مدارك: بوابة الثقافة والفكر الإسلامي المعاصر "إصدار تجريبي"
أرسل لصديق ||

لا ضرر ولا ضرار .. مقاربة اقتصادية (2 – 2 )

بقلم - د.محمد النوري / 27-10-2009

Image

إن التأمل في هذه المعاني الغزيرة والمقاصد العظيمة التي أشار إليها أهل العلم كل من وحي زمانه وقضايا مجتمعه وظروف عصره يدرك أن هذا الحديث المعجز لا يزال بحاجة كبيرة إلى مزيد من الفحص والدراسة والتعمق في دلالاته ومضامينه وإيحاءاته.

وإذا أردنا الغوص في تلك الدلالات والمضامين بلغة عصرنا وقضاياه المتشعبة، وإذا حاولنا الاقتصار على الأبعاد الاقتصادية لتلك المعاني والمقاصد وربطها بما يحدث اليوم للإنسانية من اختلالات هيكلية وفقدان دائم للتوازن وانتشار الظلم واحتدام الفوارق وغلبة الفقر والترف والإسراف وطغيان الجرائم والحروب واكل أموال الناس بالباطل،فإننا سنقف على معجزات جديدة وقواعد ذهبية ومبادئ فريدة طالما أنفق علماء الاقتصاد المعاصرون مئات السنين للبحث عنها من اجل التوصل إلى منهاج عملي لتحقيق التوازن الاقتصادي المفقود والخروج من وضع التقلبات والأزمات التي ما انفكت تمسك بخناق النظام الاقتصادي العالمي منذ قرون عديدة.

الدلالة الأولى:أهمية العدْل والنهي عن الظلم الاقتصادي في المعاملات المالية وغيرها والحرص على تحقيق العدل بمعناه الواسع بما في ذلك العدل الاقتصادي الذي هو أساس العمران على حد قول العلامة ابن خلدون ابو علم الاقتصاد المعاصر كما اعترف بذلك العديد من المنصفين من علماء الغرب، فالظلم مؤذن بخراب العمران أي بفقدان التنمية لان العمران هو التنمية بمفهومها الحديث وهو مدلول الآية "هو أنشاكم من الأرض واستعمركم فيها"(هود 60) أي استخلفكم في الأرض من اجل إعمارها وتنميتها وتحقيق الرفاه الاقتصادي فيها.  

 طالع أيضا:
لا ضرر ولا ضرار .. مقاربة اقتصادية (1 – 2 )
 


وقد جاء في وصية الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه لعامله على اليمن:ماذا تفعل إذا جاءك سارق؟ قال:أقطع يده يا أمير المؤمنين.قال عمر قولته الشهيرة:والله لئن جاءني منهم جائع أو عاطل فسوف يقطع عمر يدك.يا هذا إن الله قد استخلفنا على عباده لنسد جوعتهم ونستر عورتهم ونوفر لهم حرفتهم.فإذا أعطيناهم هذه النعم تقاضيناهم شكرها.

يا هذا إن الأيدي خلقت لتعمل، فإذا لم تجد في الطاعة عملا التمست في المعصية أعمالا.فأشغلها بالطاعة قبل أن تشغلك بالمعصية.

كما جاء في وصية  الإمام على بن أبي طالب كرم الله وجهه لواليه بمصر:"وليكن نظرك في عمارة الأرض أبلغ من نظرك في استجلاب الخراج.لان ذلك لا يدرك إلا بالعمارة.ومن طلب الخراج بغير عمارة أخرب البلاد".

هذه وثائق تاريخية مغمورة تشهد بسبق المسلمين لعلماء الاقتصاد اليوم بنظريات اقتصادية فريدة في مجالات اقتصادية شتى: في التنمية والنمو وسبل القضاء على البطالة والتعطل ودور النظام الضريبي في إرساء العدل أو الخراب وتدمير الثروة.ومرد ذلك كله النهي عن الظلم من خلال نفي الضرر والضرار في آن واحد.لأن الضرر يعيق النمو الاقتصادي والضرار يفسده ويبطل حركته.ولذلك جاء هذا الهدي النبوي في منع الضرر والضرار من اجل جلب المصالح للناس ودرء المفاسد عنهم.

إن الظلم الاقتصادي الذي من أسبابه الضرر والضرار هو  أس المشكلة الاقتصادية في المنظور الإسلامي والتي اختلف حولها علماء الاقتصاد من اختزالها في موضوع الندرة(علماء الاقتصاد الرأسمالي الكلاسيكي والحديث) التي هي في حقيقة الأمر نتيجة وليست سببا،نتيجة الضرر الذي يلحق بالناس والمجتمعات من جراء الظلم الذي يمارس عليهم، إلى ربطها كليا بقضية التوزيع وإعادة التوزيع(علماء الاقتصاد الاشتراكي سابقا) وهي أيضا نتيجة مباشرة للظلم والفساد الذي يحول دون توزيع عادل للثروات"ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس".فالضرر والضرار اللذان يترتب عنهما الظلم والفساد هما مصدر المشكلة الاقتصادية برمتها.

فمن أضر بغيره فقد ظلمه والظلم محرم  في الإسلام كما جاء في حديث أبي ذر " يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرماً فلا تظالموا " وقال النبي صلى الله عليه وسلم: " إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام " .

وجاءت تعاليم السنة النبوية لتبين مواطن عديدة من الضرر والضرار والظلم في شتى أنواع المعاملات الجارية بين الناس مثلالضرار في البيع كبيع المضطر: وهو أن يكون الرجل محتاجاً لسلعة ولا يجدها ، فيأخذها من بائعها بزيادة فاحشة عن ثمنها المعتاد.

أخرج أبو داود من حديث علي رضي الله عنه: أنه خطب الناس فقال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع المضطر

وكذلك الغَبْنُ الفاحش: إذا كان المشتري لا يحسن المماكسة (المفاصلة) فاشترى بغبن كثير، لم يجز للبائع ذلك. وفي مذهبي مالك وأحمد أنه يثبت له خيار الفسخ أي التراجع عن البيع لوجود الضرر.

وكذلك أيضا بيع النجش ويحصل من خلال تواطؤ البائع مع مشتري وهمي للترفيع في السعر وهو عين ما يجري اليوم في الأسواق المالية عبر المضاربات الصورية وترويج الإشاعات بهدف ترفيع الأسعار وقيمة الأسهم.

وتحقيق العدل في الأموال يقتضي حصولها على وجه لا ظلم فيه، ووضعها موضعها الذي خلقت من أجله، وإتباع أرشد السبل في إنفاقها وتنميتها. وفي هذا السياق على سبيل المثال جاء نهي الرسول عن بيع الطعام بالطعام(ربا الفضل)، إنما يبيعه بالمال ثم يشتري الطعام الآخر بالمال، لأن المقايضة الصحيحة بين سلعتين لا يحسنه إلا من هو خبير وهم قليل، بل الخبراء أنفسهم يحسبون المعادلات على وجه التقريب مما قد يؤدي للظلم.

ونخلص من ذلك أن أحكام الإسلام ليست  ضررية بأي شكل من الأشكال ،أي أنها ليست موجبة للضرر بل كلها نفع وجلب للمصلحة.فلا يسمح الإسلام بضرر الإنسان لغيره مسلما كان أو غير مسلم ولا ضرره على نفسه كما انه لا يسمح بمطلق الضرر حتى على الحيوانات والطبيعة والبيئة.

التوازن

قام علم الاقتصاد المعاصر منذ حوالي أربعة قرون من اجل هدف أساسي اجمع على أهميته كل علماء الاقتصاد بشتى ميولاتهم واتجاهاتهم وهو تحقيق التوازن في النظام الاقتصادي والعمل على تثبيته واستقراره والحيلولة دون حدوث التقلبات والهزات والاختلالات الاقتصادية التي تسبب الأزمات والكوارث.وقد دونت لهذا الغرض النظريات والسياسات والمناهج والنماذج الرياضية وغيرها.ولكن النتيجة كانت غير ذلك حيث ان التوازن المنشود لم يحصل على الإطلاق برغم الاقتراب منه في لحظات معدودة هي من قبيل الاستثناء وليس القاعدة.والذي حصل في النهاية هو اللا توازن والاختلال الدائم الذي أضحى سمة من سمات النظام الاقتصادي الرأسمالي الحديث.

على عكس هذا الوضع المختل على مدى قرون طويلة سجل التاريخ ولو لفترة وجيزة حدوث هذا التوازن في عهد عمر بن عبد العزيز خامس الخلفاء الراشدين الذي شهدت فترة حكمه رخاء اقتصاديا لم يشهد له التاريخ مثيلا حتى انه لم يعد في المجتمع الإسلامي آنذاك فقير أو محتاج أو من يستحق الزكاة فاتجه الناس إلى الإنفاق على الحيوان والطيور وما إلى ذلك. والسبب في ذلك هو القضاء على الظلم ونشر العدل وانتفاء الضرر والضرار في المجتمع.

والمقصود بالتوازن في المفهوم الاقتصادي تساوي العرض والطلب في النظام ودواليبه المختلفة وأسواقه المتعددة:تساوي العرض والطلب في سوق النقد فلا يكون هناك تضخم ولا انكماش، تساوي العرض والطلب في سوق العمل فلا بطالة ولا فائض عمالة،

و تساوي العرض والطلب في سوق السلع والخدمات فلا فائض في الإنتاج يهدر ولا اعتماد على الخارج يكرس التبعية والارتباط بالأجنبي، تساوي العرض والطلب في سوق المال فلا عجز في الميزانية يقود إلى الاستدانة ولا فائض عن الحاجة يرمى به في البنوك الأجنبية تعبث به كيف تشاء، تساوي العرض والطلب في كافة الأسواق حتى لا تكون هناك أسعار مجحفة تؤدي إلى إضعاف الطاقة الشرائية للمواطن بل هناك السعر العادل والثمن العادل وهو ما يستدعي القضاء على مصادر الظلم والحيف الاقتصادي بكل أشكاله ومظاهره.ومن هنا تأتي أهمية هذا الحديث"لا ضرر ولا ضرار" لتحقيق التوازن المفقود اليوم في ظل نظام يعج بالمظالم ويقوم على تكريس الفوارق بتعميق الثراء الفاحش والفقر المدقع.

فالإسلام دين التوازن والاعتدال في كل شيء. فهو يوازن بين حاجات الإنسان الجسدية وحاجاته المعنوية، وبين القيم المادية والقيم الروحية وبين الإنتاج والاستهلاك ويحث على العمل والاستثمار ويحارب الكسل والعطالة والاكتناز ومنع الأموال من الرواج والدوران.

ولم يحرّم الإسلام شيئاً يحتاج إليه الإنسان في واقع حياته، كما لم يبح له شيئاً يضره في الواقع.فقد وضع ضوابط منهجية في كل المعاملات والأنشطة الاقتصادية في أي مجتمع كان.وحدد وسائل لتوجيه الناس إلى التوازن والوسطية والاعتدال في الإنفاق(منع الإسراف والتقتير في آن واحد) والاستهلاك(ترشيد المستهلكين وتاديب المسرفين) وحرم إنتاج الخبائث واكل أموال الناس بالباطل و الربا والاحتكار والغش والتطفيف في الكيل والميزان والغبن والغرر في البيوع  والجهالة والميسر وغير ذلك من أنواع المعاملات السيئة أي كل ما فيه ضرر وإضرار.فهل يمكن البحث عن التوازن خارج هذا السياق؟

الحرية

من القضايا العويصة في علم الاقتصاد اليوم قضية الحرية وما يتصل بها في مجالات الملكية والإنتاج والاستهلاك والتداول وشتى المعاملات بين الأفراد.وقد حظيت باهتمام كبير من قبل كل علماء ومنظري الاقتصاد المعاصر وذهبوا في شأنها مذاهب شتى من غلو في التضييق إلى تطرف في الانفلات،من تشديد على التأميم الى تسيب وإغراق في الخوصصة والتعويل على وعي الأفراد وحرصهم على مصالحهم الخاصة التي تقود بالضرورة إلى تحقيق المصلحة العامة للمجتمع! من "دعْه يعمل دعْه يمر"(مقولة آدم سميث الشهيرة) إلى منع الملكية الفردية بشتى أشكالها في المجتمع الاشتراكي المنهار! من الاقتصاد الموجه إلى الاقتصاد الحر! من مقولة "اليد الخفية"التي تنظم السوق وتحقق التوازن في تناغم وانسجام إلى آليات العرض والطلب التي تقوم بذلك!

ومع كل ذلك لا تزال قضية الحرية الاقتصادية مثار جدل وحيرة وتذبذب في أوساط الاقتصاديين وصناع القرار في عالم اليوم.

ولكن حديث "لا ضرر ولا ضرار" ينطوي على حل لهذه المشكلة العويصة التي حيرت الجميع حيث انه يدعو إلى الانضباط بمنهج وسطي متميز يقوم على ضمان الحرية الاقتصادية المنضبطة للأفراد في العمل والتملك والتصرفات الاقتصادية المختلفة، وإطلاق الحوافز لهم شرط عدم الإضرار بالمجتمع.وهو مفهوم ايجابي يتقيد بضوابط قاعدة الحلال والحرام ويترك للفرد أن يفعل ما يريد خارج تلك الدائرة المحدودة،فالأصل في الأشياء الإباحة إلا ما حرمته الشريعة.

الرشد

يعد الرشد الاقتصادي من الفروض الأساسية التي ينبني عليها علم الاقتصاد المعاصر ويعتبر معظم الباحثين أن السلوك الاقتصادي هو سلوك رشيد بوجه العموم، وقد اعتبرت المصلحة الخاصة المادية والاتساق الداخلي (عدم التناقض) أنهما المعياران الوحيدان للرشد.

أما المصلحة الخاصة فقد فُهمت على أنها حيازة الثروة بلا حدود وأقصى إشباع للرغبات. ثم صار معيار عدم التناقض نفسه ينظر إليه أيضًا من زاوية المصلحة الخاصة. ولم يفسح أي مجال لقيم الفرد وأهدافه في الحياة والتزاماته الاجتماعية وغير ذلك من الدوافع غير المادية. وبما أنه يتعذر القياس الكمي لهذه العوامل غير المادية، فإنها لم تجد مكانًا مناسبًا في نظرية المعرفة الرأسمالية وعلم الاقتصاد الكلاسيكي.

وأصبح مفهوم "الإنسان الاقتصادي" الرشيد، محور علم الاقتصاد الحديث. وكانت المصلحة الذاتية تعتبر المنبع الذي تصدر عنه أفعاله. كما كان سلوكه كله مطابقًا لما دعاه احد كبار الاقتصاديين جيفونز (Jevons) "آلية المنفعة والمصلحة الذاتية".

و "مسئوليته الاجتماعية الوحيدة هي أن يزيد ربحه" كما قال فريدمان (Friedman). وقد سوّت النظرية المحضة بين التصرف الرشيد والعمل للمصلحة الذاتية. بل إنّ أدجورث (Edgeworth) أعلن بفخار: "إن المبدأ الأول لعلم الاقتصاد وهو أن كل عامل لا تحركه إلا المصلحة الذاتية". وقد قامت جميع النماذج الاقتصادية الحديثة تقريبًا على هذا المبدأ.

و بناء على ذلك تقوم فرضية الرشد الاقتصادي في الفكر الغربي على أن الإنسان بطبيعته رشيد ويعرف مصلحته وبالتالي يجب ترك الحرية له في جميع تصرفاته الاقتصادية.

أما الموقف الإسلامي من هذه القضية فيختلف عن ذلك كليا حيث أن مفهوم الرشد لا يعني رشد الإنسان بنفسه ومصلحته الفردية فقط وإنما الإنسان الرشيد في عرف الفقهاء هو الرشيد بنفسه وبغيره وعكس الرشد هو السفه والغفلة. والسفه هو سوء التصرف في المال بالإسراف والتبذير والهذر وسوء التدبير، والرشد هو صلاح المال أو صلاح المال والدين معا كما يشترط ذلك الإمام الشافعي .

وقد كتب ابن أبي الدنيا كتابا سماه "إصلاح المال"(281 هـ) وإصلاح المال يعني حفظه وتنميته وحسن إدارته والتصرف فيه بمسؤولية ورشد. وبهذا المعنى فإن الإنسان إذا كان رشيدا تترك له حرية التصرف في المال، ولكن لابد من اختبار رشده والتأكد منه قبل ذلك كما يقول سبحانه وتعالى (وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم ) (النساء: 6) كما أنه يشترط في العاقدين في أي عقد الأهلية والرشد، ولذا فإنه قد يكون الإنسان غير رشيد وبالتالي يحجر عليه أو يعين وصى عليه.

والرشيد لا يمكن أن يضر بنفسه ولا بغيره (ولا تؤتوا السفهاء أموالكم )بل يحرص كل الحرص على السلوك الأرْشد لكي يحافظ على مصلحته أو مصلحة غيره إذا كان مؤمنا بتعاليم الإسلام وأحكامه(خير الناس انفعهم للناس).ومن هنا فان مفهوم الرشد الاقتصادي الذي يبحث عنه علماء الاقتصاد منذ قرون خلت يكمن في ثنايا هذا الحديث المعجز"لا ضرر ولا ضرار".

تعظيم المنافع

يقصد بتعظيم المنافع الاقتصادية محاولة بلوغ أقصى قيمة للمنفعة أي أعظمها وللربح أي أعلاه وللعائد أي أكبره.وهو أيضا من أهم ما يُعنى به علم الاقتصاد المعاصر.

ووفقا لمبادئ الاقتصاد الرأسمالي يفترض هذا المفهوم تحليل تفضيلات السلوك الاقتصادي للفرد سواء كان منتجا أو مستهلكا أو مستثمرا أو تاجرا حيث أن المزيج الأكبر من السلع المستهلكة مثلا هي أفضل من الأقل، أي أنه ليس هناك حدودا عليا للاستهلاك، وهو يتكامل مع مفهوم الرشد الذي يدفع إلى اكبر مصلحة ممكنة من وراء أي نشاط اقتصادي.

ولا يتعارض هذا المفهوم من حيث المبدأ مع تعاليم الإسلام وأحكامه بشرط أن لا تقتصر هذه المنفعة المنشودة على المنافع الدنيوية فحسب،بل يجب أن تشمل أيضا المنافع الدينية لان حفظ الدين على رأس المقاصد الضرورية الخمسة.كما لا يجب أن تنحصر تك المنافع في الدائرة الفردية الخاصة فحسب، بل يجب أن تراعي الدائرة العامة كذلك (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه)، ولا أن تكون قصيرة الأجل فقط، بل طويلة أيضاً، ولا هي من وضع البشر وحدهم، بل هي بمعونة الله ورسوله، أو بكلمة مختصرة أن تكون هذه المنافع الدنيوية، والخاصة مؤيدة بالدين ومقيدة به.

يقول العلماء إن المقصد العام للتشريع الإسلامي هو جلب المصالح ودرء المفاسد .وهذا يقتضي تعظيم المصالح إلى أعظم حد ممكن، وتقليل المفاسد(تدْنيتها)  إلى أدنى حد ممكن. وتدْنية المفاسد إنما تعنى قيدا على تعظيم المصالح ضمن الحدود المباحة.

وجلب المصالح او ترك المفاسد يقتضي ترك الضرر والضرار جانبا لان إلحاق الإنسان أي ضرر بنفسه يتناقض مع هدف تعظيم المنفعة الفردية والجماعية على حد سواء.كما أن إلحاق الضرر بالآخرين من شانه أن يدفعهم إلى الرد بالمثل فتحصل المضارة بالجميع وتنزل بالمنفعة إلى أدنى الدرجات.

وهكذا نجد أن هذا الحديث النبوي قد سبق علم الاقتصاد بقرون طويلة في مجال الرشد الاقتصادي وتعظيم المنافع والأرباح وهو نموذج من نماذج الإعجاز الاقتصادي للقرآن والسنة النبوية المطهرة. فمن علّم النبي الأمي ـ صلى الله عليه وسلم ـ هذه الفروض الأساسية من أصول علم الاقتصاد؟

عن ابن مسعود ـ رضي الله عنه ـ قال: من أراد العلم فعليه بالقرآن، فإن فيه علم الأولين والآخرين. قال البيْهقي: يعنى أصول العلم. أصول العلم بكل مجالاته بما في ذلك علم الاقتصاد.ويقول أيضا:"تركتكم على المحجّة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها الا هالك".

استنتاجات

تجمع التحاليل الأخيرة حول أسباب الأزمة الراهنة التي يعيشها العالم منذ حوالي سنتين أنها تدور حول عوامل مباشرة أربعة : الإفراط في الديون أدى إلى أزمة الرهن العقاري،الإفراط في المضاربات الوهمية أدى إلى أزمة البورصات العالمية،التحول من الاقتصاد الحقيقي إلى الاقتصاد الرمزي أدى إلى فقدان الثقة في الأسواق، فشل آلية الفائدة في إدارة المخاطر وتحريك الأسواق أدى إلى انتقال الأزمة من أزمة مالية إلى أزمة اقتصادية.

والمتأمل في هذه الأسباب الأربعة يدرك أنها ليست أسبابا بقدر ما هي عوارض ونتائج أفرزتها أسباب جوهرية أخرى.وبالتالي يمكن له بكل سهولة ترجمتها من وجهة نظر إسلامية إلى جذور أساسية أربعة مثلما أشار إلى ذلك الكثير من الخبراء وصناع القرار في الغرب.وهذه الأسباب الجذرية والهيكلية هي:الغرر،الجهالة،الميْسر،الربا,

أما الغرر فيكمن في البيوع الفاسدة و المعاملات السيئة التي تمارس بانتظام في الأسواق المالية وتحديدا من خلال عملية توريق المشتقات وتحويلها إلى منتجات ضررية.وقد أضحت هذه العمليات مهنة يومية للبورصات والمؤسسات المالية كدسوا من خلالها الثروات الضخمة.وأما الجهالة فهي ربيبة الغرر لا يمكن لأحدها الاستغناء على الآخر حيث يتم حشو المشتقات والأوراق المالية بمواد مالية أصبح يطلق عليها المنتجات السامة التي لا تستند إلى أي أصل حقيقي فيتم إخفاءها في حزمة من المنتجات حتى لا يعرفها احد وهو عين الجهالة والتجهيل المتعمد والغش بالمكشوف.دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم السوق فوجد رجلا يبيع كيسا من القمح. فأدخل يده في الكيس فوجد به بللا.فقال قولته الشهيرة:"من غشنا فليس منا".وهذا ما يحدث تماما اليوم في الأسواق المالية من إخفاء للمنتجات المالية المسمومة داخل منتجات أخرى. وأما الميْسر فيتجلى في المضاربات الصورية والبيوع الوهمية الذي هو بمثابة القمار المقنن في الأسواق.

وأما الربا فليس بحاجة إلى تبيان حيث أن الأسواق الرأسمالية لا تعترف بأية آلية أخرى بديلة عن آلية الفائدة الربوية التي منيت طيلة هذه الأزمة الكبيرة بإخفاق لا جدال حوله واضطرت البنوك المركزية الكبرى في العالم إلى تخفيض متسارع في سعر الفائدة حتى وصل حد الصفر أو ما يقاربه وهو دليل صارخ على الفشل الذريع لهذه الآلية في إدارة الموارد وتخصيصها وضرورة التفكير في آلية بديلة عنها.

كل هذه الأسباب الجوهرية تقودنا  بالضرورة إلى المشكلة الأم التي تنتج عن استفحال الضرر والضرار في النظام الاقتصادي والأسواق المالية بشكل خاص.

إن الضرر والضرار الذي نهى عنه الرسول الكريم عليه الصلاة والصلاة هو مصدر تلك الآفات الأربع التي تقف وراء اندلاع الأزمة وتفاقمها. فالغرر والميْسر والربا والجهالة كلها من نتاج السلوكيات الضررية والضرارية في المعاملات المالية وهو نموذج ساطع من نماذج الإعجاز الاقتصادي في السنة النبوية التي أحاطت منذ أربعة عشر قرنا بأصل المشكلة الاقتصادية وتفريعاتها المختلفة،المتأتي من الظلم الاقتصادي الذي يمارسه الإنسان بنفسه دون دراية أو بغيره بدراية أو بجهالة على حد سواء، ونبهت منذ ذلك التاريخ إلى خطورة الضرر و الضرار في أي نشاط مالي أو اقتصادي.

لقد استطاع النبي صلى الله عليه وسلم أن يلخص المشكلة الاقتصادية في كلمتين مقتضبتين في غاية من الإعجاز والإلمام بأبعاد الممارسات المالية الخاطئة والمنتجة للكثير من المصائب والكوارث الاقتصادية.

فالأزمة الراهنة التي يشهدها العالم يمكن إيجازها في هاتين الكلمتين البليغتين اللتين تضمنهما هذا الحديث المعجز.ولا خلاص من الأزمة إلا بتطبيق الهدي النبوي "لا ضرر ولا ضرار",