مدارك: بوابة الثقافة والفكر الإسلامي المعاصر "إصدار تجريبي"
أرسل لصديق ||

"مدارك" تحاور رئيس اتحاد المنظمات الإسلامية بفرنسا

التهامي إبريز: الصوفية أنقذتني من الشيوعية

هادي يحمد / 25-10-2009

Image
ابتسامة دائمة خلف لحية مرتبة يختلط فيها الشعر الأبيض بنتف سوداء ورابطة عنق ونظرات "مثقفين".

هي النظرة الأولى التي تنطبع في ذهنك حينما تنظر في وجه الحاج "التهامي إبريز" رئيس اتحاد المنظمات الإسلامية بفرنسا .

مظهر رسمي ربما كان أحد أسباب "نجاح تواصله" مع الرسميين الفرنسيين, وفي أحيان كثيرة يترك رابطة العنق جانبا ويلبس جبته المغربية التي تذكره بريف المغرب وعبق قرية "دار القداري" في ضواحي القنيطرة.

دار القداري البادية التي يقول فيها التهامي إبريز أنه رأى فيها لأول مرة "نور الله" تأثرا بوالده الصوفي التيجاني.

اليوم بين غبار مكاتب الاتحاد في باريس وبعد 19 سنة قضاها على رأس اتحاد المنظمات الإسلامية، واستعدادا لمغادرة منصبه في أكتوبر 2009م كانت لنا هذه المقابلة مع الحاج إبريز من أجل البحث عن المفاصل الزمنية والفكرية التي جعلت التعايش بين جبة "دار القداري" ورابطة العنق الباريسية ممكنا .

وفيما يلي نص الحوار :

التربية والنشأة والبداية

* أين كانت نشأة الحاج التهامي إبريز؟

- نشأت في بادية من بوادي شمال مدينة القنيطرة المغربية اسمها "دار القداري"، حيث لم يكن هناك أية مدرسة قريبة لنا، وكنا نذهب إلى المدرسة على الأقدام، وكانت الحصص المدرسية ملزمة بأن تنهي أوقاتها قبل غروب الشمس.

وبدأت الذهاب إلى المدرسة في السنة الدراسية 1962- 1963، وقبلها كنت ارتاد الكتاتيب بحرص من الوالد رحمه الله، وحينما بدأت الدراسة كان الوالد حريصا أيضا على الحصة اليومية في الكتاتيب لمراجعة حفظ القرآن الكريم.

لقد عشت في طفولتي مرتبطا بوالدي أكثر من الوالدة، حيث إنه كان حريصا على تلقيني العلم الشرعي، وتحفيظ القرآن.

كان الوالد من مشايخ القبيلة, ولكنه لم يكن شيخا بالمعنى الإداري، حيث إنه لما عرض عليه أن يكون شيخا ذا وظيفة إدارية رفض، وأتذكر أنه قال وقتها: "إن تقبلي مثل هذا المنصب يؤدي بي إلى جهنم وأكل المال الحرام"، فقد كان من حكماء القرية، وكان الناس يأتون إليه ويستنصحونه، بالرغم من كونه بعيدا عن أية مسئولية إدارية، ولذلك فقد أخذت منه كثيرا وتعلمت منه الأمور الدينية وكان صاحب طريقة.

إبحار صوفي

* كان الوالد متصوفا؟

- نعم.. كان من أتباع الطريقة التيجانية فقد كان يجلسنا يوميا ونقرأ معه "الوظيفة" الطريقة التي يتمثل محتواها في استغفار الله مائة مرة ونصلي على النبي صلى الله عليه وسلم مائة مرة صلاة الفاتح والذي محتواها "اللهم صلى على سيدنا محمد الفاتح لما أغلق والخاتم لما سبق ناصر الحق بالحق والهادي إلى صراطك المستقيم وعلى آله حق قدره ومقداره العظيم"، وطبعا صلاة الجمعة كانت بالنسبة لنا لها وظيفة خاصة وفيها نذكر ألف مرة: لا إله إلا الله بعد صلاة العصر.

* في تلك الفترة كنت منخرطا في البيئة الصوفية؟

- كنت أراقب وأمارس، ولكني كنت أرى بعض الأشياء التي لا أستحسنها، والتي أرى أن فيها مخالفات. وكنت أميل إلى الأشياء التي ارتاح لها على الرغم من أن الوالد كان دائما يتمنى أن أكون تيجانيا متصوفا.

* ماذا بقي في شخصيتك اليوم من التيجانية؟

- بقيت الأذكار التي لا أزال محافظا عليها مثل "أستغفر الله العظيم" و"لا إله إلا الله" و"اللهم صلى على سيدنا محمد الفاتح.. إلخ".

هذه من أجمل الأذكار وأقربها إلى قلبي وهي نتاج تربية الوالد بالرغم من أنه كان يريد أكثر من ذلك عن طريق "الضغط" علي برفق، وهو يقول لي متى تصير تيجانيا وتلتقي "بمقدم الطريقة" حتى "تأخذ الذكر"، فقلت له برفق، بأنه المقدم بالنسبة لي وأعاهدك أن أحافظ على هذا الورد، الذي أذكر أنه كان محافظا عليه صباحا مساء لا يتركه.

* إضافة إلى الأذكار.. ما هي الذكريات التي رسخت فيك إلى الآن نتيجة هذه التربية الصوفية؟

- صلاة الصبح، حيث كان والدي يوقظنا لصلاة الصبح في بادية القنيطرة والجو جميل وترى في هذا المشهد نور الله عز وجل، ولقننا الدعاء التالي عندما نستيقظ "اللهم يا خالق الخلق ويا باسط الرزق ويا كاشف الضر ويا من بعث سيدنا محمد بشيرا ونذيرا نجنا يا رب من الشر والفقر وعذاب القبر". كنت أردد هذا الحديث قبيل صلاة الفجر ولازلت أقرؤه، وحفّظته لأبنائي في باريس على أساس أنه مفتاح الأجر, هذا بعض ما بقي في شخصيتي من تربية الوالد الذي كان حكيما عليما حليما وكان يفصل بين الناس.

* أخذت من "التيجانية" الأذكار.. فماذا تركت منها؟

- هناك بعض الأمور التي ربما لا تكون بالضرورة من الطريقة ولكن روج لها، مثل الاستعانة بالشيخ والقول بأن أصحاب الشيخ التيجاني هم الذين يدخلون الجنة، وأن أصحاب الشيخ التيجاني هم أصحاب الطائفة الناجية.. كل هذه الأمور ما استسغتها حتى قبل أن تكون لي خلفية عملية وشرعية.

* ومن الوالدة.. ماذا تعلمت؟

- تعلمت منها فعل الخير, حيث إننا كنا وقتها في البادية، وكانت والدتي لا تخرج ولا تلاقي أحدا لأنها "محجبة"، ولكنها كلما رأت أجنبيا وغريبا أو سمعت صوت الغياث ( بائع جوال) أو عابر سبيل؛ فتعد سريعا "خبز السميد" وتخلطه بالزبدة أو بالسمن الحار المملح وتنادينا وتقول لنا خذوه وأعطوه إلى عابر السبيل.

وكذلك في وقت الغداء وقبل أن نشرع في الأكل تقول لنا اخرجوا أمام البيت وانظروا هل هناك "عابر سبيل" نخرج له بعض الطعام و"عابر السبيل" قد يكون أيضا من الجيران حيث ندعوه لكي يأكل معنا.. اليوم بقي هذا الأمر في حاضري.. وأذكر أني قمت بسفرة إلى مدينة "مونبيلي" ( جنوب شرق فرنسا) وسألني أحد منخرطي اتحاد المنظمات الإسلامية عن إنجازاتي وعما فعلت أثناء فترة ولايتي.. فرددت عليه أني لا أذكر أشياء كثيرة فعلتها، ولكني أذكر فقط أني من خلال وظيفتي في الاتحاد كنت دائما أعتني بالمحتاجين والمساكين وحرصت أن أتفرغ لهذا الأمر شخصيا فلا أحد يأتينا إلى هنا طلبا للمساعدة ويُرد خائبا كاذبا كان أو صادقا.

* لم تحفر أكثر في ذاكرتك من المشاهد التي بقيت في ذهنك وأنت طفل؟

- كنت أمي اللوحة في الكتاب مرتين.. (يضحك) بمعنى أني كنت أحفظ ما أكتبه من قرآن سريعا لأمحه حتى أكتب سورة أخرى قبل الوقت المحدد لحفظ الآيات أو السورة, و كان الشيخ لما يراني وقد حفظت ما كتب يأمرني بمحو ما كتبت ويملي علي آيات أخرى، وتتكون اللوحة عادة من عشرة أسطر، ثم أعانتني الكتاتيب في المدرسة النظامية فيما بعد.

* بعدها جاءت الفترة الثانوية, فما كان تأثيرها فيك؟

- الله لطف بي لأني عشت فترة صعبة جدا بسبب بُعدي عن الأسرة وخاصة بُعدي عن الوالد، والحقيقة أنها كانت صدمة كبيرة لي، وما كان والداي يشعرون بذلك ولكني شعرت بذلك حيث بعدت حوالي 35 كم عن باديتنا.

 في هذه المنطقة شعرت بالحزن والغربة وصدمت صدمة شديدة، وكنت أخفي ذلك عن الوالدين، ولكن الله لطف بي وسخر لي أسرة قريبة من الوالد أنقذتني من العزلة واستضافوني عندهم وانتقلت من المبيت إلى بيتهم واعتنوا بي عناية الوالدين بأبنائهم وقضيت معهم حوالي أربعة سنوات وبقيت في هذه الأسرة إلى حصولي على البكالوريا وغادرت من بيتهم إلى العاصمة الرباط سنة 1975.

التبلور الفكري

* في الرباط.. ماذا درست؟ وكيف عشت فترتك الجامعية، خاصة أن الجامعة المغربية في تلك الفترة كانت تحت سيطرة التيارات الماركسية اليسارية عموما؟

- في الرباط درست القانون العام والعلوم السياسية, كان التدين في تلك الفترة محتشما جدا ولم يكن ظاهرا وحتى الذي كان يؤدي صلاته كان يؤديها خفية وفي جو من الخوف.

وعلى الرغم من التأثير القوي للتيارات اليسارية في الجامعة فإن البعض وأنا منهم كان لنا صورة نمطية أنقذتنا من أفكارهم وهي فكرة بسيطة ولكنها وقتنا منهم وهي "أنهم يسار وماركسيون وشيوعيون.. نعم لا يؤمنون بالله وملحدون"، وهذا القول كان صادما لتديننا الفطري الريفي.

كما كنا لا نبحث عن تفاصيل أفكارهم ولا ندري ما يريدون بالضبط ولكن جهرهم كونهم "ملحدين" كان بالنسبة لنا كافيا لرفض أفكارهم، وذلك لأن العديد منا كان له تدين تقليدي موروث.. حيث إن تربيتي الصوفية الروحية أنقذتني من هؤلاء، وكنت أرفض أن يقول لي أحد إن الله الذي تلمست وجوده في بادية "دار القداري" مع الوالد عند صلاة كل صباح غير موجود.

وقضيت في الجامعة أربع سنوات ومنها رحلت إلى مدينة "بوردو" الفرنسية جنوب فرنسا لمواصلة الدارسة.

* في تلك الفترة وخلال السنوات الجامعية في الرباط هل كان هناك حدث أثر فيك وساهم في إضافات جديدة في حياتك؟

- أنا من الأشخاص الذين أثرت فيهم "الثورة الإسلامية في إيران" سنة 1979 ونجاح الثورة ورجوع الإمام الخميني كان محل متابعة كبيرة بالنسبة لنا كطلبة متدينين تدينا تقليديا صوفيا في تلك الفترة، وأعتقد أن هذه الحادثة ساهمت في قلب أفكار الكثيرين بعيدا عن الخلفية الشيعية لهذه الثورة.

فقد كانت ثورة أوصلت لنا رسالة مهمة، وهي أن الإسلام قادر على التغيير، وأنه يمكن أن يكون مشروعا للمجتمع، وأن البلاد التي توجد فيها غالبية مسلمة يجب أن تخضع للإسلام ولا يجب أن تخضع لشيء آخر، وأن مقاومة الفقر والظلم ومناهضة الفوارق الاجتماعية ممكن عن طريق الإسلام.

وقد ساهمت الثورة الإسلامية الإيرانية بالنسبة لي في التسريع في وتيرة التدين، وأخرجتني من رؤية التدين الذاتي لصالح النفس إلى وتيرة العمل والتدين ضمن الجماعة والحركات الإسلامية ضمن المشروع الإسلامي، وجئت إلى مدينة "بوردو" في فرنسا وأنا متعلق بالثورة الإسلامية.

* ولكن هل توازى الإعجاب بوهج الثورة الإسلامية الإيرانية بقراءات وكتابات معينة لديك؟

- في تلك الفترة بدأت كتب "سيد قطب" تتداول بيننا، وكذا كتب الإمام المودودي، وبدأنا نتناقش فيما بيننا حول هذه الكتابات، وعلى الصعيد المغربي المحلي كان تأثير الشيخ مهدي بن عبود (ولد في مدينة سلا سنة 1919 وتوفي سنة 1999) كبيرا في شباب كثيرين في تلك الفترة، وكان الناس يحجون إليه من كامل أنحاء المغرب من أجل الاستماع إلى محاضراته بشكل عجيب، كما كانت للدروس الحسنية التي كان ينظمها ملك المغرب "الحسن الثاني" آنذاك تأثير في أجيال عديدة.

* هذا يعني أنك عندما جئت إلى فرنسا وإلى مدينة بوردو تحديدا كانت هي السنة ذاتها التي قامت فيها الثورة الإسلامية الإيرانية؟

- نعم.. وفي تلك الفترة لم أشعر بالغربة كما شعرت بها حينما خرجت لأول مرة من بلدتي الريفية "دار القداري" إلى الثانوية؛ ففي بوردو وجدت الجماعة وطلبة آخرين حيث طرحت علينا الغربة مسألة المحافظة على الهوية، وقيمة الجماعة وبدأنا العمل الإسلامي في جامعة بوردو.

وأذكر أني التقيت بأخ عراقي سني عصمني بعد توفيق الله من التشيع، وأنا الذي كنت متأثرا بالثورة الإسلامية في إيران، وبقيت متأثرا بالثورة الإيرانية فقط من الناحية السياسية أيديولوجيا، ولكن ليس من الناحية المذهبية.

في تلك الفترة بدأنا نلتقي ونتدارس وكانت "رسائل الإمام حسن البنا " في تلك الفترة أحد الكتب التي وقفنا عندها كثيرا، خاصة أن الحوار اشتد في تلك الفترة بين العديد من الطلبة حول المذهب الشيعي والتشيع عقب الثورة الإيرانية ومنزلقاتها المذهبية.

وفي الجامعة أنشأنا مسجدا، وأذكر أن إخواننا النصارى قبل أن ننشأ المسجد أعطونا مكانا في الكنيسة لصلاة الجمعة، وامتحنونا بأن وضعونا في مكان فيه تمثال السيد المسيح وهو عار؛ فتقدمت عند الصلاة وغطيت تمثال المسيح بمعطفي، وتكرر الأمر أكثر من مرة وتفطن المشرفون على الكنيسة لذلك؛ فأمرونا بمغادرة المكان بعد أن لاحظوا قدرتنا العجيبة على التكيف، وهو ما أتاح لنا أن نقيم مصلى خاصا بنا بعدها في الجامعة.

وزاد عددنا وأسسنا جمعية "مسلمو منطقة الجيروند" (بوردو وضواحيها) سنة 1982 وترأسها آنذاك أخونا الحاج عمرو أبو بكر، وقمنا بأنشطة عجيبة وربطتنا علاقات وثيقة برئيس البلدية وفتحنا حوارا مع النصارى وأسسنا الإغاثة الإسلامية بفرنسا في بوردو، وأنا كنت أول رئيس لها ونجاحنا في بوردو كان السبب الذي دفع الإخوة إلى دعوتنا فيما بعد إلى رئاسة الاتحاد.

* هذا يعني أن الخط الفكري تبلور نهائيا في مدينة بوردو؟

- نعم.. ونضج حينما صارت لنا علاقة باتحاد المنظمات الإسلامية بفرنسا الذي تأسس سنة 1983 وكانت جمعيتنا أحد المكونات الرئيسية له في عملية التأسيس هذه، وخصوصا أن هدفنا في البداية كان العناية فقط بالوافدين والمهاجرين الجدد لنجد أنفسنا وبسرعة أمام عمارات كبيرة للسكان المهاجرين تحتوي على جيش من أبناء المهاجرين وطرح علينا سؤال كبير وهو ماذا نفعل، ما كل هؤلاء؟ وطرحت علينا إشكالات جديدة وعملنا على التكيف مع الوضع الجديد وتغيرت العديد من أولوياتنا.

ومن هنا بدأ التفكير في تحويل الوجهة من "الإسلام بفرنسا" إلى "إسلام فرنسا" أي فرنسية الإسلام حتى يواكب الوضع الفرنسي, وتم تعييني في تلك الفترة مستشارا للدكتور أحمد جاب الله "أبو حاتم"، وفي نهاية مدته كرئيس للاتحاد اقترحني كرئيس وقال لمسئولي الاتحاد إنه "سيأتيهم بشخص من جنوب فرنسا" حسبته وقتها يمزح، وبالفعل في سنة 1992 وقع انتخابي رئيسا للاتحاد، وأنا لم أتجاوز وقتها الرابعة والثلاثين عاما بالنظر إلى نجاحنا في بوردو.

رئاسة الاتحاد

* إذن وجدت نفسك رئيس أكبر منظمة مسلمة بفرنسا.. ماذا فعلت؟

- كنت مقتنعا أن عملي لا يمكن أن ينجح إذا لم أضع نفسي بفريق عمل جماعي، وأن يشعر كل فرد من الجماعة بمكانته كاملة؛ فلا وجود لثقافة المرشد القائد الأوحد، وتم توجيه الإشكاليات بمجهود جماعي وتعرفت على الملفات، وساعدني في مهمتي أني كنت في السابق في مجلس إدارة الاتحاد، ولكني أخذت وقتا لأتعرف واستعنت بالإخوة القدماء مثل الأخ عبد الله بن منصور والأخ أبو أسامة (الحاج عمر أبو بكر) الذي اعتبر أنه أستاذنا وأشعر دائما أنه كان صاحب فضل لأنه كان صاحب مبادرة وكان يلقي علينا محاضرات، وكذا الأمر بالنسبة للأخ نذير حكيم والأخ فؤاد علوي فيما بعد.

* طوال 17 سنة في رئاسة الاتحاد.. ما هي الفترات التي تعتبرها الأكثر نجاحا؟

- أتصور أفضل فترات النجاح هي تأسيسنا للكلية الأوربية الإسلامية في منطقة "شاتو شنو" في وسط فرنسا في 10 أكتوبر 1992، أي بعد توليتي رئاسة الاتحاد في مايو 1992، وكانت هذه هي الانطلاقة، وبهذه الكلية تحولنا من "إسلام بفرنسا" إلى "إسلام فرنسا" وطرحنا مشروع مشاكل مسلمي فرنسا، وانتقلنا إلى مرحلة التكيف والواقع.

أما الانجاز الثاني فكان إنشاء المدارس والثانويات الخاصة في كل من مدن ليل وليون وضواحي باريس.

والنجاح الثالث هو تأسيس المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث، وبكل افتخار نحن نقول إننا كنا السبب فيه وفي هذه القاعة عقدت الدورة الثالثة للمجلس.

والأمر الآخر هو موضوع الاستشارة التي تتعلق بتمثيلية الإسلام بفرنسا في عهد الوزير "جون بير شيفينمون" سنة 1999 ونحن الذين كنا وراء هذه المبادرة والتي تحولت فيما بعد إلى مبادرة تأسيس المجلس الفرنسي للديانة الإسلامية في عهد ساركوزي سنة 2003 الذي زارنا ثلاث مرات، مرتين في هذه القاعة وثالثة في مؤتمر البورجي، وهذه الزيارة من ساركوزي نعتبرها نجاحا لنا في علاقاتنا بالسلطات الفرنسية.

علاقات سياسية

* في علاقتك بالرئيس الفرنسي "نيكولا ساركوزي" بالذات هل تذكر حادثة معه بقيت في ذهنك؟

- أذكر أنه رمى بملف على أحد مستشاريه الأمنيين لما كان وزيرا للداخلية أمامنا في مكتبه لما قدم هذا المستشار تقريرا مغرضا ضدنا، وقال له حرفيا "لا أريدك أن تريني لي مثل هذه الأكاذيب"، وكنا نلتقي به في كثير من الأحيان وأنا شخصيا اكتشفت جانبا إنسانيا كبيرا في شخصيته، وعندما يستقبل ضيوفه لا يجلس في مكتبه فهو يدير الكراسي ويجلس بينهم في وسط المكتب.

والأمر الثاني أنه حينما يناقش قضية ما وعنده أفكار يغيرها فورا عندما يتضح له من خلال النقاش أن هناك أفكارا أفضل.

* وفي علاقتك أيضا بالرئيس الفرنسي جاك شيراك، خاصة أنك عشت أغلب فترات حكمه؟

- كان الرئيس جاك شيراك يستضيفنا دائما في المناسبات العامة، وجاءت أحداث الحادي عشر من سبتمبر وكان لنا موقف مدين واضح لها، وكنا من أول الجمعيات المسلمة التي أصدرت موقف في ذلك، خاصة أن رؤيتنا كانت واضحة وأشاد بموقفنا في ذلك الوقت الوزير دانيال فايون آنذاك وقال أنا أشيد باتحاد المنظمات الإسلامية بفرنسا.

واستقبلنا بعدها الرئيس الفرنسي جاك شيراك يوم 10 أكتوبر في الإليزيه وشكرنا أثناء خطبته، ثم بدأنا بتقديم أنفسنا، وفي الأعراف أنه بعد كلمة دليل أبو بكر كنت دائما أنا المتحدث وبمجرد أن انتهى دليل أبو بكر واستأذنت في الكلام وقدمت نفسي بصورة تلقائية "الحاج تهامي إبريز رئيس الجمهورية"!! بدلا من أن أقول "رئيس اتحاد المنظمات الإسلامية" فضحك الرئيس شيراك وقهقه الحضور, في تلك الفترة كانت فرنسا مقبلة على انتخابات رئاسية في سنة 2002 فقال لي شيراك مبتسما: "أنا لي منافس واحد وهذا يكفي" (يقصد وقتها المرشح الاشتراكي ليونار جوسبان).


  مراسل شبكة إسلام أون لاين في فرنسا