مدارك: بوابة الثقافة والفكر الإسلامي المعاصر "إصدار تجريبي"
أرسل لصديق ||

تأملات شبكية .. في الإدمان الشبكي

 04-11-2000

    اسمح لي أيها القارئ الصديق بكلمة في بداية الحديث .. أن أؤكد الدعوة إلى استخدام الشبكة العالمية، وتوظيفها في مختلف الميادين المفيدة والممتعة، ويستبق هذا التأكيد ما قد يوحي به العنوان، ويشهد عليه استخدامي للشبكة في إرسال هذه الكلمات إليكم.. فكلانا يعلم أنّ شبكة العنكبوت اختزلت المسافة والزمن في تحصيل المعلومات، وتلك ميزة كبرى لا يختلف عليها عاقلان .. ولكن كلانا يعلم أيضا أنّها ميزة مرتبطة باستخدام الشبكة استخدامًا متوازنًا عقلانيًا.
بل وتساهم الشبكة في إنشاء علاقات جديدة مفيدة على المستويات الثقافية والفكرية والاجتماعية وفي تعزيزها، إنما بداية الدرب إلى تلك العلاقات هي استيعاب وسائل شبكية مبتكرة، كالبريد الإلكتروني والحوار الشبكي والمؤتمر الشبكي، وتوظيفها أداة بين أيدينا، لنستخدمها .. فلا نفلت لها العنان لتستخدمنا.
وكلانا يعلم أخيرًا أن أبواب الشبكة مفتوحة أمام العقلاء وسواهم، والفضلاء وغيرهم .. فتراكمت فيها أكوام من المفسدات والمغريات، حتى بات استخدام الشبكة محفوفًا بمخاطر يهوّل بعضنا من شأنها ويضخم أو يهوّن ويستصغر، إنّما يرتبط مفعولها على أرض الواقع بمقدار ما تستقر الغايات والضوابط أو تختل .. ولكن ماذا لو وقع الخلل واستشرى حتى بلغ تأثيره مرحلة الدوار والترنّح ؟.. إننا آنذاك أمام إدمان شبكي خطير الأعراض والنتائج كإدمان المسكرات والمخدرات المعروفة !..

في مختبر الدراسات


وكلمة " إدمان " كبيرة .. ثقيلة على السمع وعلى النفس، وقد يعتبرها بعضنا من قبيل المبالغة .. وسيمضي معه في هذا الزعم قوم من أصحاب المصلحة في التهوين من شأن المشكلة، وقد تكون مصلحتهم في الأصل مشروعة كشركات بيع الحاسوب وتوابعه وشركات الوصلات الشبكية، فمصلحتهم الأكبر أن يتحوّل المستهلك إلى مدمن، أو تكون دوافعهم من الأصل فاسدة مفسدة، ومرفوضة منكرة، كالذي يعرضونه عبر الشبكة، ولا يستهدفون من ورائه سوى جلب المال، على حساب القيم والأخلاق والسلوك والمجتمع، وهم ممن لا يؤخذ باعتراضاتهم !..
وندع هذا الحديث كيلا توحي المخاوف من تضييع الضوابط والمعايير بأنها تحذير من الشبكة نفسها ومن استخدامها، فليس ذلك مقصودًا .. إنما تفرض الإشارة نفسها في الحديث عن الإدمان الشبكي، لأنّ الانزلاق في استخدام الشبكة إلى غايات بعيدة عن الاستفادة المتوازنة والمتعة المشروعة، هو المدخل الأول إلى الإصابة بالإدمان .. موضوع هذه السطور، وهو من أسباب انتشاره حتى بات ظاهرة خطيرة !..
ولعل أول ما استخدم تعبير الإدمان الشبكي كان عام 1995 م في الولايات المتحدة الأمريكية التي سبقت سواها شبكيًا؛ فسبقت سواها في انتشار الإدمان الشبكي أيضًا، فجعلته صحيفة نيويورك تايمز موضوعًا في أحد أعدادها في ذلك العام، مستشهدة ببعض ما بدأ يطرحه علماء النفس والاجتماع على هذا الصعيد، ثم تتابع الاهتمام بالموضوع وتضاعف، وتوالت الدراسات والبحوث واحتدّ النقاش وسرى عبر المحيط الأطلسي إلى بلدان أخرى قطعت في انتشار الشبكة أشواطًا وشابهت في أوضاعها الاجتماعية الأوضاع الأمريكية.
الباحثون كُثُر .. ومن أشهرهم أستاذان جامعيان في بيتسبورج Pittsburg في الولايات المتحدة الأمريكية، إذ لم تقتصر جهودهما على عمليات استطلاع للرأي توصل إلى نتائج قريبة من الواقع ولكن ليست قاطعة، بل كانا حريصين على دراسات منهجية وبحوث طويلة الأمد، فاشتهرا في ميدان متابعة ظاهرة الإدمان الشبكي، وهما روبرت كراوت Robert Kraut ، أستاذ العلوم النفسانية الاجتماعية، وزميلته عالمة النفس كيمبرلي يونج Kimberley Young . ومن البحوث دراسة نشرتها مجلة The American Psychologist وتضمنت مراقبة استمرت عامين وشملت 169 شخصًا من 93 أسرة في المنطقة، وكان من نتائجها الرئيسية:
- استخدام الشبكة يؤدي إلى الانقباض النفساني والشعور بالوحدة.
- ليس الشعور بالوحدة والانقباض النفساني بالضرورة سبب الإغراق في استخدام الشبكة.
- لا ترتبط الإصابة بالإدمان بظروف فئة اجتماعية دون أخرى من الناس، بل يمكن أن تصيب عامتهم وخاصتهم دون تمييز، ومن ينتمي إلى فئات اجتماعية تعاني من اضطراب أوضاعها، أو من تعتبر أوضاعهم الاجتماعية مستقرة .. فتفقد استقرارها.
- الإدمان الشبكي يخفض نسبة ممارسة العلاقات الاجتماعية الأعمق والمباشرة مع الأقارب والأصدقاء، رغم التعويض الجزئي عن ذلك عبر صلات جديدة تحققها وسائل التواصل شبكيًا.
وينطلق القائمون على الدراسة بطبيعة الحال من المقاييس الأمريكية للاستقرار والاضطراب في الأوضاع الاجتماعية.. ولكن بهذه المقاييس أيضًا تناقضت هذه النتائج مع ما غلب الاعتقاد به من أن الشبكة مهرب من المتاعب النفسانية والاجتماعية، وكان ذلك أوّل التفسيرات للإغراق في استخدام الشبكة زمنيًا ومضمونًا أكثر مما ينبغي، وهو ما ردده المتخصصون في علوم النفس والاجتماع أيضًا، لكنه يبدو قولاً قريبًا في حصيلته مما يراه صاحب المصلحة المادية المحضة في " تبرئة " الشبكة من تهمة حمل المسؤولية عن الإصابة بتلك المتاعب، إلى درجة إعطائها موقع " الدواء " والعلاج   

اقرأ في نفس الزاوية: حتى لا تبقى الوظيفة شاغرة