صورة الجندي الإسرائيلي بعد 22 عامًا
حين قرأتُ في الصحف البريطانية المقالات التي تتحدث عن الانسحاب الإسرائيلي من لبنان، وهذه الصورة المنفرة المرسومة فيها عن الجيش المنسحب استهوتني فكرة أن أرجع إلى الوراء اثنين وعشرين عاما، وأرى الصورة التي كانت مرسومة عن تلك الدولة وجيشها، وأحاول أن أقارن تفاصيل الملامح في كلتا الصورتين.
اكتشاف القارة الفلسطينية
وأول ما أدركته أنه قبل اثنين وعشرين عامًا لم يكن للجانب العربي أي وجود في الصحافة البريطانية التي اكتفت بنشر التفاصيل من الجانب الإسرائيلي فقط، حتى إن الأمر يبدو للقارئ وكأن إسرائيل تقتحم أرضًا بدائية أهلها يتحدثون لغة لا يفهمها هؤلاء الصحافيون.
قبل 22 عاما كان الغزو الإسرائيلي للبنان عملية اضطرت إليها الدولة العبرية المسالمة المحاطة ببحر من الإرهابيين العرب يريدون أن يمحوها من على الوجود، وهم يهددون حياة سكانها المسالمين. وكانت إسرائيل وجيشها الإعلامي من خلفها تحب أن تبرز جنودها بصورة الشباب الصغير الذي اختار أن يهب حياته من أجل دولة إسرائيل وحلم العودة إلى أرض الميعاد؛ فالإسرائيلي تبعا للدعاية الصهيونية رجل مثالي يبني دولة فتية، وهو لذلك ممسك إما بالمحراث أو بالمدفع يعمر ويقاتل ويلهو ويمرح ويجاهد.
وسوف تطالعنا هذه الصورة عن الجندي الإسرائيلي الذي يتقدم لغزو لبنان، في جريدة "الصنداي تليجراف" 19/3/1978. والغريب أن "بيتر تايلور" مراسل الجريدة ينقلها عن مراسل جريدة "جيروزاليم بوست" الإسرائيلية: "أحد الأشياء التي أدهشتني كانت الحرفية الهادئة التي يتمتع بها أبناء الثامنة عشرة والتاسعة عشرة الذين كنت معهم، نضوجهم كان مذهلا، في موقف يختبر الإنسان بعمق، عندما اصطدمنا بحقل الألغام تأكدوا بهدوء من عدم وجود ضحايا أو حريق، وأن كل المعدات نقلت إلى المركبة الأخرى بحيث لا نخلف وراءنا شيئا يساعد العدو". والصورة تكتمل بتلك الروح العالية والتصميم الذي يتمتع به هؤلاء الجنود: "القوات انتظرت ثلاثة أيام في الوحل والبرد القارس؛ لكي تنتقم لمذبحة السبت (التي وقعت) على الساحل الإسرائيلي، الأمر بالتحرك صدر للقوات عند غسق يوم الخميس، وكانوا متحرقين للتحرك".
لكن بعد اثنين وعشرين عامًا، اكتشف هؤلاء الجنود أن الأمر لم يكن نزهة، وأن الحلم الصهيوني في أذهانهم وحدهم، وأنه مهما كان الحلم كبيرًا، فهو في النهاية حلم حري بأن يتكسر أمام حقيقة وجود شعب على أرضه وتمسكه بها، يكتب "سام كيللي" مراسل جريدة "التايمز" -23/5/2000- "اضطرت إسرائيل إلى انسحاب مشين من لبنان؛ لأن جيل الإنترنت هناك لم يعد لديه الرغبة في القتال" ثم يشرح وجهة نظره قائلا: "بعد 52 عاما، الحلم الصهيوني الذي قاد أجدادهم إلى "الأرض الموعودة" تلاشى، شباب اليوم يريدون أن يستمتعوا ويمارسوا الجنس ويجمعوا الأموال، ولا يريدون أن يقضوا السنين الثلاث الأولى من شبابهم جالسين في قلاع داخل لبنان ينتظرون أن يهاجمهم حزب الله".
وفي صحيفة الإندبندنت -25/5/2000- يكتب مراسلها "فيل ريفز" واصفا حال الجنود الإسرائيليين: "وكانوا – بصدق- يشعرون براحة عميقة؛ لأنهم خرجوا من الفوضى اللبنانية، على الأقل الآن، لكن الشعور بالفشل كان أيضا محسوسا".
وقبل اثنين وعشرين عاما كانت التصريحات المتعلقة بالحرب كلها مأخوذة من أفواه قادة إسرائيل مرة ثانية وكأن الجيش الإسرائيلي ذاهب في نزهة إلى بلاد هجرها أهلها ولا يسكنها إلا الإرهابيون. فمراسل "الدايلي تليجراف" يكتب بتاريخ 16/3/1978: "خلال الاثنتي عشرة ساعة الأولى من القتال بعد أن بدأت إسرائيل هجومها العنيف على الجنوب اللبناني والمعسكرات الإرهابية الفلسطينية، وصل عدد الضحايا إلى 633". هكذا وكأنه معلوم بالضرورة أن هؤلاء الضحايا هم من الجانب الآخر – غير المأسوف عليه -، ثم تنقل عن رئيس العمليات الإسرائيلي "إسحاق جور" قوله: "لا شيء يمكن وصفه بقتال حقيقي الآن، يوجد بعض قذائف الكاتيوشا، لكن لا يوجد قتال بين قواتنا والإرهابيين".
وتنقل الدايلي تليجراف بتاريخ 15/3/1978 إجابة مسؤول في الخارجية الإسرائيلية عن سؤال حول مدى استجابة الحكومة الإسرائيلية للنداء الذي وجهه الرئيس "السادات" "لمناحم بيجين" يطالبه بضبط النفس عقب الهجوم الذي نفذّه أعضاء في منظمة التحرير الفلسطينية ضد مواطنين إسرائيليين؛ حيث قال: "الأمر لا يعدو أن مجموعة من العرب تطالبنا بألا نرد على مجموعة أخرى من العرب قتلوا رجالنا ونساءنا وأطفالنا. لديهم بعض الوقاحة ليطلبوا ذلك".
وبحثت في الجرائد البريطانية التي استطعت الحصول عليها عن تصريح واحد من الجانب اللبناني، فلم أجد إلا مناشدة من الرئيس اللبناني "إلياس سركيس" لجامعة الدول العربية باتخاذ موقف ضد الغزو.
وبينما كان عنوان الصنداي تليجراف المشار إليها هو: "نصف الحرب الإسرائيلية"، وهو عنوان استلهمه كاتب التقرير من وصف جندي إسرائيلي في التاسعة عشرة من عمره للعملية، فإن عنوان الإندبندنت بعد 22 عاما –25/5/2000- "مع فرقعة القفل في الفجر، إسرائيل انهزمت في النهاية".
أما في التايمز –23/5/2000- فيفتتح سام كيللي تقريره قائلا: "مقاتلو حزب الله والمدنيون الذين يساندونهم أنزلوا بإسرائيل أقسى هزيمة في مواجهة حربية، منذ حرب يوم كيبور". أما نيكولاس بلانفورد فيفتتح تقريره قائلا: "بعد اثنين وعشرين عاما، الكابوس الإسرائيلي الأسوأ صار حقيقة". وفي التايمز –24/5/2000- "الجنود الإسرائيليون الصغار قبلوا الأرض وشكروا الله من أجل عودتهم من المستنقع اللبناني". كما ينقل عن صحيفة معاريف الإسرائيلية قولها: "الشعور بالمهانة يتخلل الهواء".
المحاربون النبلاء
أصرت إسرائيل طوال تاريخها على تقديم نفسها ومقاتليها بصورة المحاربين النبلاء الذين يلتزمون بأخلاق الحرب، وفي البيان الذي أصدرته قوات الدفاع الإسرائيلية عقب الغزو، ونشرته الدايلي تليجراف –15/3/1978- تؤكد إسرائيل أنها لن تستهدف المدنيين اللبنانيين: "قوات الدفاع الإسرائيلية لا تنوي مهاجمة المدنيين أو الجيش اللبناني أو القوات العربية، لكنها ستهاجم الإرهابيين، ومن يعاونهم من أجل ضمان الحياة والأمن لسكان إسرائيل، الهدف من العملية ليس القصاص من جرائم الإرهابيين؛ لأنه لا قصاص لمقتل المواطنين الأبرياء – رجالا ونساء وأطفالا – لكن (الهدف) هو الدفاع عن الدولة، ومنع هجمات أعضاء فتح ومنظمة التحرير الفلسطينية الذين يستخدمون الأراضي اللبنانية لمهاجمة مواطني إسرائيل".
وفي الصنداي تليجراف –19/3/1978- يفرد بيتر تايلور الجزء الأكبر من تقريره للحديث عن بشاعة الإرهابيين الفلسطينيين الذين قاموا بعملية ضد مدنيين إسرائيليين، والتي حدثت قبل أسبوع من الغزو! وحين يصل إلى وصف دخول الجيش الإسرائيلي إلى لبنان يقول: "حالة الجيش الجيدة كانت ضرورية؛ بسبب الإصرار الإسرائيلي على أن العملية يجب أن تظل في الحد الأدنى من احتمالات إصابة المدنيين".
لكن تلك الصورة الأخلاقية المثالية هي أكثر ما خسرته إسرائيل بعد الذي فعلته في لبنان طوال اثنين وعشرين عاما، كان العنوان الرئيسي في جريدة التايمز –24/5/2000- هو "الموت في كرة من اللهب يعيد كبرياء إسرائيل الجريح". وهو عنوان يسخر كاتبه من إقدام القوات الإسرائيلية على تفجير السيارة التي يستقلها "عبيد طبوش" السائق الذي رافق فريق "بي بي سي" إلى المناطق المحررة، ويقول سام كيللي مراسل الجريدة: "لقد كانت السيارة الثانية التي أرى الإسرائيليين يدمرونها في عشر دقائق أمس. كرامتهم جرحت جراء مسلك قواتهم وحلفائهم في جيش لبنان الجنوبي الذين كانوا يفرون عائدين إلى إسرائيل، وجراء أعلام حزب الله المتحدية التي رفرفت فوق القرى الحدودية التي هربوا منها.. لقد كان وقت دفع الثمن".
ويذكر كيللي بأن طبوش كان أول من ذهب إلى موقع مجزرة قانا عام 1996، حين قتل الإسرائيليون 130 شخصا واقفين في صف للحصول على الخبز أمام مخبز للأمم المتحدة، وفي الشهر نفسه حمل أحد عشر قتيلا من أسرة واحدة إلى خارج القبو؛ حيث قتلهم تفجير إسرائيلي.
ويصف المراسل رواية "جيرمي باون" مراسل بي بي سي عن مقتل طبوش بأنها تعادل أن "طبوش" أعدم، ويقتبس جزءا من رواية باون: "خرجت من السيارة مع المصور ولوحت بيدي ليعرف الإسرائيليون أننا لسنا مسلحين (...) عندئذ حطّم انفجار عنيف سيارة السيد طبوش ممزقا إياها، واستخدم الإسرائيليون الرشاشات الآلية في الدبابات، محاولين قتل من تبقى من فريق الـ "بي بي سي". ثم يضيف كيللي أن فريق الصليب الأحمر الذي حاول استعادة جثمان السيد طبوش تعرض أيضا لإطلاق النار.
سجن الخيام
لكن الكشف عما كان يحدث في سجن الخيام احتل مساحة في معظم الصحف البريطانية ليكشف عن وجه قبيح لإسرائيل، التي تقول دائما: إنها واحة للديمقراطية وحقوق الإنسان، فإسرائيل التي قامت بالغزو منذ اثنين وعشرين عامًا بدعوى محاربة الإرهاب هي نفسها التي تقوم بأعمال لا إنسانية ضد سجناء عُزّل، وفي الجريدة نفسها يكتب نيكولاس بلانفورد تحت عنوان: "القرويون اللبنانيون اقتحموا سجن التعذيب": "عشرات من القرويين اللبنانيين اقتحموا أمس سجن الخيام الكريه في اقتحام عصري لسجن "الباستيل"، وحرروا مائة سجين من مركز التعذيب الإسرائيلي الأسوأ سمعة".
وفي صحيفة الإندبندنت –25/5/2000- تفرد الصحيفة نصف صفحة كاملة لتقرير عن سجن الخيام، كتبه مراسلها في لبنان "روبرت فيسك" تحت عنوان: "داخل وكر التعذيب، سقطت القيود". ويقول "فيسك": إنه قرأ على الأغلال الموجودة في السجن أنها صناعة أمريكية لشركة في "سبرينج فيلد"، ويعلق قائلا: "تساءلت في هذا السجن الإسرائيلي المشين، إذا كان مديرو المصنع في سبرينج فيلد يعرفون ماذا يفعلون حين يبيعون هذه الأغلال". ويحكي أنها "استخدمت طوال تلك الأعوام لتقييد أيادي السجناء قبل التحقيق. وأن السجناء كانوا يرتدونها ليلا ونهارا وهم يُضربون، يُضربون بعنف لدرجة أنه في حالة "سليمان رمضان" اضطروا لبتر ذراعه". كما يحكي عن سجين آخر لم يعد قادرا على استعمال رجله.
ويتساءل “فيسك” في تقريره، ما الذي يجعل رجالا يفعلون أشياء كهذه مع "عشرات كانت جريمتهم هي البراءة؟. إنهم رفضوا التعاون مع الإسرائيليين وجيش لبنان الجنوبي، ورفضوا أن يلتحقوا بميليشيا صغيرة من القتلة، ورفضوا أن يعطوا الجيش الإسرائيلي معلومات عن الجيش اللبناني". ثم يصف الكابل الذي استخدم في ضرب السجناء حتى النساء منهم، ويعلق بالقول: "المعذبون كانوا ساديين، رجالا أغبياء (…) إسرائيل اعترفت بأنها علّمت هؤلاء الرجال كيف يؤدون عملهم".
ويمضي “مراسل الإندبندنت” في سرد مشاهداته ومنها أسماء لنساء احتجزن هناك ودونَّ رسائل على الحائط، "زينة قطيش، ولدت 3/9/97، سجنت 7/5/99، أفرج عنها 3/1/2000". وكذلك أسماء "رنا عواضة"، و"أسمهان علي خليل" التي كان عمرها 19 عاما حين اقتيدت إلى هذا المكان الفظيع، والتي كتبت على الحائط: "كم نقطة دماء سالت على أرضنا ولم تظهر؟"، وتحتها: "تذكروني". أما السجين أبو أهلان فكتب على الحائط: "لبنان لنا ولبنينا من بعدنا".
ويختم “فيسك” تقريره بكلمة لمرافقه "عبد الله عطية" الذي كان سجينا في الخيام: "هذا المكان يجب أن يحفظ إلى الأبد كشاهد على تاريخنا".





















