مدارك: بوابة الثقافة والفكر الإسلامي المعاصر "إصدار تجريبي"
أرسل لصديق ||

من معالم النظرية السياسية الإسلامية (3)

العدل وشرعية النظام السياسي

بقلم - د. رفيق حبيب / 01-11-2009

Image
د. رفيق حبيب
كل نظام سياسي يقوم على قيم أساسية تمثل أهدافه أو غاياته الأساسية، والتي يعمل على تحقيقها، والقيم الشائعة في الأنظمة السياسية تكاد تتشابه أو تتكرر، وكأنها تمثل قيما سياسية عامة، ولكن واقع كل نظام سياسي يكشف عن تميز كل نظام بمنظومة قيم خاصة به؛ فهناك اختلافات في مفهوم القيم نفسها، وفي قوة وإلزامية القيمة، كما أن هناك اختلافا في ترتيب أولويات القيم، واختلاف الأولويات ينتج العديد من التباينات بين النظم السياسية، لدرجة تجعل سلم أولويات القيم من أهم العوامل التي تميز النظم السياسية عن بعضها البعض.

وترتيب الأولويات له دور مهم؛ فلا يمكن أن يزعم أي نظام سياسي أنه يحقق كل القيم التي يقوم عليها في أكمل صورة لها، كما أن واقع الحياة المعقد يشمل العديد من المواقف والقضايا المتشابكة، والتي تجعل النظام السياسي بين خيارات ليس من بينها الخيار المثالي.

وعندما يختار النظام السياسي بين عدد من الخيارات فهو يختار ضمنا بين أولوياته الأساسية، كما يختار بين القيم المؤسسة له؛ فيختار القيمة الأهم أو الأعلى أولا، فإذا لم يستطع تحقيق كل القيم التي يزعم الدفاع عنها فهو يختار تحقيق القيمة الرئيسية، والتي يعد عدم تحقيقها ضربا لشرعية النظام السياسي وأساس وجوده.

من هنا تبرز أهمية التمييز بين النظم السياسية من حيث منظومة القيم السياسية التي يقوم عليها كل نظام، ومفهوم تلك القيم لديه، وترتيب أولويات القيم، وأيضا قوة إلزامية القيمة؛ وبهذا تظهر الفروق بين النظم السياسية، رغم التشابه في منطوق القيم التي تدعي الالتزام بها.

القيمة الأولى

 طالع أيضًا:

النظام والوكالة السياسية

إشكالية العلاقة بين الأمة والدولة
وأهم تمييز يحدد طبيعة النظام السياسي يتعلق بالقيمة الأولى في منظومة القيم السياسية، والتي يفترض أن النظام السياسي يعمل من أجل تحقيقها، والقيمة الأولى هي التي تولد شرعية النظام، وتمثل الغاية الأساسية له، كما تمثل جوهر توقعات المجتمع من النظام السياسي، وعليه تكون القيمة الأولى هي القيمة التي إن لم تتحقق يفقد النظام السياسي صفته، كما يفقد شرعيته.

ويمكن تصنيف النظم السياسية الرئيسية من خلال تحديد القيمة الأولى في كل نظام؛ فالنظام الليبرالي مثلا يقوم على قيمة الحرية، والنظام الاشتراكي أو الشيوعي يقوم على قيمة المساواة، أما النظام السياسي الإسلامي فيقوم على قيمة العدل.

وهذا يعني أن القيمة الأولى التي يفترض تحقيقها في النظام الليبرالي هي الحرية، فإذا قام نظام ليبرالي ولم يحقق الحرية فإنه يفقد شرعيته، كما أنه يعد نظاما غير ليبرالي، وهكذا الأمر بالنسبة للنظام الإسلامي فإنه يقوم لتحقيق قيمة العدل، وبدونها يفقد شرعيته وإسلاميته معا، والنظام الشيوعي أيضا يقوم لتحقيق قيمة المساواة، فإن لم يحققها يفقد شرعيته وشيوعيته؛ وهو ما حدث.

فنستطيع القول إن النظام الشيوعي انهار لأنه لم يحقق قيمة المساواة، ولأنه ثبت أنه عرف المساواة بصورة غير عملية، وأنها لم تمثل الغاية التي يصبو لها المجتمع، وبهذا لم تتحقق قيمة المساواة، فانهار النظام الشيوعي.

القيم واحدة ولكن..

من المهم معرفة الفروق بين القيمة الواحدة عندما توضع في سياق أكثر من منظومة قيم مختلفة؛ فالحرية مثلا في الفهم الليبرالي هي الحرية الفردية، أي حرية الفرد في أن يفعل ما شاء، ما دام لم يضر أحدا غيره، أما مفهوم الحرية في الرؤية الإسلامية فهي حرية الفرد من كل قوة يمكن أن تهيمن عليه وتستعبده؛ فهي حرية من العبودية بكل أشكالها المادية والمعنوية.

والحرية أيضا في الفهم الإسلامي هي حرية الفرد في مقاومة الظلم والعدوان، وهي حرية الجماعة في الدفاع عن هويتها وذاتها الحضارية، وهي أيضا حرية الجماعة والأمة في اختيار نظامها السياسي، واختيار مرجعيتها الحضارية.

والحرية الفردية في المنظومة الإسلامية تقع في نطاق مفهوم الخصوصية؛ حيث يجب حماية الخصوصية وصيانتها، وهي تمثل المجال الخاص للفرد.

أما الحرية الجماعية في المنظومة الغربية فهي تترجم في حق الشعب في اختيار حكامه، وعلى هذا فإن الحرية الفردية في المنظومة الإسلامية لا تسمح للفرد بالخروج على الجماعة، كما أن الحرية الجماعية في المنظومة الغربية لا تسمح للجماعة بالخروج على النظام السياسي وإسقاط شرعيته.

معنى هذا أن كلمة حرية لها معانٍ متعددة، ولها توظيف مختلف، وينتج عن تطبيقها نتائج مختلفة، ويضاف لهذا قوة إلزامية القيمة؛ فالعدل قيمة مطلقة في المنظومة الحضارية الإسلامية، وعليه يصبح النظام السياسي مكلفا بإقامة العدل بوصفه قيمة مطلقة؛ ولهذا يصبح أداء النظام السياسي هو محاولة لتحقيق العدل بصورة نسبية؛ لأنها محاولة بشرية، ولكن تلك المحاولة تهدف أساسا للاقتراب تدريجيا من المثال أو الكمال، فإذا توقف النظام السياسي عن عملية تعميق قيمة العدل وتحقيقه بأفضل صورة يكون قد جعل قيمة العدل قيمة نسبية، لذا يظل النظام السياسي تابعا لمنظومة القيم الإسلامية، يعمل من أجل تحقيق العدل بأفضل صورة باعتبار أن العدل قيمة مطلقة، أي التزام إلهي.

النسبية أنواع

من المهم التأكيد على الفرق بين كون القيم نفسها نسبية، وبين أن تطبيقها نسبي؛ فكل تطبيق بشري هو نسبي بالضرورة؛ فالبشر لا يبلغون الكمال ولكن يسعون نحوه دون أن يبلغوه بصورة نهائية، إذن كل فعل بشري هو نسبي.

ولكن القيمة المطلقة تختلف عن القيم النسبية؛ فالعدل قيمة مطلقة إلهية في المنظومة الإسلامية، وهو بهذا له معنى محدد غير قابل للتبديل أو التعديل، وله أيضا قواعد وشروط محددة، أي أن العدل يمثل نموذجا مطلقا محددا سلفا، ومطلوب من الإنسان السعي حتى يقترب من هذا النموذج، رغم أنه لن يبلغه بالكامل، ولكن القيم النسبية لها معنى نسبي، وهذا المعنى بشري، وهي قابلة للتغيير والتبديل.

والقيمة النسبية البشرية هي مجرد معيار يحدد الحد الأدنى الممكن، لهذا سنجد معظم القيم النسبية تتحول إلى إجراءات وضمانات، أي أنها معايير يلتزم بها النظام السياسي؛ مما يؤدي إلى تحقيق قدر معقول من القيمة.

إذا أخذنا قيمة العدل في المنظومة الإسلامية فهي تعني تحقيق العدل بين الناس جميعا في مختلف أوجه الحياة، وهي بهذا قيمة تهدف إلى تحقيق غاية، أي تحقيق العدل بالفعل بين الناس، ولكن في المقابل سنجد أن قيمة العدالة في المنظومة الغربية، وهي ليست القيمة الأولى في النظام السياسي الليبرالي، تأخذ معنى مختلفا؛ فهي تتحول إلى عدالة الفرص، وعدالة الإجراءات، وعدالة المعايير، وعدالة اللوائح، أي أن العدالة في المنظومة الغربية عدالة إجرائية.

وهذه العدالة الإجرائية تمثل العمليات الممكنة للحفاظ على العدل بين الناس، ولكن هذا العدل قد يتحقق وقد لا يتحقق، ولأن القيمة نسبية لذا يكفي أن يتبع النظام السياسي الإجراءات الكفيلة بتحقيق العدالة حتى إن لم تتحقق، كما يكفي أن يلزم القانون كل الأطراف بالإجراءات العادلة، حتى إن لم يتحقق العدل على أرض الواقع.

ولأن العدل قيمة نسبية، وله مفهوم بشري في المنظومة الغربية، لذا فإن تحقق العدل بصورة قريبة من الكمال غير وارد أصلا، ولا مطلوب، وغالبا ما يعتبر تفكيرا غير عملي وغير واقعي؛ فالكمال في الفهم البشري النسبي لا يوجد أصلا، ولكن الكمال في المفهوم الديني يوجد، وعلى الإنسان محاولة تحقيقه، وإن كان لن يبلغه بلوغا نهائيا.

لذا يمكنا القول إن العدالة الإجرائية تختلف عن هدف تحقيق العدل بوصفه قيمة مطلقة في المنظومة الإسلامية.. صحيح أن عدالة الإجراءات مطلوبة في كل الأنظمة، ولكنها قد تكون الهدف في بعض الأنظمة، وقد تكون وسيلة في أنظمة أخرى.

نقصد من هذا أن النظام الليبرالي يحاسب إذا اتخذ إجراء غير عادل، ولكنه لا يحاسب لأن العدل لم يتحقق على أرض الواقع، أما النظام الإسلامي فيحاسب إذا لم يتحقق العدل على أرض الواقع حتى إن كان كل ما اتخذه النظام من إجراءات تم بصورة عادلة.

العدل كقيمة مركزية

لهذا نتصور أهمية تعريف النظرية السياسية التي تستند على المرجعية الإسلامية، بأنها تمثل رؤية لإقامة العدل، من خلال نظام سياسي مكلف بإقامة العدل، بجانب تكليفاته الأخرى؛ مما يجعل الدولة وكل السلطات في النظام السياسي مكلفة بإقامة العدل كقيمة سياسية مركزيةـ، فإذا فشل النظام السياسي في تحقيق العدل، أو إذا أصبح نظاما ظالما فقد بهذا شرعية وجوده، وشرعية حكمه للأمة الإسلامية، أو لأي مجتمع من مجتمعاتها؛ فقيمة العدل هي غاية تكسب الشرعية للنظام السياسي، وتنزعها عنه.
 
ومن قيمة العدل يتضح لنا الفروق الكثيرة بين إقامة نظام سياسي إسلامي عن غيره من النظم؛ لأن تحقيق العدل يمثل تحديا أمام البشرية، وأمام التاريخ البشري كله، لذا تعد قيمة العدل بوصفها القيمة المركزية في المنظومة السياسية الإسلامية بمثابة الضابط الأكبر على أداء النظام السياسي، وعلى كل السلطات فيه.

وهي بهذا تفرض قاعدة لمحاسبة النظام السياسي، وإسقاط شرعيته؛ مما يستلزم تأسيس الإجراءات التي تسمح بمحاسبة الحاكم، وأيضا مراجعة ممثلي المجتمع أو الأمة، حتى يظل التزامهم بقيمة العدل مستمرا، وحتى يعزل من يخرج على تلك القيمة المركزية.


مفكر مصري.