على هامش حوار "مدارك" مع هاشم صالح
العلمانية الأصولية شلت تقدمنا دهرا (1-3)
ومع الرغبة في تجنب الكتابة عن اسم بعينه، فقد استدعى هذا الحديثَ الاستثنائي حوارٌ أجراه موقع "مدارك" في بوابة مواقع "إسلام أون لاين" مع هاشم صالح، ونشر يوم 12/8/2009م، واستفز بعض المترددين على الموقع كما تشهد مشاركات المعلقين عليه.. على هذا الرابط:
"هاشم صالح: الفقه القديم شل حركتنا قرونا"
وفي الفقرات التالية إطار عام يستهدف وضع كلام هاشم صالح في الحوار المذكور في مكانه، ولا يتم ذلك دون استشهادات تبين أصولية هاشم صالح العلمانية إلى درجة التشدد والغلو، كما أن فيه أيضا ملاحظات أساسية يثيرها الحوار نفسه وما دار حوله.
العلمانيون الأصوليون
يشير استخدام تعبير "العلمانيين الأصوليين" ضمنا إلى أن المقصود فئة من العلمانيين، فبغض النظر عن اختلاف المنطلقات والمناهج مع "عموم" العلمانيين وما يترتب على ذلك، وجب التنويه إلى أنهم ليسوا موضع الحديث تعميما في الفقرات التالية، والجدير بالتنويه أيضا أن فئة العلمانيين الأصوليين في البلدان العربية والإسلامية أصبحت في هذه الأثناء عبئا عليهم أكثر ممن تصفهم أقلامهم بالإسلاميين الأصوليين، بل هي الفئة الأشد خطرا على ما بقي من العلمانية عموما.
وعلى مستوى البلدان العربية والإسلامية كان العلمانيون الأصوليون دوما مصدر الأخطار الأكبر، لا سيما في النصف الثاني من القرن الميلادي العشرين، أي عندما وصلت الحملة العلمانية المكثفة والمدعومة غربيا أقصى مداها، وكانت لها السيطرة والهيمنة على جميع مفاصل صناعة القرار السياسي والعسكري والثقافي، فكان من موبقاتها الكبرى ما صنعته عبر أنظمة علمانية استبدادية وعبر أنشطة علمانية حزبية، لإقصاء الإسلام كما أنزله الله -أي إقصاء الإسلام الوسطي- عن مختلف ميادين الحياة والحكم.
أمام هذه الصورة من معايشة التاريخ الحديث مباشرة يجب التأكيد بكل وضوح:
بحكم المجرى الزمني للوقائع التاريخية المحضة، يحمل العلمانيون الأصوليون المسئولية الأكبر عن جميع ما أفرزته العقود الماضية، ومن ذلك (ونتيجة لتغييب مفعول الإسلام الوسطي كما أنزله الله وليس بوجوده وتأثيره) انتشار الموجة الحديثة للتشدد والغلو تحت عناوين إسلامية، وهي الأخطر مما سبقها في الماضي البعيد.
لا يعني ذلك التهوينَ من شأن مسئولية الإسلاميين الذاتية عن بقائهم لعدة عقود دون مستوى القدرة الكافية لدفع مختلف الأخطار الخارجية والداخلية، ومنها أخطار الموجة العلمانية المدعومة أجنبيا وسائر إفرازاتها، وفيها الغلو المضاد بعناوين إسلامية.
إنما لا ينبغي التهوين أيضا من قيمة جهود إسلامية فكرية ودعوية كبيرة (رغم الإقصاء والملاحقة والحصار) ساهمت في تحقيق ما نسميه الصحوة الإسلامية، ثم -وهذا هو الإنجاز الأهم- تنامي مظاهر ترشيدها على طريق الإسلام الوسطي كما أنزله الله.
هذا بالذات (وليس غلواء التطرف تحت عنوان إسلامي) هو ما يجعل كثيرا من العلمانيين الأصوليين يضاعفون جهودهم المضادة الآن، فهم يعتمدون على مدخل "مكافحة التطرف والغلو".. ويستهدفون الإسلام نفسه، وعندما يتحدث قليل منهم عن تعايشٍ ما مع الإسلام أو احترام له بل حتى عن ادّعاء تبنيه دينا مع الحرص على "تجديده"، فهو يسعى من أجل "إسلام" مختزل ما، مفصلٍ على مقاس أهدافِ حشرِه وحصره تحت "القبعة" العلمانية.
أما نسبة هاشم صالح إلى تلك الفئة من العلمانيين الأصوليين فتعتمد على مضامين كتاباته مباشرة، وهذا رغم أنه معروف بحذره الشديد في انتقاء العبارات وصياغتها، ربما لتسهيل الوصول بها إلى أوساط الشبيبة الإسلامية، وهو ما يسري على إجاباته في الحوار المنشور في موقع "مدارك".
رغم ذلك تظهر للعيان العلمانية الأصولية -أو التشدد والغلو- بدرجة غير عادية في قول هاشم صالح مثلا:
"كنت أقول وما أزال مصرا على هذا القول أكثر من أي وقت مضى: كل مثقف عربي لا يعتبر مشكلة الأصولية بمثابة المشكلة الأساسية لعصرنا ليس مثقفا ولا يستحق هذه التسمية بأي حال"، وهذه عبارة له منشورة يوم 6/5/2006م على الرابط التالي: (الأصولية الظلامية والمعركة التي لا بد منها) في مقالة بعنوان "الأصولية الظلامية والمعركة التي لا بد منها" في موقع الحوار المتمدن (المعروف بأنه من المعاقل الشبكية للعلمانيين الأصوليين).
واضح أن هاشم صالح لا يقصد الأصولية عموما، بل يقصد من يعتبرهم "ظلاميين" كما يشير العنوان، وهذا تعبير لا تكاد تخلو منه مقالة من مقالاته، وكان يفترض به كمتخصص جامعي في الآداب وفيلسوف ومترجم للفيلسوف أركون وكاتب علماني معروف أن يتجنب استخدام كلمات لا يوجد "مفهوم اصطلاحي لها" ولا طرح منهجي لمدلولها.
إن كلمة "ظلاميين" تلك مجرد "شتيمة مستحبة" عند العلمانيين، وليست وصفا موضوعيا أو غير موضوعي لإنسان أو اتجاه أو تيار.
الجدير بالتأمل أنها كلمة انتشرت على ألسنة العلمانيين الأصوليين وبأقلامهم، في الحقبة المشار إليها، أي التي شهدت غرق البلدان العربية في "ظلمة" حضارية شاملة، جمعت (أ) انتشار تلك الظلمة و(ب) سيطرة التيار العلماني -وليس الإسلامي- على مقاليد السلطة السياسية "المعسكرة"، وعلى مفاصل آليات توجيه الحياة الفكرية والتربوية والإعلامية والفنية وغيرها، فكانت صناعة القرار في كل ميدان علمانيةَ القلب والقالب، وكانت الحصيلة ما نعرفه على مدى جيلين متعاقبين من "ظلمة" ذكريات النكبات والهزائم والنكسات، حتى فاض تعدادها عما يستوعبه 365 يوما على مدار السنة.
رغم ذلك لا ينبغي أن يكون من شيم الإسلاميين الرد على شتيمة الافتراء بشتيمة ما وإن كانت محقة من حيث المضمون، مثل تعميم إطلاق وصف الظلاميين على العلمانيين الأصوليين.
على النقيض من ذلك نجد كثيرا من الإسلاميين على استعداد لاعتبار كاتب علماني، وإن كان أصوليا، مثقفا من المثقفين أو مفكرا من المفكرين من الاتجاه الآخر، وقد يمضي فريق منهم إلى فسح المجال له (كما صنع موقع "مدارك" ولا يلام على ذلك) للحوار، وبيان ما يرى بنفسه وليس تلفيقا عليه، لعل.. وعسى.
ألا ينبغي أن نضع صورة "حضارية وثقافية" سوية من هذا القبيل، مقابل الصورة الاحتكارية المتمثلة في مقولة هاشم صالح المذكورة آنفا، وهو (الذي يرى نفسه مفكرا متنورا) يحصر "صفة المثقف" فيمن يشاطره خوض معركته التي "لا بد منها.." في نظره ضد من يسميهم "ظلاميين".
فكم تذكرك هذه المقولة "الفكرية الثقافية!" بمقولة عنجهية مشابهة ومعروفة لمن أراد أن يقسم العالم إلى شطرين: "إما معنا أو ضدنا".
"حفنة من المثقفين"
هاشم صالح يقر -على الأقل- بأن ما يقول به بصدد معركة المليار كما يسميها في المقالة المشار إليها نفسها، لا يجاريه فيه سوى فئة محدودة العدد، يصفها بقوله: "نحن حفنة من المثقفين العرب".
ونضيف فنقول: حفنة من المثقفين العرب العلمانيين الأصوليين.. فمشكلة هذه القلة كامنة في أصوليتهم العلمانية، وليس في مستوى ثقافي أو نوعية ثقافية.
ومنبع المشكلة هو "الانبهار" (وكم يتناقض الانبهار مع خصائص الفكر والثقافة) وليس مجرد التقدير أو الاحترام أو الإعجاب تجاه حقبة التنوير الأوروبي (وهو الذي نقول فيه من المنظور الإسلامي: إن فيه كسواه من المنجزات البشرية إيجابيات وسلبيات).
الانبهار هنا هو أن يصل إنسان ما -نظرية وسلوكا- إلى درجة بعيدة من الافتتان بتلك الحقبة الأوروبية التاريخية "العتيقة"، بخيرها وشرها، وقضها وقضيضها.. ثم أن يبلغ الإصرار على تعميم مقتضياتها على حاضر الدائرة الحضارية الإسلامية ومستقبلها مستوى لا يمكن تسويغه بأي منطق عقلاني.
هذا يعيب أن يصاب به عموم البشر، فكيف بمن يعتبر نفسه من "النخبة" ويسوّغ لنفسه إملاء ما يرى على الآخرين وتصنيفهم بين مثقفين وغير مثقفين؟ لقد تجاوزت فئة المفكرين والمثقفين العرب العلمانيين الأصوليين بذلك الانبهار الطاغي عليها كثيرا من الغربيين المتعصبين (مثل الذين يعتبرون أوروبا هي المركز وبقية العالم أطرافا) أضعافا مضاعفة.
ويوجد ما يكفي من شواهد على صحة استخدام تعبير الانبهار في هذا الموضع، فلنتأمل مثلا على ذلك العبارات التالية لهاشم صالح (والأمثلة كثيرة جدا!) من المقالة المشار إليها آنفا:
"وفي مقالات سابقة كنت قد تحدثت عن بعض هذه المعارك وأبديت إعجابي أكثر من مرة بأكبر مغامرة شهدها تاريخ الفكر البشري.. مغامرة التنوير أو التحرر من الدوغمائية المتحجرة. وقلت بأنها معركة المستقبل، معركة العرب، معركة المسلمين، معركة مليار شخص، ولكن ما كنت أتخيل أنها ستتحول بمثل هذه السرعة إلى مشكلة تهم ستة مليارات شخص، أي العالم بأسره".. يقصد المعركة ضد "الأصولية الإسلامية"، ولا بد من التساؤل:
ما الفارق بين "الدوغمائية المتحجرة" التي يتحدث عنها والتي تجلّت في الإملاءات العقدية الكنسية (الدوجما) في القرون الوسطى الأوروبية عندما أرادت الكنيسة أن تجعل من فلسفتها وحدها أساسا لكل فكر وأدب وفن وعلم وسياسة وسلوك، وبين من يريد أن يجعل من فلسفات التنوير -وفيها الصالح وغيره- وحدها دون سواها أساسا لذلك كله، سواء أعطيت عنوان "الثقافة والمثقف" أم لا؟
يوجد الكثير من الشواهد الأخرى في مقالات هاشم صالح وفي كتبه، ويكفي هنا الاستشهاد بكلماته عن الموضع الذي يراه هو لنفسه عندما يذكر نفسه مع عدد من الأسماء المعروفة في الماضي والحاضر، فيقول ساخرا: (وبما أني أحد العشرة المبشرين بالنار بالإضافة إلى التوحيدي والمعري وابن الراوندي والعفيف الأخضر وابن المقفع وبشار بن برد وأبي نواس وآخرين فإني أزعم المقدرة على الرجم بالغيب والتنبؤ بالخوارق والمعجزات).
وكيلا يمضي القارئ بعيدا ينبغي التنويه إلى مقصده كما يتبين في عبارة سابقة: (هل ينبغي أن نعيش عشرين ألف سنة لكي نشهد نهاية الغطرسة الإسرائيلية وانحسار موجة الأصولية الظلامية وإشعاع التنوير العربي الإسلامي على كل ربوعنا وربما نهاية حديث الفرقة الناجية وتكفير الآخرين؟!)، وكلماته هذه واردة في مقالة له من 2/4/2009م بعنوان :
"داروين والثورة الداروينية (18)" في موقع "الأوان.. من أجل ثقافة عقلانية علمانية تنويرية".
وليلاحظ القارئ الكريم كيف جمعت العبارة بين الظلامية والتنوير، وبين الغطرسة الإسرائيلية ونهايتها، والمفروض أن الكاتب يعلم أن الغطرسة الإسرائيلية في قلب المنطقة العربية والإسلامية نشأت وترعرت جنبا إلى جنب مع نشأة الغطرسة العلمانية ابنة التقليد المطلق للتنوير الأوروبي (ونقول ثانية عبر التأمل البصير: فيه إيجابيات كثيرة وسلبيات) فتزامن استفحال "الغطرستين" معا، على مختلف المستويات، ومع مسلسل الانقلابات العسكرية والاستبداد والتجزئة والتخلف، وجميع ذلك جنبا إلى جنب مع ملاحقة التيار الإسلامي وحصاره إلى أبعد الحدود، وليس في ظل توجيهه للحياة والحكم، سواء سمّاه الأصوليون العلمانيون "ظلاميا" أم لم يفعلوا.





















