في زينته قال الذين يريدون الحياة الدنيا يا ليت لنا مثل ما أوتي قارون إنه لذو حظ عظيم} (سورة القصص: 79).

ويحسن بنا في هذا المقام أن نتساءل مع محمد أحمد الراشد: "هل هؤلاء الوزراء والموظفون وعموم جهاز الحكومة الذين لا يصلُّون، ولم تسجد جباههم لله تعالى، ولم يلتزموا حدود الحلال والحرام يصلحون لتطبيق القوانين الشرعية، أم أن داعية الإسلام المتحرق قلبيا مع معناها ومغزاها هو الأصلح؟" [من كتابه المسار].

إن الثقة حينما عجز صار العلماء دراويش، وأمست المساجد بيوتا مهجورة، وأصبح النطق بكلمة الحق إلقاء بالنفس إلى التهلكة، وأضحت المشاركة السياسية خطرا محققا، وصارت السلبية كياسة، وطلب السلامة بها سياسة.

وحينما تجلّد الفاجر، سلط سيفه على رقاب الناس، وصار يحكمهم بالعصا ويقودهم بالسوط، وحينما تجلد الفاجر نهبت الأموال وحل بالناس الفقر والجبن، وشوِّهت عقليات الشباب فأُلبسوا جلودا غير جلودهم، وفُصلوا عن ماضيهم، وعاشوا بلا هوية في عالم يبحث كل فرد فيه عن هويته ويجتهد في التمسك بها، وزاغوا عن قرآنهم وشرعهم وتقاليدهم وحضارتهم تحت شعارات التعولم وانصهار الحضارات وتبادل الثقافات.

كل هذا يدعو لوقفة يعلن فيها الثقات صراحة أنهم يريدونها لأجل الريادة والقيادة، وهذا حقهم، ولا يحق لهم التنصل منها، فيثب عليها الفجار في جنح الليل البهيم فيفترسونها افتراس الذئب للضحية التي تركها الراعي غير مبال بصراخها ليستسيغها الذئب فريسة سهلة، فلن تلبث صرخاتها لا تفارقه تذكره بتقاعسه عن نصرة الحق والوقوف له.

ونكرر مع عمر: "اللهم إني أعوذ بك من جلد الفاجر وعجز الثقة".

شارك في ساحة الحوار حول هذا الموضوع:


خطيب وإمام بوزارة الأوقاف المصرية.