مدارك: بوابة الثقافة والفكر الإسلامي المعاصر "إصدار تجريبي"
أرسل لصديق ||

خطورة التحيز الإسلامي (2-2)

د. سعيد شبار / 04-11-2009

Image
تنقل لنا المستشرقة الألمانية زيجرد هونكة شكوى أحد الآباء الروحيين النصارى، ممن كانوا شهود عيان في الأندلس على قوة جذب المد الروحي والفكري العربي الذي سقط ضحيته رعايا (النصارى) طوعا وعن طيب خاطر.

إنه أسقف قرطبه (ألقارو) الذي راح يجأر بشكواه بكلمات مؤثرة تصور بلواه: (إن كثيرا من أبناء ديني يقرؤون أساطير العرب ويتدارسون كتابات المسلمين من الفلاسفة وعلماء الدين، ليس ليدحضوها وإنما ليتقنوا اللغة العربية ويحسنوا التوسل بها حسب التعبير القويم والذوق السليم. وأين نقع اليوم على النصراني – من غير المتخصصين- الذي يقرأ التفاسير اللاتينية للإنجيل؟ بل من ذا الذي يدرس منهم حتى الأناجيل الأربعة، والأنبياء ورسائل الرسل؟ ..

ويتابع الأسقف: "واحسرتاه! إن الشبان النصارى جميعهم اليوم، الذين لمعوا وبزوا أقرانهم بمواهبهم لا يعرفون سوى لغة العرب والأدب العربي! إنهم يتعمقون دراسة المراجع العربية باذلين في قراءتها ودراستها كل ما وسعهم من طاقة، منفقين المبالغ الطائلة في اقتناء الكتب العربية وإنشاء مكتبات ضخمة خاصة، ويذيعون جهرا في كل مكان أن ذلك الأدب العربي جدير بالإكبار والإعجاب! ولئن حاول أحد إقناعهم بالاحتجاج بكتب النصارى فإنهم يردون باستخفاف، ذاكرين أن تلك الكتب لا تحظى باهتمامهم!..."

"وامصيبتاه! إن النصارى قد نسوا حتى لغتهم الأم، فلا تكاد تجد اليوم واحد في الألف يستطيع أن يدبج رسالة بسيطة باللاتينية السليمة، بينما العكس من ذلك لا تستطيع إحصاء عدد من يحسن منهم العربية تعبيرا وكتابة وتحبيرا، بل إن منهم من يقرضون الشعر بالعربية، حتى لقد حذقوه وبزوا في ذلك العرب أنفسهم)[1].

ولنترك للقارئ التأمل في النص وفي تغير وتبدل الأحوال. ولنتساءل لماذا وكيف وقع هذا التحول بهذه الدرجة الكبيرة؟ وإن كنا قدمنا بعض الإجابات السريعة فيما تقدم، فإننا نود أن نركز فيما يلي على إجابات أخرى أساسية ومكملة لها. وطيدة الصلة بموضوعنا حول التحيز الذي أصاب كيان الثقافة الإسلامية وحال دون استمرار إشعاعها وعطائها وتفاعلها الكوني وحال بينها وبين أصولها المؤسسة فجعلها رهينة تجارب ومعطيات تاريخية لا تكاد تنفصل عنها.

من مظاهر الانهيار الثقافي والحضاري في الأمة:

الدخول في طور الانكماش والتحيز. (تشخيصات من خلال نماذج).

لعل من أبرز عوامل انحسار المد الثقافي والحضاري في الأمة هو الانقلاب الذي وقع على مستوى الوعي والفكر الاجتهادي الذي كان سائدا في الأمة في أجيالها الثلاثة وحتى عصر الأئمة "المؤسسين" أصحاب المذاهب. ليركن الناس بعد ذلك إلى الجمود والتقليد ، حيث استكملت الفرق والمذاهب بناءها، فغدا التحيز للمقولات والتعصب لها ولو كانت مرجوحة وضعيفة السمة الغالبة في العصور اللاحقة، وسحب البساط كليا من تحت كل حركة اجتهادية تجديدية والتي غدت استثناءات نادرة بعد أن كانت أصولا مؤسسة.

إننا نعتبر مظاهر التحيز التي غدت بنيوية ومزمنة في كيان الثقافة الإسلامية وتجلت في علوم كثيرة منها، مسؤولة إلى حد كبير عن تقليص دائرة الرؤية إلى طبيعة الرسالة ووظائف وتكاليف الأمة. وهي تكاليف جماعية منوطة بالأمة تماما كما أنيطت التكاليف الفردية بالأفراد. لكن غلبة الفقه والنوازل الفردية والمصالح السياسية الخاصة وانحسار الرؤية الكونية الإنسانية ... كل ذلك عطل الاهتمام بشيء اسمه فقه التكالبف الجماعية الذي كان من المفروض أن يسهم في الحفاظ على كيان الأمة وعلى عطائها ودورها التشاركي والتفاعلي مع الغير..

 طالع أيضًا:

خطورة التحيز الإسلامي (1-2)
وقبل أن نعرض لبعض النماذج، نشير كذلك إلى أن هذه العلوم إنما نشأت حول النص، لكن تداولها التاريخي أبعدها عنه وبدل أن يكون شاهدا عليها تنبثق منه تصورا ومنهجا، أصولا وفروعا، تدور معه حيث دار، تعكس خصائصه وقيمه ومعانيه التي تمنحها قوة البقاء والعطاء في ساحة التدافع الكوني. بدلا من ذلك، نجد أن النص تحول فيها إلى شواهد، وقرئ قراءات عضين وأضحى حلبة استشهاد واستدلال على مقولات ناجزة وتصورات قائمة لا ينقصها إلا شواهد قرآنية أو حديثية. وهكذا كان التحول والانتقال من أصول تؤسس المعرفة إلى أصول أسستها المعرفة.

وأدى ذلك إلى استقلال تلك العلوم ، فأضحت كيانات مغلقة بكامل طقمها المفاهيمي لا تكاد تنفتح على بعضها، فكيف تنفتح على غيرها لتحقيق مراد النص ومقصده. وقد شهد التاريخ حالات صراع واحتراب حادة بسبب التحيزات المضمرة أو الصريحة والتي كان العامل السياسي حاضرا فيها كذلك تغليبا لجانب على آخر.

التكامل المفقود

آفة أخرى تنضاف إلى ما تقدم وهي أنه لم ينظر في بناء هذه العلوم إلى مصادر المعرفة في تكاملها، بحيث تعتمد بشكل متوازنصا وعقلا وواقعا، فغالبا ما نجد هيمنة جانب على آخر. الأمر الذي يبرر تضخم نزعات نصية مغلقة على حساب العقل ودوره في التدبر والتفكر والاجتهاد، وعلى حساب الواقع ودوره في تكييف الأحكام. أو تضخم نزعات عقلية أو واقعية على حساب إرشاد النص وهدايته وتصويبه وتسديده، فهو المطلق وما عداه نسبي متغير. ساعد على ذلك أيضا تصنيف العلوم إلى عقلية ونقلية  وظاهرة وباطنة وعادية وتعبدية وشريعة وعقيدة، والتمييز بين علوم دينية شريفة وعلوم دنيوية وضيعة مما زهد الطلاب في هذه الأخيرة فضاعت بذلك حضارتهم ودالت دولتهم ولم يستطيعوا نصرة دينهم...

ولئن كانت هذه التقسيمات محكومة بظرفيات تاريخية نشأت فيها فرق ومدارس معينة، ومحكومة بتبسيطات منهجية تربوية تعليمية، فإن تداولها التاريخي للأسف جعلها تستقر على ما هي عليه من غير إدراك لناظم ينتظمها إلى أصل كلي مهيمن ومصدق.

نلاحظ كذلك أن دوائر هذا التحيز متعددة ويمكن رصدها من زوايا مختلفة:

من جهة تعظيم وتشريف كل طائفة لعلمها ومعارفها التي هي عليها وهي من صنع أيديها وعقولها فتحولت بذلك إلى أصل والباقي تبع لها.

من جهة التفرق إلى طوائف ومذاهب شتى داخل العلم إلى حد التطاحن والتبديع والتفسيق والتكفير.

من جهة استقلال كل علم بمفرداته واصطلاحاته ومناهجه وكأنه كيان مكتمل العدة والعتاد لا علاقة له بغيره إلا من حيث تبعية هذا الغير له.

من جهة هيمنة مظاهر التجريد والصورية والتكرار ولنقل التاريخية على مباحث هذه العلوم وانحسار الفقه العملي والواقعي المتجدد بتجدد الزمان والمكان.... الخ.

انفراط الناظم المنهجي

وقد ساهم ذلك كله في انفراط الناظم المنهجي الذي يربط دوائر العلوم كلها بالوحي الملهم والمسدد. الذي بإمكانه أن يقوم مظاهر التحيز والقصور فيها، ويحدد نسب التكامل والتواصل فيما بينها ومع غيرها من العلوم الإنسانية والطبيعية، كما يجدد فاعليتها ويضمن استمراريتها بما يزودها من طاقة وقوة دفع لا تنضب لأنها تمتح من معين مطلق ولا متناه من الإمكانات.

ولنبدأ نماذجنا هذه بالأصل الأول وهو علم أصول الدين مع نص له دلالات كبيرة، يقول الشريف الجرجاني في مقدمة شرحه كتاب "المواقف" للإيجي: «إن أنفع المطالب حالا ومآلا، وأرفع المآرب منقبة وكمالا، وأكمل المناصب مرتبة وجلالا وأفضل الرغائب أبهة وجمالا هو المعرفة الدينية والمعالم اليقينية، إذ يدور عليها الفوز بالسعادة العظمى والكرامة الكبرى في الآخرة والأولى. وعلم الكلام في عقائد الإسلام من بينها أعلاها شأنا وأقواها برهانا وأوثقها بيانا وأوضحها تبيانا، فإنه مأخذها وأساسها وإليه يستند اقتناصها واقتباسها، بل هو كما وصف به رأسها ورئيسها»[2].

عندنا هنا اختزال للعلوم الدينية في علم الكلام أو العقائد، ولو توقف الأمر هاهنا لهانت المسألة. لكن عندما نلج مباحث هذا العلم وفرقه ومذاهبه وأحزابه نجد أن جهودا عظمى أنفقت على مدى أجيال وقرون في تاريخ الأمة لم تعد عليها بنفع يذكر، بل بتحويل ساحة الصراع إلى الداخل بعد أن كانت موجهة إلى درء شبهات الخصوم، ومن تم إحداث الشرخ الهائل في كيان الثقافة الذي أقعدها إلى الأرض وحول فيها وجهة البحث التي كانت تؤهل الأمة إلى الإمامة إلى وجهة ذات أنفاق وسراديب تشدها إلى الخلف.

يبين لنا صاحب "الملل والنحل"، عبد الكريم الشهرستاني تحيز أصحاب المقالات إلى مقالاتهم مهما ضعفت وصغرت، وحرصهم الشديد على التميز بها وكونهم لا يستندون إلى منهج في تعديد الفرق. فليس لهم أصل أو نص أو "قاعدة مخبرة عن الوجود" و «ليس كل من تميز عن غيره بمقالة ما في مسألة ما عُدَّ صاحب مقالة وإلا تكاد لا تخرج المقالات عن حد الحصر والعد». فلما كان لا بد «من ضابط في مسائل هي أصول وقواعد يكون الاختلاف فيها اختلافا يعتبر مقالة، ويعد صاحبه صاحب مقالة»، اجتهد الشهرستاني –كما يقول- «على ما تيسر من التقدير وتقدر من التيسير» حتى حصرها في "أربع قواعد هي الأصول الكبار" وهذه القواعد كما عددها هي (الصفات والعدل فيها)، (القدر والعدل فيه)، (الوعد والوعيد والأسماء والأحكام)، (السمع والعقل والرسالة والإمامة)، وكل قاعدة تندرج تحتها جزئيات كثيرة. وحصر كذلك كبرى الفرق الإسلامية في أربع (قدرية، وصفاتية، وخوارج، وشيعة) وتتشعب كل فرقة إلى أصناف تصل إلى ثلاث وسبعين فرقة[3].

وهذا الرقم هو الذي تمسك به أكثر عبد القاهر البغدادي في تعداده للفرق الكلامية بمطابقة كاملة لا تخلو من تكلف مع تركيز بالغ على "الفرقة الناجية"، ومن هو مشمول بالنجاة فيها ومن ليس بمشمول من الفرق المبتدعة الأخرى. كل ذلك استنادا إلى حديث تفرق الأمة والفرقة الناجية. فعد من الفرق اثنتين وسبعين ليجعل "الفرقة الثالثة والسبعون هي أهل السنة والجماعة من فريقي الرأي والحديث دون من يشتري لهو الحديث، وفقهاء هذين الفريقين وقراؤهم ومحدثوهم ومتكلموا أهل الحديث منهم كلهم متفقون على مقالة واحدة في توحيد الصانع وصفاته وعدله وحكمته وفي أسمائه وصفاته وفي أبواب النبوة والإمامة وفي أحكام العقبى وفي سائر أصول الدين.

وإنما يختلفون في الحرام من فروع الأحكام، وليس بينهم فيما اختلفوا فيه منها تضليل ولا تفسيق وهم الفرقة الناجية، فمن قال بهذه الجهة التي ذكرناها ولم يخلط إيمانه بشيء من بدع الخوارج والروافض والقدرية وسائر أهل الأهواء فهو من جملة الفرقة الناجية إن ختم الله له بها، ودخل في هذه الجملة جمهور الأمة وسوادها الأعظم من أصحاب مالك والشافعي وأبي حنيفة والأوزاعي والثوري وأهل الظاهر"[4].

لسنا بصدد تتبع صحة الحديث، وقد فعل البعض، ولا بصدد تتبع تعداد الفرق وانسجامها مع الرقم سواء كان دالا على الكثرة أم على الحصر.

الكلاميات

ولكن قضايا كثيرة قيل فيها الاتفاق وهي محل نزاع وتعصب للرأي أو الأثر بين أصحاب المذاهب المذكورة لدرجة التفسيق والتكفير. ولنبق داخل دائرة "الكلام" لننقل عن محقق "مقالات الإسلاميين" لأبي الحسن الأشعري، قوله بأن "الحنابلة حاولوا أن يمنعوا الخطيب البغدادي (ت 413هـ) من دخول المسجد الجامع ببغداد، لأنه كان يذهب مذهب الأشعري، وكان أكابر الأشاعرة في ذلك العهد يضطهدون ويساء إليهم.

وقد تحاملت الحنابلة على رجل من كبار الأشاعرة ذوي النفوذ وهو القشيري (ت 514هـ) ووقع بسبب ذلك قتال في الشوارع واضطر القشيري إلى ترك بغداد"[5]. بل رغم بيان الإمام الأشعري الذي جاء فيه: "قولنا الذي نقول به وديانتنا التي ندين بها: التمسك بكتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم وما روي عن الصحابة والتابعين وأئمة الحديث ونحن بذلك معتصمون وبما كان عليه أحمد بن حنبل – نضر الله وجهه ورفع درجته وأجزل متوبته- قائلون، ولمن خالف قولُه قولَه مجانبون، لأنه الإمام الفاضل والرئيس الكامل الذي أبان الله به الحق عند ظهور الضلال"[6].

رغم ذلك لم يسلم متابعة وتضييقا من أهل الحديث، وكما قال المحقق:  «والظاهر أن أهل الحديث لم يتقبلوا أبا الحسن الأشعري لما ظهر بمذهبه هذا الذي حاول به أن يوفق بين مذهب أهل السنة والعقل بما كان يتوقع، إما لأن نشأته في أحضان المعتزلة لم تكن لتزيل عنه أوهامهم وشكوكهم، وإما لأنهم يمقتون مذاهب المتكلمين ولا يقبلون أن يلفظوا بعبارة من عباراته»[7]. وقس على هذا الخلاف بين الشافعية والأحناف خصوصا ما حبلت به كتب الكلام والفقه والأصول.

في علم آخر كعلم الحديث مثلا نقرأ ما ذكره الخطيب البغدادي في شرف هذا العلم وتفضيله على غيره لارتباطه بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وشرف أهله تبعا لذلك. يقول: «وقد جعل الله تعالى أهله أركان الشريعة وهدم بهم كل بدعة شنيعة، فهم أمناء الله من خليفته، والواسطة بين النبي صلى الله عليه وسلم وأمته والمجتهدون في حفظ ملته، أنوارهم زاهرة، وفضائلهم سائرة، وآياتهم باهرة، ومذاهبهم ظاهرة، وحججهم قاهرة، وكل فئة تتحيز إلى هوى ترجع إليه أو تستحسن رأيا تعكف عليه سوى أصحاب الحديث. فإن الكتاب عدتهم والسنة حجتهم والرسول فئتهم وإليه نسبتهم، لا يعرجون على الأهواء ولا يلتفتون إلى الآراء، يقبل منهم ما رووا عن الرسول وهم المأمومون عليه والعدول حفظة الدين وخزنته وأوعية العلم وحملته وهم الجمهور العظيم وسبيلهم السبيل المستقيم، وكل مبتدع باعتقادهم يتظاهر، وعلى الإفصاح بغير مذاهبهم لا يتجاسر، من كادهم قصمه الله ومن عاندهم خذله الله ولا يضرهم من خذلهم، ولا يفلح من اعتزلهم ...إلخ»[8].

فهذا النص كسابقه من حيث الانتصار لهذه الفئة، وإن حاول البغدادي رحمه الله نفي التحيز عن هذه الفئة وإلصاقه بالفئات الأخرى فقد كان في الواقع يثبته ويقرره.

ولا شك أن كثيرا من المحدثين عظماء ونوادر قل أن يجود الزمان بمثلهم بما حباهم الله من ملكة الحفظ والفهم وخدمة الحديث الشريف كالإمامين البخاري ومسلم وأصحاب السنن وغيرهم رحمهم الله. لكن الانتساب إلى الحديث لا يخول كل تلك الأفضلية والشرف على من تبقى. وإلا فما قدر وشرف المشتغل بالتفسير وهو ينسب إلى القرآن الكريم. وقدر وشرف القراء وهم ينسبون إلى القرآن الكريم.

وهذا بالفعل ما يشير إليه الإمام السيوطي في مقدمة "الإتقان في علوم القرآن" الذي جعله مقدمة لتفسيره وأثنى عليه ثناء بالغا، وأهميته طبعا هي من أهمية مادته الدائرة حول القرآن الكريم، يقول: «وبعد فإن العلم بحر زخار لا يدرك له من قرار، وطود شامخ لا يسلك إلى قننه ولا يصار، من أراد السبيل إلى استقصائه لم يبلغ إلى ذلك وصولا، ومن رام الوصول إلى إحصائه لم يجد إلى ذلك سبيلا، كيف وقد قال تعالى مخاطبا لخلقه "وما أوتيتم من العلم إلا قليلا"، وإن كتابنا القرآن لهو مفجر العلوم ومنبعها، ودائرة شمسها ومطلعها أودع فيه سبحانه وتعالى علم كل شيء وأبان فيه كل هدى وغي، فترى كل ذي فن منه يستمد وعليه يعتمد، فالفقيه يستنبط منه الأحكام ويستخرج منه الحلال والحرام، والنحوي يبني منه قواعد إعرابه ويرجع إليه في معرفة خطأ القول من صوابه، والبياني يهتدي به إلى حسن النظام، ويعتبر مسالك البلاغة في صوغ الكلام، وفيه من القصص والأخبار ما يذكر أولي الأبصار، ومن المواعظ والأمثال ما يزدجر به أولي الفكر والاعتبار إلى غير ذلك من علوم لا يقدر قدرها إلا من علم حصرها»[9].

وكل كلام السيوطي حق في القرآن الكريم لكن –وكشأن السنة النبوية- ليس كل مشتغل بعلومه يعطي كل كنوزه وأسراره. أو يرفع من قدره ومقامه على من سواه ممن يشتغل بعلوم أخرى تتعلق بالإنسان أو الكون والطبيعة أو غيرها من الخلائق والآيات البينات في الكتاب المسطور كما في الكتاب المنظور.

ونختم هذه النقول بنقل عن الإمام الشوكاني في "إرشاد الفحول" يبين لنا تحيزه كذلك لعلم الأصول بجعله إياه مركزا وقطب رحى، يقول: «وبعد فإن علم الأصول لما كان هو العلم الذي يهوي إليه الأعلام والملجأ الذي يلجأ إليه عند تحرير المسائل وتقرير الدلائل في غالب الأحكام، وكانت مسائله المقررة وقواعده المحررة تؤخذ مسلمة عند كثير من الناظرين كما تراه في مباحث الباحثين وتصانيف المصنفين، فإن أحدهم إذا استشهد لما قاله بكلمة من كلام أهل الأصول أذعن له المنازعون وإن كانوا من الفحول لاعتقادهم أن مسائل هذا الفن قواعد مؤسسة على الحق الحقيق بالقبول مربوطة بأدلة علمية من المعقول والمنقول تقصر عن القدح في شيء منها أيدي الفحول وإن تبالغت في الطول. وبهذه الوسيلة صار كثير من أهل العلم واقعا في الرأي رافعا له أعظم راية وهو يظن أنه لم يعمل بغير علم الرواية»[10] والنص واضح في تقريراته ومبالغاته لا يحتاج إلى مزيد من التعليق والبيان..

فان قيل، هذه ديباجات عادية يستهل بها العلماء كتبهم فيكون فيها عادة شيء من التحيز إلى العلم الذي برعوا فيه أكثر. قلنا هذه ديباجات تمارس استقطابا حادا على قارئها وخصوصا من المتعلمين، فترسخ لديهم مع استقرارها بالتداول التاريخي ومناهج التلقين التقريرية دونية العلوم الأخرى.

كما تؤسس في هذه العلوم ذاتها تمركزا حادا في مصطلحاتها ومفاهيمها التي اختلط فيها الأصيل بالدخيل أو وجهت دلالاتها وجهات مختلفة ومتحيزة كذلك. فعلم الكلام له قاموس اصطلاحي خاص (الجواهر، الأعراض، الأجسام، القدم، الحدوث، واجب الوجود، ممكن الوجود، الذات، الصفات، الأفعال ...). والأصل في هذا العلم أن يزكي النفس والذات البشرية بالإيمان. ويقال مثل هذا في كثير من اصطلاحات الفقهاء والأصوليين والصوفية وغيرهم. إذ بدل أن تقرب العلم فتفيد به وتيسره، تغربه وتعسره وتفقده مقصده الأصل وهو كونه خادما لأصل وليس أصلا.   

إن تمركز العلم على ذاته يجعله يقلص إمكان انفتاحه على غيره من العلوم. وإن كان ممكنا في فترات تاريخية ما، أن يكون المفسر محدثا وأصوليا وفقيها ومتكلما، و أن يجمع إلى ذلك علوم طبيعية وكونية أو إنسانية، فإن هذا في أوج انحطاط الأمة الثقافي والحضاري لم يعد ممكنا البتة مع بلوغ الشرايين الرابطة والموصلة حالة من الانسداد مؤلمة. وإن كانت التخصصات الدقيقة الآن، لدى الغربيين بالأصل ثم لدينا بالتبع، قد أنهكت المعرفة والثقافة وأفقدتها خصائص وقيم التواصل والتكامل والتكافل الحقيقي، وباتت الحاجة ملحة إلى ضروب من التركيب جديدة بعد عمليات التفكيك المتمركزة حول نماذج معينة والمدمرة للثقافة والقيم الإنسانية. فإن ثقافتنا غير مؤهلة للقيام بشيء من ذلك وإن كانت أصولها تدعو إلى ذلك.

فظاهرة التحيز في العلوم لزمتها ظاهرة سلبية أسوأ وهي التكرار والاجترار في كل علم، ظاهرة ملحوظة بشكل بارز في هذه العلوم إلى الآن ومساهمة بشكل أساس في الوهن الثقافي والحضاري العام. هذا مع استثناء الجهود والإضافات النوعية وإن ندرت كصنيع الإمام الشاطبي وشيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم وابن خلدون وابن رشد..وغيرهم، إلى المدارس الإصلاحية الحديثة في شرق العالم الإسلامي وغربه. لكن لا يمكن للعلوم أن تكون رافدا للنهضة الحضارية والثقافية في الأمة ومساهمة في المعمار الكوني، وحركة التجديد والإبداع فيها استثناءات منقطعة وليست أصلا مطردا، خصوصا إذا علم أن هذا الانقطاع يمتد عبر قرون كتلك التي تفصل الشاطبي عن الشافعي وكتلك التي تفصلنا عن الشاطبي وقل مثل ذلك في باقي الاستثناءات الأخرى.

فعلم الأصول مداره عموما على رسالة الإمام الشافعي يبعد قليلا أو يقترب بحسب هذا المذهب أو ذاك لكن حول القضايا نفسها دون تجديدات جوهرية تراعي التحولات النوعية والكمية داخل كيان الأمة وخارجها والتي تحتاج إلى أن تكون مشمولة بهذه الأصول. وخاصة قضايا الحقوق والحريات والعلاقات والأمن وغيرها.

وعلم الحديث مداره حول مقدمة ابن الصلاح شرحا واختصارا ونظما دون القدرة على تحويل الحديث إلى مصدر للمعرفة والحضارة مغذي لكل العلوم وفق تصنيف موضوعي جديد مثلا ليس بالضرورة هو التصنيف الفقهي وحده.

وعلوم القرآن تدور على البرهان والإتقان وما تعلق بتاريخ القران أكثر من نصه والدربة على الفقه فيه والاستنباط منه والاستعانة في ذلك بالمعارف والعلوم الحديثة.

وأصول الدين أو علم الكلام مداره كذلك على مقالات الإسلاميين تقترب أو تبتعد لكن ليس إلا في تزكية اتجاه الفرقة والتحيز، دون القدرة على إعطاء مفهوم التوحيد في بعده الإيماني التوقيفي أبعادا أخرى تم إهمالها وفصلها عن هذا الأصل وهي إنما منه انبثقت.

فوحدة الأمة الاجتماعية والسياسية والثقافية هي من وحدتها العقدية، وعلوم الكون والإنسان التي تعكس وحدة الخلق هي دليل وبرهان التعرف على الخالق وتوحيده. وكذلك دوران الفقه على تاريخ المذاهب الفقهية وقلًّ أن نجد جهة تعمل على تكوين وتخريج فقهاء يجتهدون لعصرهم ولا يغتربون في عصور غيرهم. فلا ندرس ولا ندرس من العلوم إلا تواريخها، أما جوهر العلم وإنتاجه فهذا أبعد ما يكون.

وفي جملة، فإن الثقافة الجامعة لهذه العلوم والمعارف التي ذكرنا نتفا منها لم يمارس فيها ضرب من التجديد في بنياتها العميقة بالشكل الذي تستعيد به فعاليتها وتستأنف به رسالتها.

وما ينبغي التنبيه إليه هنا، هو أننا لا ننطلق في هذه الدعوة من منطلق عدمي ينفي الجهود السابقة ويحجب الصور المشرقة والاجتهادات المبذولة في هذا العلم أو ذاك، أو يقلل من قدر ومكانة علماء وسلف الأمة. بل هي دعوى ودعوة مبنية على اعتراف واستئناف. اعتراف بكل الجهود السابقة وخاصة الكتب ذات الطابع المؤسس والمؤثر كالتي ذكرنا نماذج منها، إذ لولا هذه الجهود لما أمكن النظر إلى ما بعدها أو استشرافه فالفضل الأول إليها. وأما الاستئناف فلأنه الأصل، تجديدا واجتهادا وتفكرا وتدبرا بما يحقق تدين الإنسان في هذه الأمة واستخلافه وشهادته وخيريته و تحققه بالتكاليف المنوطة به فردا وجماعة.

خــاتـمة:  

نعتقد أن هذه الأمة استنادا إلى وحي ربها المنزل في كتابه العزيز ما تزال تملك من القدرة على التغيير والتأثير ما ملكته في السابق، وتملك من القدرة على الإصلاح ما به أصلحت الناس ابتداء.

وإن كنا ركزنا في البحث على مشكلات الأمة في ذاتها وفي تواصلها فللنهوض بها مجددا لتواصل أفضل وخصوصا في عالم لم يعد له قصد ولا معنى من الوجود بعد أن دالت كل فلسفاته الوجودية فلم يبق منها إلا أثر، وتلاشت كينونة الإنسان تحت آلات الإنتاج والربح والاستهلاك الرهيبة.

وهنا يمكن للأصل التوحيدي في كل أبعاده أن يعطي لحياة الإنسان معنى ولأفعاله قصدا وغاية. كما يمكن لأخلاق وقيم رسالة الختم أن تزود العلم والعقل بالرشد والصواب في علاقتهما بالكون والإنسان، فيعمرا ولا يدمرا ويحييا ولا يفنيا (حذف)، وأن ترد للإنسان باعتباره ذاتا وكينونة، مركزه كمنتج للثقافة وصانع للحضارة وليس هامشا من هوامشها. بحيث تستثمر في ذلك نظريات الاستخلاف والتسخير.. وفلسفة العمران والتعمير..انطلاقا من رؤية قرآنية كلية لفلسفة الوجود الإنساني وللعلوم والمعارف الميسرة وللكون المسخر.

نعتقد أخيرا أن انخراط الثقافة الإسلامية في القضايا الكونية والإنسانية المشتركة بإمكانه أن يلعب دورا مهما في تحريرها من التحيزات المختلفة، خاصة إذا اصطحبت في هذا الانخراط نفسا إصلاحيا تجديديا ذاتيا وفق المنظور الذي ألمحنا إلى صور منه انطلاقا من الأصول الكلية المستوعبة( التوحيد والعدل والحرية) . واستشعارا بالقدرة على العطاء في الأفق العالمي لافتقاره إلى ما نملك ولا يملكه، كافتقارنا ونحن في حالة الضعف إلى ما يملك ولا نملكه.


[1]- د. زيجريد هونكه: الله ليس كذلك. مؤسسة بافاريا للنشر والإعلام-ألماني الإتحادية، ترجمة غريب محمد غريب، ط 2 / محرم 1419 – أبريل 1998، ص 33. وانظر كذلك كتابها القيم "شمس الله تسطع على الغرب". وفي السياق نفسه انظر مثلا: منتجمريوات: فضل الإسلام على الحضارة الغربية. وأندريه مايكل: الإسلام وحضارته ... وغيرها من الدراسات المنصفة.  

[2]- انظر: المواقف للإيجي بشرح الجرجاني (مقدمة الشارح)، تحقيق عبد الرحمن عميرة، دار الجيل-بيروت ط1 / 1412-1997، ج1، ص 5-6.

[3]- الملل والنحل للشهرستاني، دار الفكر –بيروت، تحقيق عبد العزيز محمد الوكيل، ص 12-13.

[4]-  الفرق بين الفرق للبغدادي، دار الكتب العلمية-بيروت، ط1/1405-1985، ص 19-20.

[5]- مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين، أبو الحسن الأشعري، تحقيق محمد محي الدين بن عبد الحميد، ط 2/ 1389-1969، مكتبة النهضة المصرية، ج 1، ص 26.

[6]- نفس المرجع، ج 1، ص 24.

[7]- نفس المرجع.

[8]- شرف أصحاب الحديث، الخطيب البغدادي (انظر المقدمة).

[9]- الإتقان في علوم القرآن، السيوطي، بهامشه إعجاز القرآن للباقلاني، عالم الكتب، ج1 ص 2-3.

[10]- إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول، الشوكاني، تحقيق سعيد البدري، مؤسسة الكتب الثقافية، ط 4/1414-1993، ص: 10-16.