مدارك: بوابة الثقافة والفكر الإسلامي المعاصر "إصدار تجريبي"
أرسل لصديق ||

لا ضرر ولا ضرار .. مقاربة اقتصادية (1 – 2 )

بقلم - د.محمد النوري / 26-10-2009

Image

يمثل هذا الحديث الموجز مع قصر ألفاظه واختصار كلماته قاعدة عظيمة من قواعد الإسلام، وأصلا من أصول الدين لم تكْنه البشرية بعد، ما يشتمل عليه من كنوز وحكم وقواعد ذهبية في مجالات متعددة من الحياة، وهو معجزة إضافية من معجزات الإسلام التي تضمنها النص القرآني الكريم وجاءت بها السنة النبوية العطرة.

وقد أشار أهل العلم إلى العديد من تلك الحكم المخفية التي انطوى عليها هذا الحديث المختصر البليغ. ومع ذلك يجدر التأمل في دلالات ومعاني كثيرة أخرى يمكن تلمسها من وحي التخبط الاقتصادي والأزمة المالية الراهنة التي تهدد البشرية اليوم بكوارث حقيقية وأخطار جمة مردها باختصار شديد استفحال الضرر والتمادي في الضرار وهو مضمون هذا الحديث المعجز الذي لم يفلح المسلمون منذ أربعة عشر قرنا بالشكل الكافي في تسويقه وإرشاد العالم إلى معانيه ومقاصده الاقتصادية والمالية.

نحاول في هذه الورقة تسليط الضوء على هذه الدلالات و تحليل أبعادها وعلاقتها بما يجري اليوم على الساحة الدولية من اضطراب فكري وتيْه اقتصادي وضلال منهجي كم نحن اليوم بحاجة ماسة إلى هذا الهدي النبوي والإرشاد الأخلاقي الذي يشتمل عليه حديث "لا ضرر ولا ضرار".

فقه الحديث

حديث "لا ضرر ولا ضرار" حديث ثابت ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم عن سبعة من الصحابة هم ابن عباس وعبادة بن الصامت وأبو سعيد الخدري وجابر وأبو هريرة وعائشة وثعلبة بن أبي مالك.وهو حديث حسن، رواه ابن ماجه(2341) والدارقطني(4/ 228) وغيرهـما مسنداً ، ورواه مالك في الموطأ(2/746)مرسلاً عن عمرو بن يحيى عن أبيه عن النبي (صلى الله عليه وسلم) فأسقط أبا سعيد، وله طرق يقوي بعضها بعضاً .

وهو من الأحاديث الجامعة التي جمعت أحكاما كثيرة، وقاعدة من قواعد الدين عظيمة، وقد ورد في الأحاديث الأربعين للإمام النووي رحمه الله.

وان كان من جهة ثبوته تنازع العلماء فيه، هل الصواب فيه الوصل أم الإرسال؟ وقد أشار بعض المحققين إلى بعض هذا الاختلاف. والثابت أنه حديث حسن، كما قال النووي -رحمه الله تعالى- لكثرة شواهده، والإرسال فيه لا يعل الوصل؛ لأن لكل منهما جهة كما هو معروف في علل الحديث.  وقد صححه الألباني وحسنه الارناؤوط في تحقيقه لجامع العلوم لابن رجب.

ولاشك أن ذلك الإيجاز بكلمتين منفيتين إنما هو غاية في الفصاحة والبلاغة والتعبير، ففيه اختصار للرؤية الإسلامية الشاملة للحياة والنظرية الإسلامية المؤصلة للمعاملات بين الناس.فقد أحاط هذا الحديث العظيم بكل المعاني والحكم التي يمكن أن تندرج تحتها مجلدات وتؤلّف حولها أطروحات في المجالات الاجتماعية والاقتصادية المتعلقة بالفرد والمجتمع في آن واحد.  

ويقول اللغويون أن كلمتي لا ضرر ولا ضرار ليستا جناسا ولا تكرارا للتوكيد ولكن الرسول الكريم قصد في كسر الضاد وزيادة الألف في ( ضرار) تغيرا طفيفا في المعنى بمقدار التغير في اللفظ  حيث أن الضرر يقتصر الأذى فيه على فرد واحد بينما الضرار يشير إلى امتداد الأذى وانتشاره بين أفراد المجتمع وهو غاية في البلاغة والإعجاز اللغوي .

وقد أطنب شرّاح الحديث في تبيان معانيه ومقاصده كل حسب الظرف المكاني والزماني الذي كان فيه والقضايا التي كانت تندرج ضمن ما تشمله تلك المعاني والمقاصد آنذاك.ولو أن احدهم من بيننا اليوم لكتب فيه المجلدات والموسوعات ولاستنبط منه النظريات التي تجيب على ما تعانيه البشرية اليوم من مآسي وأزمات ومظالممن جراء الانجرار وراء النظريات الخائبة والمناهج الضالة والمضللة التي تقود العالم بأسره دون الاهتداء إلى معالم الطريق السوي الذي يقوم على قاعدة "لا ضرر ولا ضرار".

جاء في شرح الحديث العديد من المعاني والمفاهيم منها:

أن الضرر يحصل بغير قصد وأما الضرار فيحصل بقصد. فالضرر هو محاولة الإنسان إلحاق المفسدة بنفسه أو بغيره، أو أن تدخل على غيرك ضرراً لمصلحتك.

والضرار أن يتراشق اثنان بما فيه مفسدة لهما أو أن تدخل على غيرك ضرراً لا  منفعة لك فيه.ومثال ذلك الغش والتدليس في الأمور المالية وبيع الرجل على بيع أخيه.

معنى " لا ضرر ولا ضِرار " أن الإنسان لا يجوز له أن يضرّ بنفسه ولا بغيره .كالتدخين السلبي مثلا الذي لا يقصد من يمارسه إلحاق الضرر بمن حوله ولكن الضرر حاصل كما هو معروف قصد أم لم يقصد.

أن الضرار أشد من الضرر لأن الضرار يحصل قصداً من فاعله وهو ادعى للنهي والزجر والتنبيه. وقد أخذ العلماء من هذا الحديث مسائل كثيرة في باب الصلح وحكم الجوار وغيره .

قال بعضهم  " لا ضرر ولا ضرار " هما: لفظان بمعنى واحد تكلم بهما جميعاً على وجه التأكيد، وقال أبي حبيب: الضرر عند أهل العربية الاسم والضرار الفعل فمعنى " لا ضرر " أي لا يدخل أحد على أحد ضرراً لم يدخله على نفسه. ومعنى لا ضرار لا يضار أحد بأحد، وقال المحسني: الضرر هو الذي لك فيه منفعة وعلى جارك فيه مضرة وهذا وجه حسن المعنى، وقال بعضهم الضرر والضرار مثل القتل والقتال فالضرر أن تضر من لا يضرك والضرار أن تضر من أضر بك من غير جهة الاعتداء بالمثل والانتصار بالحق وهذا نحو قوله صلى الله عليه وسلم: " أدّ الأمانة إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك " . وهذا معناه عند بعض العلماء لا تخن من خانك بعد أن انتصرت منه في خيانته لك كأن النهي إنما وقع على الابتداء وأما من عاقب بمثل ما عوقب به وأخذ حقه فليس بخائن وإنما الخائن من أخذ ما ليس له أو أكثر مما له.

 لفظ الحديث يدل على وجود فرق بين معنى الضرر ومعنى الضرار فقد نفى صلى الله عليه وسلم الضرر أولا ، ثم نفى الضرار ثانيا ، وقد ذكر العلماء كلاما مطولا حول ذلك ، وأقرب تصوّر لمعنى الكلمتين : أن نفي الضرر إنما قُصد به عدم وجود الضرر فيما شرعه الله لعباده من الأحكام ، وأما نفي الضرار : فأُريد به نهي المؤمنين عن إحداث الضرر أو فعله .

ومن هنا ، فإن نفي الضرر يؤكد أن الدين الإسلامي يرسّخ معاني الرحمة والتيسير ، وعدم تكليف الإنسان ما لا يطيق ، فلا يمكن أن تجد في أحكامه أمراً بما فيه مضرّة ، أو نهياً عن شيء يحقق المصلحة الراجحة ، وإذا نظرت إلى ما جاء تحريمه في القرآن الكريم، أو في السنة النبوية فلابد أن تجد فيه خبثا ومفسدة ، مصداقا لقوله تعالى :" ويحرّم عليهم الخبائث" ( الأعراف 157 ) .

ومن ناحية أخرى فإن كل ما ورد في الكتاب والسنة من أوامر ، فالأصل أنها مقدورة ، داخلة ضمن حدود الطاقة ، وإذا عرض للإنسان أحوال تمنعه من إتمام الامتثال بالأمر الشرعي ، كأن يلمّ به مرض أو عجز أو نحوهما ، فهنا يأتي التخفيف من الله تعالى ، كما في رخصة الإفطار في نهار رمضان ، ورخصة الجمع والقصر في الصلاة ، وغير ذلك كثير.

ولم يقتصر الحديث على نفي الضرر في الشريعة، بل أتبعه بالنهي عن إضرار العباد بعضهم لبعض،  فالمكلف منهي عن كل فعل يترتب عليه إضرار الآخرين، سواء قصد صاحبه الإضرار أم لم يقصد .وهذا أصل عظيم من أصول الدين ؛ فإن الفرد إذا التزم بصيانة حقوق غيره وعدم الإضرار بها ، فإن من شأن ذلك أن تقل المنازعات بين الناس ، فينشأ المجتمع على أساس من الاحترام المتبادل بين أفراده.

أما إذا تخلى الناس عن العمل بهذا المبدأ، وصار كل إنسان ينظر إلى مصلحته دون أي اعتبار للآخرين، فهنا تحصل الكارثة ، وتشيع الأنانية المدمرة ، وهذا ما جاء الإسلام بإزالته والقضاء عليه.

لقد حرّم الإسلام الضرار بكل صوره ، وجميع أشكاله ، حتى حرّم الإضرار بالآخرين منذ ولادتهم إلى حين وفاتهم ، بل وبعد موتهم ، فحرّم إضرار الأم بولدها ، كما قال الله تعالى : "لا تضار والدة بولدها "( البقرة  233 ) ، وحرّم تغيير الوصية بعد سماعها ، وحرّم إضرار الموصي في وصيّته ، وحفظ للأموات حقوقهم حتى حرّم سب الأموات .

وقال آخرون من أهل العلم: الضرر والضرار مختلفان، فالضرر هو الاسم، والضرار هو الفعل يعني: نفي وجود الضرر، ونفي فعل الضرر، فيكون على هذا القول، الأول: متجه إلى الشرع بعض الضرر في الشريعة، والثاني: متجه إلى المكلف، فلا فعل للضرر والإضرار مأذون به شرعا، ويؤيد هذا بأنه جاء في بعض الروايات "لا ضرر ولا إضرار "يعني: بالغير

وقد فصل العلماء في أنواع الضرر:

ـ النوع الأول:أن يقع الضرر بلا غرض صحيح ولا فائدة بل يكون المقصود  منه الإضرار المحض، دون أن يكون هناك نفع على من أوقع هذا الضرر, أو أن يكون له غرض فاسد لا يجوز فعله، وهذا النوع محرم مطلقًا، ولا يجوز في حال من الأحوال, ومثال ذلك مضارة الزوج لزوجته، بحيث يمسكها بلا رغبة فيها، بل بقصد الإضرار بها، فيجعلها معلقة لا هي ذات زوج ولا هي مطلقة.

ـ النوع الثاني من أنواع الضرر: أن يكون للفاعل غرض صحيح من فعله، لكن يترتب عليه وقوع ضرر على الآخرين, مثال ذلك: من أراد أن يحدث في بيته بنيانا، أو أن يفتح نافذة، أو أن يفتح بابًا على الطريق، إلا أنه يترتب على فعله هذا ضرر بمن حوله, فالأصل في هذه الحالة أيضا المنع؛ منع الضرر قبل إيقاعه، ورفعه بعد وقوعه، لكن في بعض الحالات يكون في المنع إحداث ضرر أكبر، فتتعارض المصالح والمفاسد، أو تتعارض المفاسد مع بعضها، فنحتاج إلى الموازنة بينها، ولهذا جاءت قاعدة "الضرر لا يزال بضرر اشد منه".

ـ النوع الثالث من أنواع الضرر: هو ما يكون إيقاعه بقصد العقوبة لمن فعل شيئا مما يجب فيه حد أو تعزير, كمن ضرب شخصا فآذاه، فإنه يحق للمضروب أن ينتصر لنفسه، أو من أوقع جناية على أخيه فأذهب نفسه، أو أذهب طرفا، أو جرح جرحا، فإنه يُشرع لولي الدم القصاص، وللمجني عليه في طرف أو جرح أن يقتص لنفسه, فيوقِعُ ضررا على من جنى عليه، لكن هذا الضرر في مقابلة ضرر أوقعه عليه ابتداء الجاني، وكذلك من سرق شيئا أقيم عليه حد القطع، ومن زنا وهو محصن أقيم عليه حد الرجم, وهذه الأمور تسمى عقوباتً وحدودًا، وفيها انتصار للمظلوم، وردع للجاني عن فعله, كما قال تعالى:  {والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا نكالا من الله والله عزيز حكيم} المائدة 38، وكما قال تعالى:  {ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل} (الشورى 41), وقال تعالى:  "وجزاء سيئةٍ سيئةٌ مثلها" (الشورى 40), وليس المقصود بهذا النوع الإضرار ابتداء، وإنما وقع فيه الإضرار مقابلة، فسمي إضرارًا إما حقيقة؛ لأن من يقام عليه الحد سيتضرر، وإما مجازًا؛ مقابلة له بفعله الذي فعله، كما قال تعالى "وجزاء سيئة سيئةٌ مثلها..." الشورى 40, وفي هذا من الحكمة شيء عظيم للجاني نفسه، وللمجني عليه، وللمجتمع, أما الجاني فإن إقامة الحد في حقه رحمة به، وتطهير له مما وقع فيه، كما صح ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث عبادة بن الصامت, وأما المجني عليه فإنه يَشفي نفسه مما حصل له، ومعلوم أن النفس إذا لم تستشف فإنها قد تفعل أعظم مما فعل بها, وأما المجتمع فإن في إقامة الحدود حفظًا لهم من ظهور أسباب الفساد فيه, ولهذا ختم الله تبارك وتعالى آية السرقة بقوله: ".والله عزيز حكيم" فذكر اسمين عظيمين، وهما العزيز الذي لا يغلبه أحد, والحكيم الذي يضع الأمور في مواضعها.

وقد ربط الفقهاء هذه القاعدة الفقهية "لا ضرر ولا ضرار" بخصائص المعاملات المالية في الإسلام وخاصة بقاعدة إزالة الضرر، أو الضرر يزال التي أصلها حديث صحيح رواه مالك وغيره، وهي قاعدة عظيمة تدخل في كثير من فروع الفقه.

وربط هذه القاعدة بالمعاملات المالية في الإسلام يكون بالنظر إلى أن المعاملات المالية وغير المالية في الإسلام قائمة على أساس التراضي وتبادل المنافع بين المتعاملين؛ فلا ضرر على أحد لحساب الآخر؛ فالكل مستفيد، قال الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا {النساء:29.

وهذه القاعدة العامة التي تندرج تحتها كثير من الجزئيات مطابقة لهذه الخاصية فمثلا حرم الإسلام الربا والرشوة والغش والتدليس والغرر وكتم العيب... لما في ذلك من الضرر على المتعاملين، وبالتالي على المجتمع عموما، وفي هذا تحقيق للعدل التام.

وقد بنى الفقهاء على هذا الحديث الجامع "لا ضرر ولا ضرار" قاعدة عظيمة على غاية كبيرة من الأهمية وهي قاعدة "الضرر يزال "وهي إحدى القواعد الكلية الكبرى التي عليها مدار الفقه، وتشتمل على فروع فقهية لا حصر لها، حتى قال بعض أهل العلم إنها تتضمن نصف الفقه؛ وسبب ذلك أن الأحكام شرعت لجلب المنافع ودفع المضار, وهذه القاعدة يدخل فيها دفع المفاسد عن الضروريات الخمس التي هي: الدين, النسب, النفس، المال، العقل؛ ولذلك كانت تتضمن نصف الفقه، ومن أهميتها بني عليها أبواب فقهية كاملة، واندرج تحتها قواعد كلية عظيمة، وتندرج تحتها قواعد فرعية هامة وأبواب فقهية عديدة لذلك اعتبرها الفقهاء إحدى القواعد الكلية الخمس التي عليها مدار الفقه.

ومن الأبواب الفقهية المبنية على هذه القاعدة:أبواب الخيار في المعاملات المالية، كخيار العيب، وخيار اختلاف الوصف المشروط، وخيار التغرير، والإفلاس، ونحو ذلك من أنواع الخيار, كلها مبنية على قاعدة لا ضرر ولا ضرار.

ومن الأبواب أيضا: باب الحجر, فهو إنما شرع للمحافظة على مال الشخص الذي لا يقدر على التصرف السليم فيه؛ لمنع الضرر عن ماله.

ومن الأبواب: باب الشُّفعة, والشفعة هي أن يأخذ الشريك نصيب شريكه بالثمن الذي باعه به، وإنما شرعت لدفع ضرر القسمة عن الشريك الآخر، ودفع ضرر جار السوء.

ومن الأبواب المبنية على هذه القاعدة أيضا: أبواب القصاص، سواء ما كان منها في النفس, أو ما كان في الطرف، أو ما كان في الشجاج وكسر العظام؛ فإن ذلك إنما شرع لدفع لضرر عن أولياء القتيل، ولدفع الضرر عن المجني عليه، ولحفظ المجتمع من الفساد الأخلاقي، و من انتشار القتل والجراحات فيه, فإن الجاني إذا علم أنه إذا قطع يد شخص لم تقطع يده تجرأ على هذا الفعل, ولكن إذا علم أن جزاء قطع اليد أن تقطع يده انتهى, ولهذا قال الله تبارك وتعالى: "ولكم في القصاص حياة.." البقرة 179, وكانت العرب تقول: القتل أنفى للقتل, فجاء القرآن بعبارة أقصر وأبلغ.

ومن الأبواب أيضا: أبواب الحدود, فإنها -أي الحدود- إنما شرعت لدفع الضرر عن المجتمع وحفظهم من الفساد الأخلاقي والديني والمالي.

ومن الأبواب التي بنيت على هذه القاعدة أيضا: أبواب الطلاق, فسخ النكاح بالعيوب؛ لأن المقصود بذلك إزالة الضرر عن الزوجين, فإن الحياة قد تتوقف بين الزوجين فلا سبيل لهما إلا أن ينفصلا إما بطلاق أو خلع أو فسخ.

أما القواعد المتفرعة عليها، أولها قاعدة "الضرر لا يزال بمثله" ومعناها : أن الأصل منع الضرر قبل وقوعه ورفعه بعد وقوعه، بدون إحداث ضرر على الآخرين, فهذه القاعدة تفيد أن إزالة الضرر يجب أن يكون بدون إحداث ضرر مماثل, فمنطوق القاعدة رفع الضرر بدون ضرر مثله, لكن لها مفهوم موافقة ومفهوم مخالفة, أما مفهوم الموافقة فهو منع إزالة الضرر بضرر أعظم؛ لأنه إذا لم يجز إزالة الضرر بضرر مماثل فلا شك أنه لا يحوز إزالة ضرر بضرر مثله من باب أولى.

وأما مفهوم المخالفة من القاعدة فهو جواز إزالة الضرر بضرر أخف, وهو ما توضحه قاعدة "إذا تعارضت مفسدتان رُوعِي أعظمهما ضررا بارتكاب أخفهما", وعلى هذا فقاعدة الضرر لا يزال بمثله تعتبر قيدا للقاعدة الكلية لا ضرر ولا ضرار؛ من جهة أن الضرر يشترط لإزالته أن لا يترتب عليه ضرر مماثل, وربما عبروا عن هذه القاعدة بقولهم "الضرر لا يزال بالضرر.