العنف الأمريكي.. وشهدت 3 أفلام من أهلها!!
وفي دور عرض لندن حاولت البحث عن الإجابة، حيث شهدت قاعات العرض اللندنية التجارية منها والمتخصصة ولعدة أشهر إقبالاً غير عادي على ثلاثة أفلام؛ اثنين منها غير تجارية! يبدو أنها تحاول الاقتراب من الإجابة يقدمها أو يشهد بها ثلاثة شهود أمريكان أي من أهلها.
والأفلام الثلاثة التي نعرض لها تبعًا لتاريخ العرض هي:
- 11 سبتمبر الذي شارك في صناعته 11 مخرج من جميع أنحاء العالم ، وخرج من مولد الأوسكار بلا جوائز.
- بولينج من أجل كولومبيان ( ضربة بولينج من أجل طالب من مدرسة كولومبيان الثانوية)، الذي حصل على جائزة لجنة التحكيم الخاصة من مهرجان كان بمناسبة مرور 55 سنة على المهرجان عام 2002، كما رشح للسعفة الذهبية، وفاز بالأوسكار كأفضل فيلم وثائقي.
- عصابات نيويورك، الذي تساءل الكثيرون عن سبب استبعاده من وليمة الأوسكار رغم جودته التي لا يختلف عليها ناقدان.
الحياة والموت في ظلال البرجين!
|
|
|
الممثل والمخرج الأمريكي شين بين |
وعزفًا على تنويعة التغييب الفردي يرتكز عمل شين القصير. فها هو إرنست بورجنين -الذي شارك في كتابة السيناريو أيضًا- يقوم بدور الأرمل المسن أو الأب رمز السلطة والقوة، الذي يمضي يومه وحيدًا وسط جدران منزله المظلم. مستمتعًا بحوار أحادي الجانب مع زوجة لم تَعُد موجودة، فالرجل العجوز لا يسمع إلا نفسه منغلقًا على ذاته بعد موت الأم أو الانتماء أو أمريكا التي كانت. بل ويُصِرّ ذلك الزوج "الفرد السلطوي الوحيد" على تنظيم بيته وحياته وكأن كل الأشياء ما زالت كما هي في عالم وهمي وافتراضي من صنع خياله. فهو يستيقظ في الصباح ويناجي حبيبته الراحلة، ويختار لها الثياب التي سترتديها، ويشرب شايه في حضرتها غير متخيل لذهابها بعيدًا وأنها لم تَعُد موجودة بالفعل.
ويظل الرجل قابضًا على عالمه الأثيري، ذهاب الحبيبة وموت زهورها على حافة نافذته، والتي نكتشف بنهاية الفيلم أنها ماتت بعد أن منع البرجان العملاقان عنها الشمس والهواء وما يرمز إليه ذلك من سيطرة القيم المادية الاستهلاكية التي جثمت على أنفاس الزهور "المستقبل" فمنعتها من النمو والحياة.
وفي مشهد تعبيري مؤثر وباستخدام المؤثرات البصرية، لا نرى سوى خيال البرجين في أثناء السقوط فتنقشع الغمامة، وتعود الزهور إلى الحياة، وتسطع الشمس في عين العجوز الذي يكتشف رحيل رفيقته وسقوط عالمه المزيف في ظلال البرجين رمز السطوة والأمان.
وقد ركَّز "شين بين" في فيلمه على فردية المجتمع والسلطة العجوز العمياء المترهلة التي انكشف زيفها وعالمها الوهمي بسقوط البرجين.
العنف في مدرسة الثانوي!
|
|
|
مايكل مور مخرج ضد الأوهام |
ولم ينج بوش الصغير في أي من أعمال مور أو حواراته من التوبيخ واللوم، ولعلّ أشدها سخونة تلك اللحظات التي أعقبت إعلان فوز فيلمه بجائزة الأوسكار؛ إذ فاجأ الجميع بكلمته التي أسقطت القناع الهادئ للحفل الفخم، وقال: ما حاول الآخرون تجميله أو اللف والدوران حوله مثلما فعل الأسباني بيدرو الحائز على جائزة أفضل سيناريو أصلي عن فيلم "تحدث معها" الذي شكر "كل الذين يرفعون صوتهم من أجل السلام والديمقراطية" في إشارة إلى المظاهرات العالمية المناهضة للحرب.
لقد قال مور كلمته لتتعالى بعدها الهمهمات بعد أن أعلن إدانة قوية للحرب ضد العراق في الحفل الذي شاهده نحو مليار مشاهد، في عبارات سيذكرها العالم طويلا: "نحن نعيش في زمن وهمي، في ظل انتخابات وهمية، ورئيس وهمي. نحن نعيش في زمن يقوم فيه رجل بإرسالنا إلى الحرب لأسباب وهمية. نحن معارضون لهذه الحرب يا سيد بوش.. عار عليك".
ولا يتردد مور في أن يصم مجتمعه بالعار في عمله الساخر والجريء، والذي تحفظ البعض على وصفه بأنه فيلم، مؤكدين على كونه تحقيقًا مصورًا. بينما اعتبره آخرون مجموعة من القصاصات المصورة بلا رابط أو ترتيب سوى نية المخرج الطيبة، في حين غالى البعض الآخر في نقده فاعتبره قصاصات تم تجميعها من علب القمامة!
ولإنصافه يمكن وصفه بمصطلح "العمل الفني المركب"، حيث استخدم مور كافة الوسائل البصرية والأساليب الفنية والصحفية لتقديم التحقيق المصور الساخر في محاولة للكشف عن جذور ثقافة العنف والسلاح في الولايات المتحدة، حيث يأخذنا في جولة بين الولايات وعبر التاريخ الأمريكي للكشف عن جذور ذلك العنف غير المبرر في أغلب الأحيان.
وفي إطار تناول ساخر -يبدو ركيكًا في بعض الأحيان- يبدأ الفيلم بمشهد مُعَدّ مسبقًا لصانع الفيلم الذي يفتح حسابًا في أحد بنوك ميتشجن مما يخوله حق شراء وامتلاك سلاح ناري في تعبير عن فوضى امتلاك بندقية في الولايات المتحدة التي ما زالت تحكمها عقد الخوف والقوة الزائفة والسلطة والعنصرية أيضًا. حيث يتساءل الفيلم في إحدى قصاصاته المصورة عن سبب التركيز في التليفزيون على تقديم الأمريكي الأسود في صورة المجرم! لتكون الإجابة أكثر غرابة: إن الجمهور لا يتوقع إلا هذا.
وتتوالى التساؤلات البسيطة والفرضيات الساذجة في مظهرها، لتفاجئنا الإجابات الأكثر سذاجة والتي كان من بينها أن البولينج قد يكون مسئولاً عن مجازر المدارس الثانوية، وربما الإنترنت أو الروك أندرول!
ولمدة ساعتين -كان يمكن اختزالها إلى ساعة ونصف- قدّم مور عمله انطلاقًا من حادثة مدرسة كولمبيان الثانوية، حيث قام طالبان في إبريل 1999 باقتحامها وقتل بعض الطلبة ثم انتحرا.
ويبحث الفيلم عن الأسباب من خلال تسليط الضوء على مشكلة الأسلحة الفردية التي يكفل الدستور الأمريكي للمواطنين حق تملكها. وينطلق المخرج من ولاية لأخرى متسائلاً عن أسباب هذا العنف.
ويلتقي بمطرب الروك المشهور "مارلين مانسن"، الذي اتهمه البعض بأن موسيقاه وأغانيه هي السبب في عنف طلاب الثانوي، والذي أجاب بأن كل ما كان يحتاجه الطالبان المنتحران أن يجدا من يستمع إليهما!.
كما يذهب إلى منزل شارلتون هيوستن الممثل الأمريكي، والمتحدث باسم الاتحاد القومي للأسلحة متسائلاً عن مشاعره الشخصية تجاه طفلة صغيرة قتلها زميلها البالغ من العمر 6 سنوات مستخدمًا سلاحًا وجده في بيت عمه.
وفي الوقت نفسه، اقتنص مور الفرصة لكيل اللكمات والسخرية من سياسة أمريكا الخارجية متحدثًا عن المفارقات التي حدثت في يوم مجزرة كولومبيان حينما كانت القوات الأمريكية تقصف كوسوفا في أعنف هجوم لها في الوقت نفسه الذي كان فيه الطالبان يهددان بأسلحتهما الأوتوماتيكية زملاءهم في تلك المدرسة الثانوية.. صور حية حقيقية ينقلها لك الفيلم لآثار الدمار التي يخلفها القصف الذي يدعمه السياسيون المراهقون وغضب تلاميذ الثانوي الذي يقتل أيضًا بدون مبرر. وتتوالى الأسئلة بلا أجوبة:
لماذا نقتل بعضنا البعض؟ ولماذا العنف في أمريكا وليس في كندا الدولة المجاورة؟..
ومثلما سيذكر العالم طويلاً تلك العبارات الجريئة لفنان أمريكي آثر قول الحقيقة، سأظل أذكر طويلاً، لحظة خروجي مع آخرين امتلأت بنا إحدى قاعات سينما ريو المظلمة بشارع كينجزلاند بلندن، جئنا لمعرفة أسباب العنف الأمريكي غير المبرر. كان بعضنا طلبة، منهم فرنسية تدرس العلوم السياسية بجامعة لندن قالت معلقة:
سر في جنازة قتيلك!
|
|
|
المخرج مارتن سكورسيزي |
في هذا الفيلم الذي أعيدت كتابته أكثر من مرة قام سكورسيزي بتشريح نيويورك الماضي كاشفًا القناع عن أخلاق العصابات التي ما زالت تحكمها حتى اليوم. وقد أنهى فيلمه باختفاء تدريجي لنيويورك القرن التاسع عشر بعصاباتها الدموية ليحل محلها البرجان العملاقان في مشهد أخَّاذ التقطته الكاميرا من مقبرة تفوح منها رائحة الموت التي لفت المدينة دومًا منذ نشأتها وحتى اليوم.
وفي الفيلم الذي تدور أحداثه في عام 1864، والحرب الأهلية على الأبواب يؤكد سكورسيزي على أنه ما أشبه الليلة بالبارحة، وأن بلطجة وفتونة أولاد البلد تتكرر بطريقة أو بأخرى، وذلك عبر إسقاطات واضحة في السيناريو الذي عادة ما يشارك في صياغته.
يرصد الفيلم محاولات أولاد البلد أو الأمريكيين الأصليين لفرض سيطرتهم على منطقة النقاط الخمس -قارات العالم خمس أيضًا!- التي تعجّ بمختلف الجنسيات المهاجرة والباحثة عن لقمة العيش. حيث لا يتورع قائدهم بيل الجزّار عن إراقة الدماء، لفرض السيطرة والسطوة بأية وسيلة: بالعنف، بالرشوة، بالتكتلات بين زعماء الشوارع والسياسيين والتلاعب وتزوير الانتخابات في إشارة لما يتردد عن تزوير الانتخابات الأخيرة.
حيث يصدمك الفيلم في دقائقه الأولى بلوحة سيريالية مرعبة تختلط الدماء والأشلاء بالثلوج البيضاء، بعد معركة دموية بالخناجر والسيوف والفئوس بين عصابة (أولاد البلد) أو الأصليون من الأمريكيين البروتستانت المولودين في نيويورك، وعصابة "الأرانب الميتة" من المهاجرين الأيرلنديين والهولنديين الذين وفدوا على المدينة في بداية القرن التاسع عشر، وتعرضوا للمهانة والتجنيد الإجباري للحرب في بلاد لا يعرفون خريطتها بحثًا عن المأوى والطعام. وعندما يسقطون في النهاية يعلق السياسي بقوله: لقد خسرنا اليوم أصواتًا كثيرة! غير عابئ بالدماء ولا البشر الذين كانوا.
ولا ينسى سكورسيزي تناول الهوة الطبقية بين أثرياء نيويورك وفقرائها، عندما انقسمت البلاد نتيجة صدور قانون التجنيد الإجباري -مما يطرح قضية حرب العراق اليوم وموقف المخرج الرافض لها-، وكذلك تسليط الضوء على استخدام الدين واستغلاله من الجميع لتحقيق أهدافهم مهما كانت دمويتها ووقاحتها في مشاهد متتالية للسياسي الأرستقراطي في قصره، وبيل الجزار زعيم أولاد البلد مستعدًّا لقتال أمستردام فالون القادم من أجل الثأر لموت أبيه. ولا يفوت النص أن يقول على لسان أمستردام العائد للثأر جملة ربما قالها بن لادن في 11 سبتمبر:
يقول في جملة موحية: عندما تطعن الملك، لا تفعل ذلك خلسة في الظلام، ولكن افعلها في يوم عيده وعلى رءوس الأشهاد (راجع ما حدث في 11 سبتمبر).
ومع ذلك السيناريو الأخاذ تبقى الحبكة الرئيسية ممثلة في تلك العلاقة الغريبة المتأرجحة بين الاحترام والحسد بين بيل الجزار وغريمه الأيرلندي القس فالون والممثل لأوروبا بتدينها النفعي لبلائه الحسن في مقاومته، ولكن ذلك لا يمنعه من قتله أمام طفله، ثم السير في جنازة مهيبة أعدها له بنفسه!
هكذا قدم المخرج نيويورك: نموذج للدولة القارة التي استباحت لنفسها استخدام كافة الوسائل المشروعة وغير المشروعة لإحكام قبضتها على كل شيء. ولكنه لم يتركنا دون أن يجيب على التساؤل: هل ننتظر طويلاً حتى يتحول أولاد البلد الأصليون البلطجية إلى أناس حقيقيين يألمون كما نألم لقتل الأبرياء، أم أن فلسفة بيل الجزار ستحكم العالم لعقود طويلة قادمة؟!


















