"كان".. يد إلهية ومخرج أعمى!!
ماركيز حاول أن يضع ملامح ثلاثة أشخاص يواجهون أقدارهم، ولا يملكون حيالها إلا قلوبًا تنبض، وأحلامًا ما زال طيفها يلوح، وإرادة تملك الإصرار ولا تملك الفرار.
مثل أبطال رواية ماركيز، مرت خمسون عامًا وخمسة على مهرجان "كان"، ومثلها مرت خمسون عامًا وأربعة على نكبة فلسطين، ومثلها جميعًا تتلبسنا نفس الحالة من نبض القلب وطيف الحلم وصلابة الإرادة، ونحن نتابع فعاليات الدورة 55 لكان هذا العام، دورة تاريخية... ولا أزيد.
افتتاح وختام مهرجان "كان" قدّم صورة بانورامية لما آل إليه العالم بعد أكثر من نصف قرن من الحرب.. والكوليرا.. والإيدز وأمريكا.. وإسرائيل، وكان الختام "يهوديًا" بحصول فيلم "عازف البيانو" على السعفة الذهبية، وهو من إخراج البولندي "رومان بولنسكي"، ويقدم قصة عازف بيانو يهودي يهرب من محارق النازي...
(الحلم - الإنسان - الحرب) ثلاثية المهرجان قدمها في زمن العولمة، على غير الطريقة الأمريكية.
وحتى تؤكد لجنة التحكيم هذا المعنى منحت عن استحقاق جائزتها الكبرى للفيلم الفلسطيني "يد إلهية" للمخرج "إيليا سليمان"، وزاد الاتحاد الدولي للصحافة السينمائية بمنح جائزة "النقد الدولي" لنفس الفيلم؛ ليتقاسم الفلسطينيون واليهود جوائز "كان"، ويقدم المهرجان بذلك إشارة رمزية للحل السياسي للقضية الفلسطينية التي يتعامل المهرجان معها بجدية ربما تفوق كثيرا من الساسة، ولم يفُت "بولونسكي" أن يؤكد أن فيلمه ليس مناصرة للصهيونية –وليست هذه مواقفه على أية حال- لكنها تجربة شخصية عايشها وأراد أن يقدم ملمحا إنسانيا من خلالها على طريقة ماركيز.
بدوره أصر سليمان على أن يوضح موقفه -وهذا حقه- الرافض لإقامة دولة فلسطينية والرافض أيضًا لإسرائيل؛ فالدولة عند سليمان تعني "الفساد والسلطة"، وقال إيليا –يذكرنا بالزعيم الليبي القذافي-: "أؤيد قيام دولة لا تكون إسرائيلية ولا فلسطينية".
ويؤكد المخرج الفلسطيني المولد في الناصرة عام 1960 -حيث ولد المسيح- على مفهومه الرافض لاستعلاء السلطة واستغلالها، ويرسم أملا للنصر الفلسطيني، ولكن بأسلوبه الساخر -في فيلمه- فبالون كبير أحمر عليه صورة كبيرة للرئيس الفلسطيني ياسر عرفات كان كافيًا لإثارة الرعب والارتباك عند الجنود الإسرائيليين المرابطين لمنع كل ما هو فلسطيني... يفاجئهم البالون في السماء، وكانوا يتوقعون فدائيين على الأرض.. ليس عندهم أمر بإطلاق النار على "الهواء"، يسير البالون عاليًا حتى يهبط في قلب القدس، وعلى قبة الصخرة يستقر.. ليفهم كل من أراد.
ضد أمريكا
المهرجان هذا العام -سواء بقصد أو عن غير قصد- كان تظاهرة ضد أمريكا، وكان تتويج هذا "الضد" أولاً: بعرضه لفيلم تسجيلي طويل لأول مرة منذ 46 عامًا هو "بولينج لأجل كولومبيين"، وثانيًا: بحصول هذا الفيلم الذي أخرجه "مايكل مور" على جائزة الدورة 55 للمهرجان، وهو يدور حول أحداث المذبحة التي وقعت عام 1999 في "كولومبين هاي سكول" بولاية أوهايو الأمريكية عندما حدثت مجزرة عنف غير مبرر راح ضحيتها عدة تلاميذ. الفيلم ينطلق من هنا ليشرح جذور العنف في المجتمع الأمريكي، ويصل لحد اتهام المجتمع بأنه مفرخة للإرهاب والعنف والقتل في العالم، ومن أفلام هوليود التي تشجع على العنف والاستخفاف بقيمة الإنسان، ومرورا بنشرات الأخبار التي تجعل العنف الأمريكي مادة يومية، وصولاً إلى حفلات الرقص والموسيقى الصاخبة، والبدع المتطرفة في الملابس، وإلغاء الآخر ثقافيًا، ويصل الفيلم لنقطة الحساسية والعنف الأكبر "أحداث نيويورك وواشنطن وتفجير مركز التجارة"، ويعتبر أن هذا إفراز طبيعي لمجتمع يغذي العنف الداخلي، ويصدره للعالم؛ لأن هناك منتفعين.
قدرات بصرية للعميان!!
اكتمل المشهد المهرجاني بالتظاهرات التي جابت شوارع فرنسا بما فيها "كان" ضد الرئيس الأمريكي "بوش"، وضد سياسته العدوانية، وضد العولمة الأمريكية، ولكن سبق التظاهرات الافتتاح غير العادي للمهرجان هذا العام بفيلم المخرج والممثل اليهودي النيويوركي دائم الانتقاد للسياسة الأمريكية وتوحشها "وودي آلن"، ولم يكتف "آلن" بتاريخه وأفلامه التي يسخر فيها دائما من الثقافة الأمريكية الهشة ومن الادعاءات والخرافات اليهودية، بل واصل سخريته السوداء من هوليود بفيلمه الذي افتتح به المهرجان "نهاية هوليودية"، ويقوم فيه بدور مخرج انحسرت عنه الأضواء، إلا أن زوجته السابقة ما زالت تحفظ له الود، وتسانده في ساعة العسرة؛ فتتفق مع منتج هوليودي على أن يسند إليه إخراج فيلم يعيده للساحة، وقبل أن يبدأ تصوير الفيلم يفقد البصر، وتبدأ سخرية "وودي آلن" من هوليود وصناعتها وسطحية القائمين عليها؛ حيث يقرر إخراج الفيلم وهو أعمى، دون أن يعرف أحد بهذا غير مساعده، وينجح الفيلم ويشيد النقاد بالقدرات "البصرية" للمخرج وحسن اختيار زوايا الكاميرا!!
سخرية "وودي آلن" تشير في لسان الحال للعمى الأمريكي عن كل شيء، لكن لسان مقاله كان حاضرًا، عندما أعلن قبل الافتتاح أنه يرفض دعوة "المجلس اليهودي الأمريكي" التي أطلقها لمقاطعة مهرجان كان بزعم أن الفرنسيين -أيضًا!!- معادون للسامية.
"شارون ستون" الممثلة الأمريكية عضوة لجنة التحكيم هي الأخرى شاركت آلن رفضه دعوة المقاطعة، رغم أنها متزوجة من مليونير يهودي، وقالت: إنها دعوة لا معنى لها. ستون أيضًا منحت صوتها للفيلم الفلسطيني "يد إلهية" رغم وجود فيلم إسرائيلي في المسابقة الرسمية للمخرج "عاموس جيتاي".
زمن الحرب.. هنا "كان"
أحد النقاد علق على شاشة "كان" هذا العام بأنها مثل شاشة "سي إن إن"؛ فالصراع العربي الإسرائيلي، والهيمنة الأمريكية، والعنف، ومزاعم المحارق اليهودية، والحرب اللبنانية، وحتى مشكلات الأرمن مع الأتراك وتبادل الاتهامات بينهما، فضلا عن العولمة، والهجرة والاغتراب، والأزمات الداخلية، والأزمة الجزائرية، والمهمشون، والفقراء في بريطانيا.. كلها كانت حاضرة في أفلام المهرجان، تصوروا!!
لم يكن هذا كافيًا لرسم ملامح "تاريخية" دورة كان رقم 55، ولا ملحمية المشاعر والأحلام والعزيمة عندما تتصادم في زمن الأزمات والملمات على طريقة "جارسيا ماركيز"، الذي اشتبك مباشرة مع الأحداث هو الآخر، ولم يكتفِ بساحة الفن والأدب، فأصدر بيانًا يدين فيه العدوان الإسرائيلي على الحق الفلسطيني، وكتب مقالا بعد ذلك يفضح فيه التآمر الأمريكي على استقلال الدول وتدبير انقلاب في فنزويلا ضد الرئيس المنتخب "هوجو شافيز".
المهرجان أيضًا اشتبك مع الأحداث مباشرة، ولم يكتف بالأفلام المتنوعة، بل قدم فيلمًا تذكاريًا حول أحداث 11-9 شارك في إخراجه 13 مخرجًا، منهم المصري "يوسف شاهين"، ليقدم كل منهم بضع دقائق تعكس رؤيته للحدث الجلل.
وزاد على ذلك بتقديم قسم خاص في فعالياته لإعادة عرض الأفلام التي لم تعرض عام 1939 بسبب نشوب الحرب العالمية الثانية، ولم ينعقد المهرجان سنتها، لكنه هذا العام يؤكد أن الأفلام تمثل ذاكرة الشعوب التي ترفض الحروب. ومن بين الأفلام التي أعيد عرضها في هذا القسم "ساحر إوز" أشهر أفلام الأسرة وأجملها عبر الزمان.
ومما أعطى المهرجان هذا العام مذاقًا خاصًا أنه اختار لرئاسة لجنة التحكيم "ديفيد لينش" أحد أهم مخرجي "اليسار" الأمريكي للأفلام التسجيلية والروائية القصيرة. نيويوركي آخر يعارض هوليود ويزامل "وودي آلن" في المدينة وفي نقد هوليود هو "مارتن سكورسيزي".
العالم إذن على ساحة المهرجان كان يحاول رسم صور ذهنية تؤثر على كثير من الحقائق، ويثبت "كان" أن عدالة أي قضية لا تكفي دون صورة ترسمها، وأن الصور الزائفة أحيانًا أقوى تأثيرًا من آلاف الحقائق، كذلك يفعل المخرج الأعمى، بينما العرب يدعون الله أن تكون يد إلهية وراء محاولاتهم.. لعلها تنجح ولعله يرضى!!.



















