مدارك: بوابة الثقافة والفكر الإسلامي المعاصر "إصدار تجريبي"
أرسل لصديق ||

ويل للمفكّر من الفكر!

بقلم - د. طه جابر العلواني / 01-11-2009

Image
كأنّني أتفهم -اليوم- قول القائل

والعيش خير في ظلال الـــ * * * نوك ممن عاش كدًّا

وكأنّي أفهمها فهمًا جديدًا وإذا كنت في وقت سابق نظرت إليه على أنّه تعبير عن «عدميّة كامنة» أو «عبثيّة مستترة» فإنّني أرى فيه الآن ظلالا أخرى قد تجعل منه تعبيرًا يتمنّى فيه المفكّر المحبط، لو توقّفت لديه القدرة على التفكير. وتوقف عن طرح الأسئلة الصعبة على نفسه وعلى وسواه، فيما يدرك عذابات الأسئلة التي لا يجد المرء لها «الإجابات الشافيّة» إلاّ من عاناها!!

وبروز التعبير الشائع «الجواب الشافي» وقرن الجواب بوصف الشافي مَا هو إلا دليل على أنّ السؤال حين لا يجد جوابًا مقنعًا يوقف طَرْقَ السؤال على الذهن فإنّه يصبح كالمرض يؤرّق ويزعج، ويسهر ليل صاحبه، ويشغل له سحابة يومه!! فإذا جاء الجواب المقنع صح أن يوصف بأنّه «الجواب الشافي» أي: من كل تلك الأعراض.

إنّني مَا أزال موقنًا بأنّ هناك حاجة موضوعيّة إلى إعادة طرح «الأسئلة الكبرى» وتداولها، والسماح لمطارقها الثقيلة أن تطرق قوى وعينا كلّها مما سبّبت لنا من إزعاج؛ فإزعاجات الأسئلة وهي تتحرك وتشتبك في قوى وعينا مهما اشتدت أقل من النتائج الخطيرة التي ترتبت على توقف الأسئلة، والامتناع عن طرحها؛ لأنّ التوقف عن الأسئلة لا معنى له إلاّ معنى واحد ألا وهو الموت، موت الدماغ أو موت قوى الوعي، أو الهروب كما تمنّى شاعرنا الذي كان يريد أن يحتميّ بالجهل والحماقة، أو كما فعل الخيّام وعشرات آخرون. وبعض ظواهر الصعلكة في تاريخنا، وظاهرة العزلة، وطلب الخلاص الفرديّ وما إلى ذلك، قد نجد لها شيئًا من التفسير في «إشكاليّة الأسئلة» وضغوطها.

إنّ أول قرار ينبغي أن نتخذه ونتفق عليه هو أن نستمر في طرح وتداول الأسئلة الصعبة والكبرى، وأن لا نمل من ذلك، ولا نتوقف فيه مهما أرّقنا ذلك وعذّبنا.

الثاني: أن نتفق على أنّنا لسنا بحاجة إلى تحديد ضوابط ومسلّمات ورفع شعارات وإضفاء قداسة على أيّ من الأفكار والاجتهادات البشريّة قديمها وحديثها.

لأنّ هذه المرحلة هي مرحلة تقتضي إطلاق الفكر وتحرير الإرادة والوجدان، وتشجيع النقد، وتحرير المعاني وإطلاق سراح العقل المنفتح الهادئ في حوار حر ذي مرجعيّة متفق عليها تدور في مدار الثوابت التي لا اختلاف عليها. فنحن أبناء الأمّ الثكلى ولسنا أبناء النائحة المستأجرة، وهذا الانتماء إلى الهُوِيّة له آثاره الهامّة في صياغة الأسئلة، وفي طرح الإجابات عنها. وفي إعطاء المؤشّرات اللاّزمة للمكوّنات النظريّة والمنهاجيّة التي تحكمت أو تتحكم بحركتنا الفكريّة في جزء من الماضي وفي الحاضر. وقولي: «في جزء في الماضي» أردت به الماضي الذي مَا زال مؤثرًا في الحاضر بدرجات ومستويات متفاوتة.

الثالث: إنّ «سنن التاريخ» وقوانينه تؤكد أنّ الساحة التاريخيّة هي ساحة لتدافعه وتداول «العصبيّات الحضاريّة» وأنّ «الصراع» بين تلك العصبيّات بمستوياته العديدة مَا زال يشكّل وسيلة أساسيّة في «التدافع والتداول». وأنّ «عصبيّة أمّتنا الحضاريّة» قد دبّ الضعف إليها وعوامله منذ قرون فتراجعت إلى مواقع «المدافعة والممانعة» بعد أن كانت في موقع «المواجهة». وقد صارت نتيجة لذلك تعيش على هامش العصر. والطرف الهامشيّ مهما كان تاريخه حين يسقط في «خندق الهامش» يفقد «حريّة الاختيار»؛ لأنّ الخيارات -آنذاك- تنحصر فيما يقدمه «المركز الغالب» وأتباعه أو وكلاؤه الخارجيّون منهم والمحليّون. ومن أدوات ووسائل تكوين نظريّ ومنهجيّ يكرّس الغلبة الحضاريّة للمركز والمغلوبيّة الحضاريّة للأطراف.

ولذلك صار نموذج «المركز الغالب» هو النموذج المتحكّم في بناء التكوين النظريّ والمنهجيّ للعالم، وهو المتحكم بحركة العالم الفكريّة، بحكم «الغلبة الحضاريّة» في السياسة والاقتصاد وعناصر القوة والطاقة ومكوناتها. صحيح إنّ هناك تيّارات فكريّة غربيّة نقدت هذا النموذج الغربيّ، ونادت بتصحيحه، أو استبداله، وتنبّأت له بالانهيار، كما ردّت الفكر العربيّ والإسلاميّ ومعه مفكّرو العالم الثالث النقد الغربيّ، وشيئًا من النقد الإضافيّ. لكن ذلك -كلّه- لم ينجح في إيجاد بديل عن ذلك النموذج السائد، أو إحداث قطيعة معرفيّة؛ لأنّ هذا النموذج مَا زال يحمل طاقة لا بأس بها على المراجعة والنقد الذاتيّ والتصحيح. وما زال قادرًا على توظيف تلك الطاقات في تصحيح مساراته بعمليّات تجديد وتجدد ذاتيّ تقوم بها مؤسّساته الضخمة المتنوّعة وفي مقدماتها مراكزه البحثيّة ومنها مؤسّسات think tank. والقائمون على هذا النموذج يعملون ليل نهار على فرض التبعيّة له في إيجاد أو إفراز البديل أيضًا وفرض سيادته على العالم، فهو يريدك أن تفر منه إليه. فالبقاء في موقع «الغلبة الحضاريّة» هدف لا يغيب عن أفكار صنّاع الفكر والرأي والقرار في «المركز الحضاريّ»، ومراكز البحوث الض

خمة العملاقة تمدها بما هي بحاجة إليه من رصد وفهم للتجارب الإنسانيّة في التاريخ والمجتمع والدين والطبيعة، تساعدها في تحقيق ذلك. فكأنّ مراكز البحوث والدراسات هي المسئولة عن تحقيق «أمن الغلبة الحضاريّة» لا ينوب عنها أو يحل محلّها أيّة أجهزة قد يلجأ إليها آخرون.

إنّ القرآن المجيد اشتمل على أنموذج «توحيديّ» قادر على إحداث عمليّة إبدال تدريجيّ للنموذج القائم. والنموذج التوحيديّ القرآنيّ قادرّا على أن يفتح أمام العلماء المتدبّرين آفاق التغيير المعرفيّ الكامل على المستوى النظريّ والمنهجيّ. وهناك شرط لا بد منه هو أن لا يتم البحث عن «البديل التوحيديّ» من منطلقات الصراع، ولا انطلاقًا من معادلات القوة بين الأنماط المجتمعيّة في المحيط الاجتماعيّ الإسلاميّ، والمحيط المتبنّي للنموذج السائد، لأنّ ذلك لن ينتج في هذه الحالة إلا فكرًا مقاربًا أو مقارنًا كما حدث في القرنين (19و20) وهذا لن يؤدّي إلى عمليّة الإبدال والقطيعة المطلوبة.

وهناك شرطًا ضروريّ ثان؛ هو اجتياز «حاجز التخلّف» المأسويّ الذي تتردى الأمّة في دركاته منذ قرون.

«فالتخلّف» بحد ذاته يشكّل بآثاره العقليّة والنفسيّة المدمّرة عائقًا شديد الخطورة أمام تقدّم الفكر، فهو من ناحية يشكّل تحدّيًا نحتاجه لاستنهاض الهمم، وتشكيل الدوافع، والبحث عن وسائل الخروج من الأزمات وتجاوزها، ولكن ذلك يحدث حين لا يكون التخلّف بذلك المستوى المستفحل الذي قد يدفع إلى اليأس والإحباط، والتوقف عن محاولة التغلب عليه وتجاوزه؛ لاستفحاله، وهيمنته على كل جوانب الحياة، كما هو في الحالة العربيّة والإسلاميّة الراهنة.

وقد جرت محاولات للخروج من هذه الحالة، ولكنها جرت في ظل أو إطار نظم انقلابيّة عسكريّة و غيرها سوّغت لنفسها الاستيلاء على السلطة، واستعملت إجراءات قمعيّة كثيرة للمحافظة على بقائها فيها ووضعت ذلك -كلّه- في إطار المباح لها؛ لأنّها تسعى لتحديث البلاد وتجاوز حالات التخلّف، وإحداث التنمية، فاستبدّت وتسلّطت وصادرت سائر الحريّات، وقتلت وعذّبت ومارست كثيرًا من الانحرافات بتلك الحجّة، وفرضت الأحكام العرفيّة، وعطلت القوانين، ومنه مَا كانت تسنّه بنفسها ثم تعدل عنه.

ومن سنن التغيير الإلهيّة أنّ أيّة محاولات للتغيير والتحديث من منطلق الاستبداد والتسلّط وإلغاء القيم الإنسانيّة، لن تؤدي إلاّ إلى مزيد من التفسّخ والتفكك والتشرذم والعجز التام عن استيعاب قيم التغيير والتجديد والتحديث، وتحويل المجتمعات المنكوبة بنظم الاستبداد والتسلّط إلى مجتمعات ممسوخة مفتونة منقسمة تتصارع حول ثنائيّات لا وجود لها واقعيّّ، وقد يكون لها وجود ذهنيّ باهت فقط، فترى الفئات المختلفة تصطرع حول «أصالة ومعاصرة» «تراث وحداثة»... إلخ ذلك. دون أن يكون لأيّ منها وجود في الواقع سليم.

وقد فقدت الكتل المتصارعة في إطار الدول القطريّة الحديثة قدرتها على إيقاف عجلة التمزّق والتفكك؛ بل التفسّخ، أو التخلّص من براثن الاستبداد والحكم الفرديّ، فضلا عن إعادة بناء وتركيب النسيج الثقافيّ والاجتماعيّ المضطرب، أو استبدال النزعة الفرديّة والتصرفات والسياسات اللاعقلانيّة بعد أن وزّع تاريخ الأمّة قِطَعًا بشكل عشوائيّ، كما وزعت جغرافيّتها بالشكل نفسه دون ملاحظة أي منطق أو مصالح سوى مصلحة قيادة المركز المهيمن.

إنّ السؤال الذي بدأ العرب والمسلمون يرددونه بأشكال مختلفة منذ بدأ احتكاكنا بالغرب، واشتهر في القرن الماضي بصياغة شكيب أرسلان: «لماذا تأخّر المسلمون؟ ولماذا تقدّم غيرهم؟ » حيث جعله عنوانًا لكتاب حاول أن يجيب به عن ذلك السؤال العتيد، إجابة لعلّها تكمل مَا بدأه الكواكبيّ في «أم القرى وطبائع الاستبداد» وما كتبه وما قاله جمال الدين الأفغانيّ ثم محمد عبده ورشيد رضا وغيرهم!! إن ذلك السؤال بعد كل تلك المحاولات ودراسات متفرعة عنه: «أين الخلل»؟ «أين الخطأ»؟ «احتواء العقل العربيّ» «أزمة العقل» «أزمة الفكر»، لم يحظ بجواب مقنع، وبقى السؤال يتكرر ويتكرر فلا يولّد إلا سؤالا عن سؤالا، ثم نودي بعد مدّ قوميّ حدث على يد عبد الناصر وبعض عناصر جيله: أنّ الاشتراكيّة هي الحل، وساد الشعار المركّب؛ وحدة، حريّة، اشتراكيّة. ثم اختلفوا في الترتيب وفيما هم يجادلون في مَا يجب تقديمه، وما يجب تأخيره من الثلاثة؛ إذا بالجميع يصحون على حقيقة مرّة أصابت الجميع، وذلك بعد حرب الأيام الستّة أو الساعات الستّة.

لقد كانت تلك الحرب الصاعقة زلزالا شديدًا أيقظ الجميع من سكرتهم، وكانت كافية لأنّ تدفع الجميع دون استثناء إلى الوعي بحقيقة أساسيّة مفادها: أنّ فصيل أو فئة أو نخبة أو طائفة أو قبيلة لا تملك -وحدها- الحل أيًّا كانت، وأن الحل لا يمكن أن يتوافر إلاّ في إطار مشروع حضاريّ كامل تشارك الأمّة -كلّها-في صياغته، وتضع كل طاقاتها في العمل على تحقيقه، وجعله أمرًا واقعًا.

وبدلا من ذلك المشروع حدث صراع ثقافيّ جديد جنّد الإعلام والسياسة وسائر الطاقات المتبقيّة لتحقيق نصر أيديولوجيّ للموجودين في السلطة الذين وجدوا أنّ عليهم أن يدافعوا عن وجودهم، ويدرءوا الاتهامات عن أحزابهم وتصرفاتهم، وسياستهم القمعيّة، ويحولوا بين من كانوا مهمّشين والحلول محلهم بعد تحميلهم تبعات ومسئوليّات الهزيمة، أو النكبة أو النكسة. أمّا المهمّشون من إسلاميّين وغيرهم فقد اغتنموها فرصة لزعزعة الثقة بقيادات تلك المرحلة، وتحريك الشارع وإقناعه بأنّ جزءً مما حدث يدل على غضب إلهيّ على تلك القيادات التي أفسحت المجال لتلك الأيديولوجيّات المنحرفة والإلحاديّة، واضطهادها للدعاة إلى الله وتهميشهم، والتقليل من شأن الإسلام ومحليًّا دوليًّا، وبدأوا ينادون بشعار «الإسلام هو الحل» وتلقته الجماهير المحبَطة التي خابت آمالها في الأطرحات الانقلابيّة والقوميّة واليساريّة وشعاراتها وأيديولوجيّاتها.

لقد كان هناك أسئلة أخرى استجدت لتضاف إلى السؤال العتيد الذي لم يحظ بجواب حتى اليوم: لِمَ نجحت اليابان وكثير من دول جنوب شرق آسيا ودول أخرى في اجتياز حاجز التخلّف حيث لم يكونوا أقل منّا تخلّفًا وفشلنا نحن وبدون استثناء؟

والبلدان العربيّة التي شوّهت فيها بعض المنتجات والمظاهر الحضاريّة شهدت حالات شراء وتكديس لمنتجات الحضارة، لا إيجاد لها. وما نشتريه من الغير نبقى معتمدين في المحافظة عليه، وصيانته وقطع الغيار التي يحتاجها على ذلك الغير الذي صنعه؟

فالعقليّة القادرة على صنع الحضارة، وتحقيق العمران مَا تزال غائبة لم نستطع إيجادها بعد. وبالتالي فما زال مشروعنا الحضاريّ في باطن الغيب وفي ضميره لم يخرج إلى الوجود بعد، ولن يظهر قبل اجتياز حاجز التخلّف، واستكمال فرائض الأمّة، وتحقيق الحياة الطيّبة دون فقر وجوع وبيوت صفيح، ومياه ملوّثة، وانتشار فظيع للأمراض الفتّاكة دون دواء، أو بأدوية يقدمها الآخرون أو يحجبونها، أو بأدوية يغشّها الأقربون وهم يعلمون طمعًا في المال السحت الحرام.


فقيه أصولي.. رئيس جامعة قرطبة بالولايات المتحدة الأمريكية، ورئيس المعهد العالمي للفكر الإسلامي سابقا.