مدارك: بوابة الثقافة والفكر الإسلامي المعاصر "إصدار تجريبي"
أرسل لصديق ||

مدارك تفتح ملف "العودة إلى الدين"

آلان جريش: في أوروبا حضر الدين وغاب المخلص

ترجمة - أحمد بركات

حوار - داليا يوسُف / 28-10-2009

Image
آلان جريش ولد في القاهرة، وانتقل منها في صباه إلى باريس.. كان شاهد عيان على العديد من الأحداث السياسية الهامة في أوروبا، والعالم العربي، بالإضافة إلى خلفيته متعددة الثقافات؛ فهو يعمل الآن رئيسا لتحرير "لوموند دبلوماتيك"  ومتخصص في الشرق الأوسط.

حصل على دبلومة اللغة العربية عام 1971، أما رسالة الدكتوراه فكانت عن "منظمة التحرير الفلسطينية".

له العديد من المقالات والكتب عن الشرق الأوسط، والإسلام، والقضية الفلسطينية، كما شارك مع الدكتور طارق رمضان عام 2000 في تأليف كتاب "الإسلام في تساؤلات".

في إطار ملف "العودة إلى الدين" التقى محرر الملف بـ"آلان جريش"، وعبر مقابلة هاتفية قدم لنا رؤية من الداخل عن صناعة وسائل الإعلام، كما أجاب بحماس شديد على العديد من الأسئلة والاستفسارات الخاصة بالمشكلات الهيكلية لوسائل الإعلام، وأثر هذه المشكلات على تحقيق تغطية إعلامية عميقة للدين، مستعينا بخبراته الثرية والمتنوعة في هذا المجال، ومستحضرا للعديد من السياقات والأمثلة للمقارنة، وإلقاء الضوء على الاختلافات، ومدى التناغم بين المحيط الصحفي والثقافي في كل من أوروبا والعالم الإسلامي. 

 طالع أيضا:

إسبوزيتو: العنف تخلقه السياسة ويبرره الدين!

هولت: الدين مشكلة وحل 

نص الحوار:

* هل توافق على أن المساحات الزمنية المحدودة، والخطوط الحمراء التي لا يمكن تجاوزها في اللقاءات الإعلامية الدينية قد ينتج عنها أعمال ساذجة أو متحجرة للمعارف والنشاطات الدينية التي ربما تحتاج إلى المزيد من الوقت والعمق لعرضها على نحو لائق؟

- أعتقد أن المشكلة لا تتعلق بالدين فقط بل تتجاوزه إلى مختلف المجالات؛ فإذا كنت بصدد تغطية حركة سياسية مثلا فستواجهك نفس المشكلة؛ فالمسألة ليست مجرد خطوط حمراء لا يمكن تجاوزها، ولكنها تتعلق بالدراية والعمق اللذين يتمتع بهما الصحفي حيال القضية التي يحاول تغطيتها.

يوجد الآن العديد من الصحفيين الذين يعملون بالصحافة التليفزيونية، ويتعاملون مع موضوعات مختلفة، لكنهم ليسوا متمرسين بالحد الذي يكفل لهم تغطية هذا الشتات المتناثر من القضايا؛ ويمكنك أن تلمح هذا في سياقات مختلفة كالقضية الفلسطينية، والقضايا الدينية، وغيرها.

هناك أمر آخر يتعلق بطريقة فهمنا للدين بصفة عامة، وللإسلام على وجه الخصوص؛ ففهم وسائل الإعلام للإسلام يختلف من دولة لأخرى، أو من ثقافة لأخرى؛ فمثلا نظرة الصحفيين في أوروبا للإسلام نظرة سلبية انعكست عند كتابتهم عنه.

الأديان وإعلام الأزمات

* ماذا عن التعاطي الساذج والإفراط في التبسيط حيال التعامل مع الموضوعات الدينية؟ فقد ذكرت أن هذا التعاطي لا يتعلق بالقضايا الدينية فحسب، بل يمتد ليشمل السياسة والاقتصاد وغيرها، وبغض النظر عن هذه الحقيقة فإننا لا نستطيع أن نتجاهل حقيقة الطبيعة الشائكة لقضايا الدين، وأن أي تحريف أو تشويه سيؤدي حتما إلى نتائج وخيمة.

- مرة ثانية أؤكد أن هذا لا يتعلق بقضايا الدين فقط؛ فوسائل الإعلام الأوروبية عادة ما تتسبب في تحريف وتشويه العديد من الموضوعات نتيجة التعاطي الساذج والإفراط في التبسيط، هذا إضافة إلى تحامل الصحفيين؛ وهذا بلا شك له ما له من عواقب وخيمة، ونتائج سلبية.

ولعل الرسوم الكاريكاتيرية التي نشرت في الدنمارك تعطي مثالا جيدا في هذا السياق، وعلى المستوى الشخصي أعتقد أننا في دول تتمتع بحرية التعبير، وأنا ضد أي إجراء يمس هذه الحرية، ولكن في الوقت نفسه فإني -كرئيس تحرير- لا يمكن أن أسمح بنشر مثل هذه الرسومات؛ لأنها تخلق ضغائن، وتولد مشاعر سلبية.

كما أنني أتفهم أن للعالم الإسلامي أدبياته الخاصة؛ حيث يعتبر أن نشر مثل هذه الرسوم عمل خارج دائرة الحريات ويجرمه القانون.. إن الثقافات تختلف فيما بينها، وعلينا تقبل هذه الحقيقة.

* كيف يمكننا إذن أن نقف على أرضية مشتركة بين هاتين الرؤيتين؟

- لا أعتقد أن ثمة أرضية مشتركة بينهما، فقط إحساس الصحفي بالمسئولية، وإدراكه لحجم وأهمية العمل الذي يقوم به، ولنضرب مثلا بالهولوكوست؛ حيث يمكنك -إذا كنت بالولايات المتحدة الأمريكية- أن تنفي بملء فيك وجود هذه المحارق، أما في أوروبا فلا يمكنك ذلك؛ لأنه ضد القانون.

الحقيقة أنه لا توجد دولة تتمتع بحرية تعبير مطلقة، وعلى الصحفيين إذن أن يضعوا لأنفسهم قواعد العمل الخاصة بهم.

* أثناء مشاركتي في "منتدى أكسفورد" عام 2003، تحدث "روجر هاردي"، محلل الشرق الأوسط في BBC عن التهميش الذي يعانيه محررو الشئون الدينية في وسائل الإعلام الأوروبية التي تسودها وتحكمها الأيديولوجيات العلمانية، لكنه أضاف أن هذه الحقيقة قد تغيرت بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر.. فإلى أي مدى تتفق مع "هاردي"؟

- أعتقد أنه على حق.. لقد تم تهميش الدين على مدى الأعوام العشرين الماضية، أما الآن فقد عاد الدين من جديد ليسترد مكانته.. لكن هناك حقيقة لابد أن ننوه إليها؛ فالكثير من المسئولين عن الشئون الدينية في الإعلام الغربي يتمتعون بدراية واسعة عن المسيحية، بينما لا يعرف الإسلام منهم إلا النذر اليسير، وهذا لن يساعدنا لأننا في النهاية لن نستطيع تقديم صورة عميقة ودقيقة عن الإسلام.

* إذن أنت تقترح أن يكون الصحفيون أكثر تخصصا؟

- نعم، ولكن هذا النقص التخصصي لا يتعلق بالدين وحده، بل هو نقص تعاني منه كل المجالات، أضف إلى ذلك الأزمة المالية الراهنة التي دفعت حتى الجرائد الكبرى إلى تقليص عدد الصحفيين المنتسبين إليها؛ مما يعني أنه على القائمين بالعمل تغطية موضوعات متنوعة، وبالتالي تراجع التخصص؛ وهذه مشكلة هيكلية جديدة تعاني منها الصحافة الأوروبية على وجه التحديد، وبخاصة بعد التطور المذهل في شبكة الإنترنت.

* هل تعتقد أن "الإنترنت" يمكن أن تسهم إعلاميا في تقديم الدين على نحو أفضل؟

- نعم، أعتقد أن "الإنترنت" يمكن أن تلعب دورا إيجابيا في هذا الصدد؛ فهي منبر للمهمشين الذين لا يجدون سبيلا إلى وسائل الإعلام الأخرى، غير أنها تخلق إشكالا على مستوى المصداقية؛ فعبر فضاء الشبكة العنكبوتية الرحب تستطيع أن تكتب أي شيء، فيتلقاه الناس ويتداولونه دون تنقيح أو تدقيق.

لكن بصفة عامة فإن "الإنترنت" تمتلك العديد من الجوانب الإيجابية؛ فقد سمحت بتواصل أفضل بين الصحفيين، وجسر الهوة بين الشرق والغرب، كذلك أسدت النفع للعمل الصحفي بأن يسرت سبل الولوج إلى المعلومات المختلفة، والتواصل مع الناس.

* هل واجهتك تحديات حقيقية أثناء تعاطيك لموضوعات الدين والتدين؟

- أخبرك عن شيء.. في فرنسا -مثلا- لا تكمن المشكلة في الإسلام، وإنما في المسلمين؛ فإذا أردت الحديث عن الإسلام فأنت ترسم صورة مركبة لا يشكل الدين بمفهومه الإكليركي إلا خطا واحدا فيها، أما المسلمون فقد تجد أحدهم يخطئ في الاستشهاد بالنص القرآني فلا يردد إلا الدعوة القرآنية لقتل اليهود وغير المسلمين، وليس هذا هو الجزء الأصيل في القضية القرآنية.

الحقيقة أن أغلب التغطيات الإعلامية تولي وجهها شطر السياسة، والحركات المختلفة... إلى آخره، أما أنا فأعتقد أنا هناك ما هو أولى بالتغطية الإعلامية كالظواهر الاجتماعية، وقضايا الناس.

* ماذا عن قضايا الأقليات في أوروبا، وبخاصة في فرنسا.. هل يمكن أن تشكل هذه الأقليات جسرا يصل بين أوروبا والعالم الإسلامي، فيعبرون عن تصوراتهم الدينية بطريقة تتفهمها أوروبا؟

- نعم يستطيعون ذلك.. إن لدينا الآن جيلا ثانيا وثالثا يتحدثون الفرنسية بطلاقة، ويتمتعون بتعليم جيد، وهذه الأجيال تعرف كيف تستفيد من وسائل الإعلام، وهؤلاء يمثلون فقط الحلقة الأولى.. إن الأمر سينجح لأن هؤلاء أصبحوا جزءا لا يتجزأ من الواقع الأوروبي، ومن الحقيقة الأوروبية، ورافدا من روافد النسيج الاجتماعي، إنهم يدركون جيدا قواعد اللعبة، وسيحسنون استغلال ما لديهم من معرفة للتعبير عن وضعيتهم.

الدين والمجتمعات الحديثة

* هل تعتقد أننا يمكننا أن ندمغ مجتمعا ما بأنه علماني خالص أو ديني خالص؟

- لا، بل أراه توصيفا أحمق.. لا يمكن أن تعمم ذلك على أي مجتمع كائنا ما كان، حتى السعودية التي ترددت عليها كثيرا.. فلا يمكنك أن تزعم الهيمنة الإسلامية على شتى مناحي الحياة.. عندما تذهب إلى مصنع أو مزرعة في العالم الإسلامي ستجد الناس هناك يعتمدون نفس الطريقة التي يعتمدها أقرانهم في مصانع ومزارع الغرب.

إن الحضور الديني لا يتمثل إلا على المستوى الشخصي، لكنه غير حاضر في حياة الناس المهنية واليومية.. ستجد تباينا في الصلوات، وبعض التعاملات المالية، والزواج والطلاق... إلخ، ولكن تبقى هناك أمور كثيرة مشتركة بين الدول الأوروبية والإسلامية، كذلك يختلف الناس في رؤيتهم لدور الدين؛ فالناس في الولايات المتحدة الأمريكية -مثلا- يترددون على الكنيسة أكثر مما يفعل الأوروبيون.

* من خلال خبراتك بالتغطية الإعلامية للدين، كيف ترى الدور الذي يلعبه الدين في المجتمعات الحديثة؟ وهل يشكل هذا الدور جزءا من المشكلة أو جزءا من الحل؟

- تعلم الجدل الدائر عما إذا كان القرآن يدعو للعنف أم لا.. البعض يؤكد ذلك، وآخرون ينفونه.

أعتقد أن هناك حديثا نبويا يقول: «القرآن لا ينطق، ولا يستطيع الكلام غير الإنسان»[1].. هذا الحديث أحبه كثيرا؛ لأنك بالفعل تستطيع أن تقتطع جزءا من القرآن لتؤكد به على أن المسلمين يودون قتل اليهود جميعا، والعكس صحيح. فالذي يعنيني ليس الدين، ولكنك باسم الدين قد تكون جزءا من الحل، أو جزءا من المشكلة، إنها إذن مسئولية المسلمين وحدهم؛ فالإسلام شأنه شأن كل الديانات والأيديولوجيات الأخرى قد يوظف توظيفا خاطئا، والخلاف يقع حتى في الكاثوليكية، برغم وجود "البابا" الذي يتوحد تحت لوائه كل الكاثوليكيين، وأؤكد ثانية أن ما يعنيني هو أن الواجب على المسلمين أن يكونوا جزءا من الحل، وأن الواجب على مجتمعاتنا الغربية أن تأخذ بأيديهم ليكونوا كذلك.


[1] القول في الأساس منسوب إلى الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه، ونصه: «القرآن لا ينطق بلسان ولا بد له من ترجمان، وإنما ينطق عنه الرجال».