مدارك: بوابة الثقافة والفكر الإسلامي المعاصر "إصدار تجريبي"
أرسل لصديق ||

بيانات المثقفين.. بين حملة المباخر ودعاة التغيير

المثقفون الأمريكان في وجه حملة المباخر

داليا يوسف / 30-06-2002

Image
في الوقت الذي عدّ فيه عدد من المثقفين الأمريكيين أنفسهم كجزء لا يتجزأ من الحرب الدائرة الغامضة الآن ضد ما أسموه بـ"الإرهاب" وذلك عبر بيانهم "على أي أساس نقاتل؟" ظهر –ردا عليهم- بيان وقّعه 128 مثقفا أمريكيا أيضا في رسالة نقدية للبيان الأول؛ في محاولة لكشف المغالطات والادعاءات في البيان الأول، واصفا موقّعي الأول بأنهم صحاب الدور الأشبه -في ثقافتنا- بحَمَلَة المباخر للحكام.

وقد بدأ البيان النقدي حديثه بالإشارة إلى تلك الحرب المفتوحة وهذا الهوس الداعي لحرب بلا ملامح، موضحا ما تشعر به دول العالم من إحساس بالعجز أمام كمّ من الدمار المادي بل والمعنوي الذي تقف وراءه دولة واحدة فقط هي "الولايات المتحدة الأمريكية".

وقد لفت النظر -ربما لما في البيان الأصلي من نبرة التبرير الأخلاقي- أن هذه الدولة في حركتها تؤكد أنها تمتلك سلطة أخلاقية مطلقة وغير قابلة للتغير مثل قوتها العسكرية. وقد وضع البيان المسئولية على عاتق المواطنين لمواجهة هذا التوجه المجنون للحرب، ومن جهة أخرى وجه دعوة محددة لنظرائهم من الأوروبيين (حلفاء الولايات المتحدة في الناتو!) لعقد تحالف المثقفين المعارضين لما يقوم به العسكريون، وهم في ذلك يشيرون إلى إدراكهم اعتراض العديدين على ما يتم، غير أن مخاوفهم المسيطرة من إلصاق تهمة عداء أمريكا تحول دون إعلانهم حقيقة مواقفهم.

لماذا؟.. إعجابا أو حسدا

وفي بداية للاشتباك المباشر مع البيان الأول تم وصف موقعي البيان بأن دورهم يماثل الوظيفة الأقدم للشعراء والأدباء وهي الاحتفاء بالأقوى. وأمريكا في ذلك تجذب العديدين للقيام بهذا الدور. وهي محاولة لوصف الدور الذي يلعبه موقعو بيان "على أي أساس نقاتل؟" وأشباههم، الأمر نفسه الذي تعرض له الأستاذ السيد ياسين في سلسلة من المقالات التحليلية للبيان وردود الأفعال حوله –نشرت في جريدة الأهرام المصرية – واصفا دور الموقعين عليه "بالكَتَبة" الذين يتبنون موقف السلطة متخلين عن الدور الحقيقي للمثقف "الكاتب" وهو القيام بالدور النقدي وإدارة المناقشات حول استفهامات حقيقية داخل مجتمعه.

"الاحتفاء الذاتي.. أحد تشوهات الثقافة الأمريكية" هذا ما أشار إليه موقعو البيان، وهو الخصيصة التي عملت أحداث الحادي عشر من سبتمبر على إذكائها حتى وصلت مداها؛ ما قوّى التصور لدى الأمريكيين عن موقف الآخرين في العالم أجمع بأنه موقف ثابت لا يتغير يتراوح بين إعجاب بالأمريكيين أو حسدهم.

وفي ضوء ذلك فإن سؤال "لماذا حدث ذلك؟!" كانت إجابته: لأننا رائعون، ولما نمتلكه من قيم. وهي الإجابة التي تبناها بيان "على أي أساس نقاتل؟".

وأمام ذلك أنكر البيان أن تكون السياسات الأمريكية الخارجية هي المسبب الأساسي لكراهية أمريكا، وهو ما عارضه موقعو البيان النقدي، مؤكدين أنه لا علاقة لضحايا استخدام القوة الأمريكية بالقيم داخل المجتمع الأمريكي، حيث لا تسمح التدخلات الأمريكية بهذا الترف للأطراف الأضعف في معادلة العلاقات.

كان كثيرون من منتقدي بيان "على أي أساس نقاتل؟" قد أشاروا إلى أنه اتسم بالضبابية وعدم الوضوح ولم يذكر أمثلة دالة عبر التاريخ السياسي للعالم –كما أكد الدكتور أنور عبد الملك في مقالاته تعليقا على البيان- فحتى في الجانب الذي اعترف فيه موقعو البيان بتبني الولايات المتحدة أحيانا لسياسات غير عادلة لم يذكروا أمثلة واضحة، بل قفزوا إلى الحديث عن منظومة القيم الأمريكية التي تمثل الحرية والديمقراطية والتي تتهدد الآن بما يحتم الدفاع عنها رغم بعض سقطاتها.

على الجانب الآخر كان البيان النقدي للمثقفين الأمريكيين الأقدر على تنزيل هذه النصوص والادعاءات على الواقع السياسي والتاريخ القريب للولايات المتحدة، عارضا التدخل الأمريكي لفرض الديكتاتوريات في أمريكا اللاتينية، الحرب الفيتنامية، القواعد العسكرية في الدول المختلفة، محاولة فرض أنظمة اقتصادية وعسكرية… في محاولة لمراجعة المواقف الأمريكية ووضع تصور يصلح للنقد الذاتي.

للأقوى: ميزة لا حق

وفي رد على ما وصف في بيان "على أي أساس نقاتل؟" بالحق في الدفاع عن النفس تساءل موقعو البيان النقدي: هل مثل هذا الحق مكفول لدول مثل: فيتنام، كمبوديا، ليبيا، السودان…؟ فحينما يصبح الحق مكفولا للأقوى فقط لا يظل حقا وإنما يتحول إلى ميزة على حساب الضعفاء، وهو ما لا يخدم القيم الكونية التي تحدث بيان "على أي أساس نقاتل؟" عنها، وإنما يقوض مفهوم النظام العالمي المبني على القيم والمعايير الشرعية القائمة على المساواة.

أما ما يتم الدفاع عنه الآن فليس القيم بل المصالح والقوى الأمريكية المتعولمة كما تشير وثائق البنتاجون -التي يؤكد موقعو البيان النقدي– أنها كانت تحمل خططا جاهزة متعلقة بأفغانستان ووسط آسيا.

لقد شدد موقعو البيان على صعوبة الموقف الذي يمر به المدافعون عن قيم الحرية والعدالة أمام جوقة المؤيدين للنظام الأمريكي في حملته، وخاصة أن أصواتهم تعلو في وسائل الإعلام بينما تتعرض مبادئ المعارضين لاختبار حقيقي وسط رغبتهم في خلق وسائل للحوار وفرص اقتصادية متوازنة في عالم أكثر احتراما لإنسانية تدافع عن بقائها في وجه قوة وحيدة لا يتم مراجعتها، وهو ما لن يحدث إلا بتضامن مع جميع الضحايا والمتضررين دفاعا عن القيم التي ندّعي التعلق بها.

الألمان يستجيبون

في تجاوب مباشر لدعوة المثقفين الأمريكيين أصحاب البيان النقدي قدم عدد من المثقفين الألمان بيانا نُشر على موقع American Values أيضاً، بينما وجه البيان خطابه المباشر إلى موقّعي البيان الأول "على أي أساس نقاتل؟" مؤكدا تأثر الجميع بأحداث الحادي عشر من سبتمبر سواء في أوروبا أو العالم الإسلامي، ليدعو أصحابه إلى ضرورة إقامة حوار عابر للقارات حول أسباب ما حدث ونتائجه، منكرين وجود أي مبررات أخلاقية تسوغ ما حدث في الحادي عشر من سبتمبر.

وقد أكدوا على مشاركتهم القيم الأخلاقية التي تحدثوا عنها من احترام لكرامة الإنسان وحقوقه، ومن تبني لقيم العدالة والديمقراطية.

وفي مناقشة بذات المفردات أشار موقعو البيان إلى أنهم احتكاما وبناء على تلك القيم يرفضون حملة الإرهاب في أفغانستان التي قُتل فيها ما يزيد عن 4000 بريء لا ذنب لهم في أي من تلك الأحداث.

وهو ما وجه الموقعون اللوم عليه للأمريكيين الذين لم يذكروا ولو عرضا أمر هؤلاء الضحايا أو تهديد الحريات والتعذيب لأسرى القاعدة، وكان رد الفعل غير المتوقع حيث تدفع النماذج الديمقراطية من ينتهجها إلى التزام المحاكمات الدولية العادلة والملاحقات القضائية، وهو ما دفع الموقعين الألمان للتساؤل إذا كانت تلك القيم عالمية فلماذا تبدو وكأنها تنطبق عليكم فقط؟؟، وأضافوا بأن الاستخدام الانتقائي لتلك القيم يهدد مصداقيتها بشدة، فهل يمكن أن نطلب من أبناء الثقافات والحضارات الأخرى حينما يرون استمرار المعايير المزدوجة أن يصفوا الأمر بشيء سوى استمرار الجهل والتكبر الغربيين؟!

أوروبا تحاول المقاومة

كما وجد الألمان البيان الأمريكي "على أي أساس نقاتل؟" غير متابع تقديم إسقاطات واقعية على ما ذكر بشأن تبني سياسات غير عادلة أحيانا –وهو الأمر الذي ألمحنا له سابقا- وأمام هذا فقد أسهب البيان الألماني في ذكر الانتهاكات المختلفة وخاصة أثناء الحرب الباردة، والتوقعات الخائبة لحقبة ما بعد الحرب الباردة من نزع التسلح، حوار الثقافات، التفاهم الدولي… وقد خابت تلك التوقعات بعد أن ركزت الولايات المتحدة قدراتها وكثقتها لخلق نظام أحادي القطب مناقض لقيم الحرية والعدالة التي ادعى بيان الـ60 أنها هدف حملة الدفاع عن النفس ومكافحة الإرهاب، وفي هذا السياق يصعب تصديق أنها حرب دفاع عن القيم، بل هي في حقيقة الأمر حرب دفاع عن "المصالح".

وأكدوا على أن استمرار الانفراد بالقوة هو أشد أسباب انعدام التوازن في العالم اليوم، كما أنه مصدر الإحساس بالضعف والمهانة لدى كثيرين.

"إن حرب الفائزين تجاه الهجمات الانتحارية للخاسرين لهي مفارقة تاريخية تدعو لمزيد من الهجمات".

وعرجوا بذلك على الموقف الأوروبي، مشيرين إلى فريق من إدارة بوش يلمح لحاجة أوروبا لأمريكا دون العكس، مؤكدين أن استمرار التبعية في مسألة الحرب أمر يراه كثيرون من الأوروبيين من علامات الضعف وانعدام القرار، وهو ما يخلق مناخا مواتيا لليمين المتطرف. و للأسف فإن حكومات أعضاء الاتحاد الأوروبي تتجاهل ضرورة خلق سياسة خارجية وأمنية مستقلة: الشرق الأوسط / وسط آسيا.

ووجه موقعو البيان الألماني الحديث إلى أصحاب بيان "على أي أساس نقاتل؟" قائلين: إن القيم التي تتحدثوا عنها تتعرض لاختبار قاس وسط تضييقات الداخل، وإن وسائل كثيرة متوفرة لمحاربة الإرهاب على أن يكون أساسها احترام كرامة الإنسان والاختلاف ومحاولة التعايش، فالعالم يتحدث لغات عدة. وقد أنهوا بيانهم داعين لحوار مفتوح لمستقبل مشترك.

ارفض.. قاوم

في السياق نفسه -ولكن ليس في إطار الرد المباشر- صدر بيان وقع عليه عدد من الفنانين والمفكرين الأمريكيين بعنوان Not In Our Name كامتداد لوجود معارضة منذ بداية الأحداث، بل ربما لحركة تمتد جذورها في المجتمع الأمريكي لمعارضة الحرب في فيتنام، وهو ما يفسر الطابع الحماسي الحركي للبيان الذي دعا لمقاومة عملية تواجه دعاوى الحرب في الخارج ومظاهر القمع في الداخل. وقد ركز البيان في ذلك على الحديث عن التضييقات وانتهاك الحريات للمهاجرين والمعارضين. وعارض الموقعون تقديم تفويض كامل لإدارة بوش ووصفته التبسيطية لعالم بين (الخير/ الشر ) والتي تلقفتها وسائل الإعلام لتبدو أي معارضة وكأنها مرادفة للخيانة، بينما الإدارة الأمريكية مستمرة في ممارساتها من ضرب للعراق أو محاولة تغيير نظامه إلى انتهاك لحقوق المهاجرين والقبض العشوائي عليهم.. إن هذا المناخ إنما خلق ظروفا مواتية للمحاكمات والتحقيقات السرية واتهام هيئات وجهات مختلفة بالإرهاب.

ولقد دعا موقعو البيان إلى اتخاذ تصريحات الإدارة الأمريكية على محمل الجد بامتداد حرب الإرهاب إلى جيل قادم، ودعوا الجميع إلى مقاومة دعوى الحرب قبل فوات الأوان، مستدعين نماذج أمريكية سابقة مثل حركة مناهضة حرب فيتنام.

وفي فقرة مباشرة تعكس موقفهم يقولون: "لقد أعلن الرئيس بوش قوله: إما أن تكونوا معنا أو ضدنا، وهذا ردنا: إننا نرفض أن نسمح لك بالحديث باسم الأمريكيين جميعا، إننا لن ندع حقنا في التساؤل، ولن نتنازل عن وعينا مقابل وعود جوفاء بالأمن، إننا نرفض أن نكون جزءا من هذه الحروب، ونتبرأ من أي تدخل يتم باسمنا أو بادعاء رفاهيتنا، إننا نمد أيادينا لهؤلاء الذين يعانون من تلك السياسات حول العالم، وسنعرض تضامننا معهم بالكلمة والفعل".

إن أصحاب هذا البيان رفضوا أن يكونوا جزءا من هذه الحرب، بل ووصفوا الصمت الآن بالخطيئة وهو الموقف الذي يتناقض كليا مع موقّعي بيان "على أي أساس نقاتل؟" الذي وصفه الدكتور أنور عبد الملك في مقاله بالأهرام بأننا "لسنا أمام تعليق فلسفي أو تحليل أخلاقي أو نقاش سياسي وإنما وثيقة تعلن أنها جزء لا يتجزأ من الحرب". كما وصف د. عبد الملك موقعي البيان على اختلافهم بأنهم الأكثر ميلا لفكر الدولة واليمين المسيطر حاليا.

تابع القراءة حول هذا الموضوع


  محررة صفحة ثقافة وفن بموقع إسلام أون لاين.نت