مدارك: بوابة الثقافة والفكر الإسلامي المعاصر "إصدار تجريبي"
أرسل لصديق ||

الدين والدولة.. ما يزال الاصطفاف مستمرا

Image
"مستقبل العلاقة بين الدين والدولة" عنوان ندوة مغلقة داخل أروقة جمعية الشبان المسيحيين بالإسكندرية في الفترة من 27: 29 أكتوبر 2009..

الندوة التي دعا إليها منتدى حوار الثقافات بالهيئة القبطية الإنجيلية، حرصت على تمثيل معظم ألوان الطيف السياسي، وهو ما انعكس على أداء الندوة بالسخونة والتعدد الذي يضاف إلى رصيد الوعي العام.

وقضية الدين والدولة من قضايا الاصطفاف الثقافي داخل مصر، خصوصا بين تيارات التغريب وتيارات الخصوصية الحضارية، والتي تحولت خلال العقدين الماضيين إلى صيغة من صيغ الحرب الأهلية وقودها الحقيقة والمعرفة، حرب يعاد فيها إنتاج النزاع وشق الوعي، وخلخلة الأولويات عن القضايا الحقيقية.

ولا يزال النزاع مستمرا والإقصاء والإقصاء المضاد، وتبادل الاتهامات بالإرهاب بنزع مشروعية الدولة، وبالتكفير بنزع مشروعية الدين، في حروب ثقافية يقدم فيها المنهج السجالي على المنهج النقدي.

حيث فشلت النخبة المصرية بشكل عام في إنضاج أفكار توافقية حول العلاقة بين الدين والدولة كالتي أنتجت في سياقات تاريخية سابقة، سواء إبان الحركة الوطنية مع دستور 23، والكفاح المشترك ضد المستعمر، أو التعديلات الدستورية التي جاءت في لحظات دستورية وسياسية لها توافقها الخاص مع حقبة المشروع الناصري.

هذه الندوة قدمت إسهاما مهما، ورؤية يمكن التحاور حولها، وتقدم مشروعات فكرية تعبر عن طريقة في التفكير لنماذج من النخب الفكرية.

التوافق والصراع

وبتقليب الأوراق المقدمة في الندوة سنكون ملزمين بالبداية التاريخية، حيث قدم الدكتور عاصم الدسوقي أستاذ التاريخ المعاصر بجامعة حلوان عرضا تاريخيا عن حالة العلاقة بين الدين والدولة، واختار عنوانا لافتا: "الدولة والدين في مصر الحديثة بين التوافق كرها.. والصراع طوعا".

والعنوان ينفي ضمنا أي توافق سلمي حدث في التاريخ المصري بين الدين والدولة، وهو مبدئيا ينفي أن تكون مصر قد شهدت حكما دينيا، وإن مرت بأوقات كانت فيها المؤسسة الدينية محتفظة بحق الهيمنة.

ويرى الدسوقي أن الإسلام في مصر لم يعرف المؤسسة الدينية إلا مع قدوم العثمانيين حيث أنشأ السلطان سليمان القانوني منصب شيخ الأزهر في عام 1522، رغبة في أن يكون لكل طائفة ممثل -بحسب الدسوقي- وبالطبع في الطليعة كان العلماء.

وفي إطار تبعية الأزهر للسلطة منذ أواخر القرن التاسع عشر كانت إدارة الأزهر تحرم على أبنائها -كما تذهب الورقة- الاشتغال بالسياسة أو الارتباط بأحزاب سياسية، وكانت العقوبات رادعة في هذا الشأن.

وبعد أن قدم الدسوقي رصدا تاريخيا لتاريخ مؤسسة الأزهر، عرض لآراء بعض النخبة المصرية في مطلع القرن العشرين، حيث يرى أن المفكرين بشكل عام كانوا يرفضون من البداية إقامة حكومة دينية.

ومن الأسماء التي عرض لها، كتابات لأمثال لطفي السيد والشيخ علي يوسف وتادرس المنقبادي واخنوخ فانوس وغيرها من الكتابات، مما يوحي بأن ثمة إجماعا عاما على إقصاء الدين من مجالات الحكم، كما تذهب الورقة، وهذا ليس صحيحا، فقد كان بجانب هؤلاء دعاة الجامعة الإسلامية وعدد من قادة الفكر الديني الذي يرغبون في وجود ديني في المجال العام مستندا على أرضية التجديد.

والورقة تلمح لأمر هام وهو أن الدساتير التي صدرت ابتداء من دستور 23 وانتهاء بدستور 71 نصت على أن الإسلام هو الدين الرسمي للدولة، لكن ذلك لم يكن يعني إقامة حكومة دينية في البلاد، بل إن جميع الحكومات التي توالت على مصر في ظل العهد الملكي ثم في ظل النظام الجمهوري استخدمت المؤسسة الدينية لإضفاء الشرعية على ما تقوم به من إجراءات، وفي الوقت نفسه لم تسمح لها بتجاوز دورها في حفظ الدين وهداية الناس، إلى ممارسة شئون الحكم.

الدين والقانون

وعن الدين والقانون في مصر قدم الدكتور محمد نور فرحات أستاذ القانون بجامعة الزقازيق إسهاما هدف إلى التعرف على إشكالية العلاقة بين القانون والدين ومبدأ المواطنة في النظام القانوني المصري، خاصة بعد أن نصت المادة الثانية من الدستور بعد تعديلها سنة 1980 على أن الشريعة هي المصدر الرئيسي للتشريع.

والورقة ترى أنه من الناحية التاريخية كانت الشريعة الإسلامية فيما قبل إنشاء المحاكم الأهلية في مصر سنة 1883 هي الشريعة العامة التي تطبق على جميع العلاقات القانونية في مجال المعاملات والتجريم والعقاب بالنسبة للمصريين المسلمين، أي أن الأحكام المستمدة من الدين كانت بصفة عامة هي المصدر العام للقانون.

ويرى نور أن محاولات اعتماد التشريع المصري في القرن التاسع عشر على حلول وخبرات أوروبية والتوسع في مجالات القضاء الذي يباشر اختصاصه بجوار المحاكم الشرعية الأهلية التقليدية لم يقابل بأي رد فعل اجتماعي أو سياسي لهذا التحول عن الأحكام الشرعية وقضاء الشريعة.

والورقة في اتجاهها العام قدمت نقدا قانونيا وتاريخيا لمحاولات النص في المواثيق الدستورية على إسلامية الدولة وغيرها من النصوص التي تتجه نحو الدين.

وقدم القس الدكتور أندريا زكي نائب مدير الهيئة القبطية الإنجيلية رؤية مهمة في هذا الإطار بعنوان "نحو علاقة صحيحة بين الدين والدولة" ترى أنه يمكن الوصول لعلاقة صحيحة بين الدين والدولة بحسبانها علاقة مركزية.

فالدين كنظام للقيم وللمبادئ التي يقوم عليها النظام السياسي هو عامل ضروري لا غنى عنه في التنمية السياسية في الشرق الأوسط، وباعتبار أن المواطنة عملية سياسية ينبغي على الدولة أن تراعي الدين باعتباره مصدرا للشرعية والانتماء القومي، ولكنه ليس المصدر الوحيد كما تقول الورقة.

وترى الورقة البحثية أن العروبة التي تضم مختلف الثقافات والأصول التاريخية والدينية مفيدة أيضا في صياغة الدولة، ويمكن للإسلام والعقائد الأخرى أن تسهم في ترسيخ أساس الدولة بدلا من مساندة السلطات الثيوقراطية، وفي حالة مصر يمكن للثقافة الفرعونية والكنيسة القبطية والإسلام أن يقدموا إسهاما كبيرا في هذا السياق، وتصبح الدولة مفهوما يتخذ من الدين إطارا أخلاقيا للنظام السياسي، يمده بالمبادئ التي تجعل النظام السياسي عادلا، وتعكس معتقداته.

ويدعم الدكتور أندريا رؤيته مستندا ببعض آراء للمفكرين الإسلاميين أمثال الدكتور كمال أبو المجد والدكتور محمد سليم العوا.

وبلغة دالة ومهمة يرى القس أندريا أن الحل للمشكلة السياسية القائمة لا يكمن في الدولة الدينية ولا العلمانية، ولكن الدولة القائمة على الديمقراطية مع الدين كمصدر لقيم هذه الدولة، وهنا لا غنى عن فكرة تؤكد أن الدين يقدم إطارا أخلاقيا بدلا من أن يفرض نظما اجتماعية واقتصادية وسياسية.

الطائفية والدولة الحديثة

"وعن الطائفية الدينية والدولة الحديثة.. في السودان" انبرت ورقة الدكتور حلمي شعراوي مدير مركز الدراسات الإفريقية والعربية والتي لا تخفي انحيازها نحو فكرة مؤداها: أن المشروعات السياسية ذات الإسناد الديني أحد أسباب تعثر المشروع الوطني السوداني، خصوصا في وجهها العسكري، وهو انحياز أحادي ربما لا ينجح في تفسير حالة مركبة وشديدة التعقيد للحالة السودانية، تتداخل فيها سياقات دولية وداخلية لإجهاض أي مشروع وطني توافقي.

يرى الدكتور شعراوي أن الطائفية الدينية والعلمانية في صيغتها المطروحة قريبة من واقع السودان.. ويوضح أن طبيعة التناقض بين الطائفية والدولة التحديثية أكبر تحد يواجه الدولة الوطنية في السودان.

وقد عرف السودان أكثر من لحظة تاريخية كاد يقدم فيها تناغما في معالجة هذه الثنائية (الطائفية والدولة الحديثة) وكانت لحظات شعبية وحقيقية، ولكن الموقف برأيه تعقد في الغالب خصوصا مع دخول العسكر على هذه الصيغة حيث تعثر هذا التناغم.

وثمة خصوصية للحالة السودانية تلحظها الورقة، وهي أن السودان لم يعرف مثل غيره مسألة المؤسسة الدينية، لا من هيئة العلماء، ولا من أعلام المذاهب الأربعة، وجامعتهم ومدارسهم.

فمن الطرق الصوفية للخلوة كان يتناقل التراث التقليدي بين الناس، نازعا لفتيل أي احتمال للصراع حول المذاهب أو المرجعيات.

ومن هنا كان دخول العسكر -بحسب الورقة- لعالم الطائفية ( 1958ـ 1989) تحالفا غير مقبول تاريخيا، والموقف الآن في السودان يضع هذا الاختيار موضعا للاختبار.

ملحوظة على شرف النهاية

وإذا كان من رأي يمكن أن نشير إليه ختاما في هذا المؤتمر والذي شهد نقاشا ورصدا لتجارب عن علاقة الدين والدولة، فإننا نوضح أن نسق العلاقة بين الدين والدولة هو مشخص في النص على الشريعة في الدستور المصري.

والمتأمل في نسق الشريعة والنص عليها في مواثيق الدولة سيجد أنها دستوريا مجرد "إعلان سياسي" لقيم المرجعية والمعيارية الموجودة في المجتمع والتي يتفاعل داخلها الناس، فهي تتجسد في المجتمع كقيم وتقاليد وأعراف وقواعد ومعايير سلوكيات ومعاملات، ومستوعبة في عمليات التنشئة، والضبط، حيث تمثل مضمون الضمير الفردي، والجمعي الذي يحدد الصواب والخطأ، والحق والباطل، والحلال والحرام.

وهي كديانة الدولة مجرد تحية من المشرع لدين الأغلبية، استدعتها أولى لحظات التدوين والتوثيق في تاريخ الدولة المصرية.. وتدين الشخصية المعنوية لا يعني أنها تصلي وتصوم، ولا تمثل وضعًا خاصًّا لدين الأغلبية، وهو تقليد موجود في الكثير من دول العالم بشرط أن يكون دين الأغلبية نفسه لديه القدرة على استيعاب الحقوق الأساسية لأتباع الديانات الأخرى‏، وهو الشرط المتحقق في الفقه الإسلامي.

وهنا نسترشد بما كتب الراحل وليم سليمان قلادة: "الإسلام لم يستبعد من المجتمع الذي يهيمن عليه تعدد الأديان من مكونات الشعب، هذا التسامح ليس خاتمة ولكن بداية"، ويضيف: "والتوجه إلى الإسلام الآن لا يكون باعتباره ماضيا نتذكره، ولكن باعتباره واقعا حيا ومستقبليا.. والدين هو الكفيل بأن يكمل ما في النظام الوضعي من نقص يهدد حقوق الإنسان وكرامته.. لذا فإن الخاسر الحقيقي هو المجتمع الذي سيتحصن أكثر ويتترس بتلك القيم المهددة ويحولها من آليات النهضة والحوار إلى آلية الدفاع والهجوم وترسبات في الذاكرة تنتظر فرصة من أجل الانقضاض".


من أسرة مدارك.