مدارك: بوابة الثقافة والفكر الإسلامي المعاصر "إصدار تجريبي"
أرسل لصديق ||

طارق رمضان يعيد مثقفي فرنسا إلى التعددية

طارق رمضان.. يعيد فرنسا إلى مدرسة التعددية
طارق رمضان.. يعيد فرنسا إلى مدرسة التعددية
  مرة أخرى عاد طارق رمضان -حفيد الإمام حسن البنا وأستاذ الفلسفة في سويسرا- إلى الساحة الفكرية الفرنسية. فبعد أن هاجم في يوليو أنصار العولمة البديلة (أو من يسمون بالمناهضين للعولمة) بسبب عدم انفتاحهم على الإسلام واستبعادهم له من خطاب مناهضة العولمة، يعود طارق رمضان مرة أخرى ليثير العواصف من جديد بهجوم شديد على المثقفين اليهود الفرنسيين يتهمهم فيه بالانكفاء على الذات والبحث عن مصالح طائفتهم عوضا عن القيم العالمية وقيم العدالة والمساواة. وها هو يصبح من جديد محور النقاش، ليؤكد أنه قادر على أن يضع الأنتلجينسيا (المثقفين) الباريسية أمام تناقضاتها.

عندما أعلن المنتدى الاجتماعي الأوربي -الذي ستنعقد دورته في باريس 12-15 نوفمبر الجاري- عن برنامج الموضوعات التي سيناقشها، كتب طارق رمضان مقالة سجالية في يوم الثاني من أكتوبر وجه فيها تهمة "الطائفية" للمثقفين اليهود الفرنسيين وهي صفة -في رأيه- سابقة على أحداث الانتفاضة الفلسطينية وتتخذ عددا من الأشكال مثل: تأييد السياسة الإسرائيلية، الإدانة غير الواضحة (إن وجدت من الأصل) لسياسة شارون، والتشويه المباشر أو غير المباشر لصورة المسلم، حتى لو كان فرنسيا.. إضافة إلى ردود أفعالهم المبالغ فيها في كل حالة يرون فيها عداء للسامية مثلما فعلوا مع الصحفي الفرنسي الشهير دانيال ميرميه صاحب البرنامج الإذاعي المشهور الذي يبحث في بؤس العالم، الذي تعرض لمحاكمة رمزية لا لشيء إلا لأنه انتقد العقيدة الصهيونية في الحلقة التي خصصها عن فلسطين!

ويعتقد طارق رمضان أن المثقف العالمي يتحول صوب الطائفية وذلك في إطار تطور ما يسمى باليهودية الجديدة، كما يسميها الصحفي والكاتب البارز ألكسندر أدلر، والتي تتميز -كما يعتقد أدلر- بالتقريب بين الهوية اليهودية والتوحد مع دولة إسرائيل(1). وهذا -بالتحديد- ما يدينه طارق رمضان دون أن يتخلى عن منهجه الذي يهدف إلى تحرير الحالة الإسلامية في أوربا من تبعيتها للقضايا والانتماءات الشرق أوسطية.

مقال (المفكرون الطائفيون الجدد) ليس أفضل ما كتب طارق رمضان، فهو وإن تضمن أفكارا بالغة الأهمية فإن طرحها كان بحاجة إلى مزيد من التأني وحشد أكثر لأدلة تؤكد أفكاره الجديدة، كما يعيبه الخلط المتسرع بين "المثقفين الطائفيين" وبين "الرجعيين الجدد" المؤيدين للسياسات الأمريكية(2). هكذا فإن الموقف المناوئ لباكستان الذي يتخذه المفكر اليهودي الكبير برنار هنري ليفي صاحب الكتاب الشهير عن اغتيال الصحفي الأمريكي دانيال بيرل، لا يؤدي ولا يعني بالضرورة تأييد التحالف الإستراتيجي بين الهند وإسرائيل كما قد يتصور طارق رمضان الذي أشبعه نقدا. وبالمثل فإن تأييده التدخل الأمريكي البريطاني في العراق لا يمت بصلة من قريب أو من بعيد للانضواء في السياسة الإسرائيلية. كما أن اتخاذ البعض لمواقف طائفية لا ترفع عن أصحابها بالضرورة انتماءهم لقيم إنسانية وعالمية والتي ينزعها عنهم طارق رمضان بشكل قاطع وحاد فيما قد يبدو تناقضا مع إصراره الدائم على تعريف نفسه كمسلم وفي الوقت نفسه ذو قيم واهتمامات عالمية وإنسانية.

وداعا للتمرد

طارق رمضان مفكر مناضل، ومن هنا تأتي عدم الدقة ومسحة التسرع التي ميزت مقاله. ولكن بعيدا عن المسحة السجالية لمقال رمضان، فإن هذا المثقف السويسري المسلم يقدم فرضية مهمة وإن لم يكن الأول والوحيد الذي يطرحها. هكذا فإن زميلتي بالمركز الفرنسي للدراسات والوثائق الاقتصادية والقانونية والاجتماعية "آن كلير كيربوف" صاحبة الدراسة المهمة عن "دانيال بيبس واليمين المحافظ الأمريكي" تدين "الأفكار الرجعية وغير المتسامحة التي تروجها تلك الشخصيات المنتشرة إعلاميا، والتي تعطي الانتماء الطائفي الأولوية على الانتماء للجمهورية متناسية النظام السياسي الذي تنتمي إليه".(3) وحينما تتعرض كيربوف لمقولات المفكر اليهودي الفرنسي فينكيلكروت، الذي حيا فيها الكاتبة الإيطالية التي هاجمت الإسلام أوريانا فالاتشي باعتبارها كسرت التابو (الصمت)(4) فإن كيربوف تفسر نمو الطائفية الذي يصيب الأنتلجينسيا الفرنسية بما حدث للحياة الثقافية والفكرية الغربية بعد 11 سبتمبر. لقد أطلقت مأساة انفجارات نيويورك العنان لمقولات استطاع التنوير والديمقراطية أن يكبحاها طوال قرنين من الزمان، كما مهدت التربة لكل من يتبنى فكرة صراع الحضارات حتى يتخذ مواقف مبنية على انتمائه اليهودي أو من أجل أن يعيد إلى الحياة أفكارا وتصورات استعمارية كنا نتمنى أنها قد دفنت تماما بعد الاستقلال. ووفقا لكيربوف فقد بدأ هذا الميل في أوساط اليمين المحافظ الأمريكي، ثم انتقل تدريجيا إلى أوربا بما فيها فرنسا بواسطة من يسميهم موريس ماشينو بالرجعيين الجدد(5) مثل آلان فينكيلكروت، جاك جويلار، فيليب سولير وأندريه جلوكسمان، لوك فيري وباسكال بروكنير. وغيرهم من الذين تخلوا عن الثورية والنظرة النقدية. فبعد أن خاب أملهم في الماركسية، وبعد أن رأوا بأنفسهم ما وصل إليه التطبيق الفعلي للاشتراكية، انتقلوا إلى معسكر القبول بالأمر الواقع وسيطروا على الإعلام، وأصبحوا هم "المفكرين"، وشرعوا في الدفاع عن العولمة الليبرالية، عن الولايات المتحدة، كما انخرطوا في تأييد غير مشروط للجنرال شارون وفي دعم كبار الرأسماليين، فانتهوا إلى تقبل السلطة في كل أشكالها وخاصة سلطة الإعلام الكبير.(6)

مدفعية قوية ضد مسلم يثير الجدل 

طارق .. ومعركة ثقافية مع يهود فرنسا 

وفي هذا الإطار تحول مجموعة من المثقفين الفرنسيين إلى التوجه المحافظ والليبرالي الجديد (تأييد الخصخصة، والانسحاب التام للدولة، والاعتماد الكامل على آلية السوق...) سيصبح طارق رمضان ضحية لهؤلاء المحافظين الجدد الذين يفتقدون قضية يدافعون عنها ويخلطون بين الدفاع عن قضية وبين الفضيحة! فعلى الرغم من أن رمضان ليس الوحيد الذي يتبنى المواقف التي صاغها في هذا المقال، فهو في رأي برنار ليفي(7) "قد أسقط عن نفسه كل مصداقية حينما كتب هذا النص المثير للغثيان والذي يقارب في بشاعته كتاب بروتوكولات حكماء صهيون"!!

وينتهز ليفي الفرصة لكي يلقي برمضان في غياهب "الآخر" المغاير حينما يلقبه بـ"الإمام"! متجاهلا أن طارق رمضان كاتب ومفكر مرموق يشغل منصب أستاذ للفلسفة في جامعة جنيف، وعلم الإسلاميات في جامعة فريبورج! ولا يجد ليفي ما يمنعه -أيضا- من أن يصف رمضان بأنه "المتحدث الرسمي للتيار الأكثر تشددا في الإسلام الأوربي"، متغافلا حقيقة أنه -أي رمضان- يطور على هامش الحركة الإسلامية خطابا تتضافر فيه نزعة الانتماء الديني مع الخطاب الإنساني العالمي وخطاب العدالة الاجتماعية.

يتحدث الكاتب اليهودي أندريه جلوكسمان -والذي ينتقده رمضان أيضا كما تنتقده كيربوف للأسباب نفسها- عن عداء رمضان للسامية، وهو يحرض المجموعات المناهضة للعولمة على الابتعاد عن رمضان كما يهاجم التحالف الآخذ في التشكل بين حركة مناهضة العولمة والجمعيات الإسلامية التي تسيطر على الأحياء الشعبية في فرنسا!

وكما هي العادة فقد وصلنا سريعا هنا إلى المعايير المزدوجة والكيل بمكيالين. فإدانة رمضان نابعة من هجومه على مثقفين باعتبارهم يهود، الأمر الذي يعني في رأي بعض كتاب الحزب الاشتراكي -مثل فانسان بيللون، جان لوك ميلونشون ومانيوال فال- "الانضواء تحت جناح اليمين المتطرف؛ لأنهم -وحدهم- الفاشيون الذين يتحدثون هكذا". فليكن هذا ولكن ألا يتحدث فينكيلكروت دائما عن انتمائه اليهودي، بينما لا يمل برنار ليفي من التعبير عن تضامنه مع إسرائيل كيهودي(8)؟! وألا يشير خصوم طارق رمضان إليه كمسلم عند الهجوم عليه؟!!

مواقف يهودية وليس مؤامرة يهودية

وفي مواجهة هذا النوع من النقد الشديد الذي لم يكن له ما يبرره، الذي وصل في بعض الأحيان إلى حد القذف ضد هذا الأستاذ السويسري، سيكون هناك بالطبع من يبحث عن مؤامرة يهودية. لكن يجب القول إنه ليس هناك مؤامرة يهودية تكمن خلف الهجوم على حفيد حسن البنا، ولا توجد إستراتيجية متحدة في مواجهته. وفي رأيي فإن التحولات داخل الحقل الفكري في فرنسا هي التي تفسر العداء لرمضان (والذي هو أقوى من كراهية الإسلام) من جانب المحافظين الجدد.

فهؤلاء المحافظون الجدد يراقبون بقلق "الأخ الأكبر" -لقب رمضان الأشهر- في الأحياء الشعبية في فرنسا وهو يتقرب من اليسار والمناصرين للعالم ثالثية التي يعادونها والتي يحاول رمضان أن يعيد صياغتها بتعبيرات إسلامية (الإسلام باعتباره طريقا للجنوب). وباعتبارهم مناصرين للولايات المتحدة، فهم لا يستطيعون إلا أن يدينوا انخراطه في النضال جنبا إلى جنب مع مناهضي العولمة بعد تحالفه الإستراتيجي مع آلان جريش الكاتب الأشهر ورئيس تحرير اللوموند ديبلوماتيك.

وأخيرا.. فإن مواقف رمضان الدينية ليس بوسعها إلا أن تثير رغبة هؤلاء في أن يحتكروا حق اتخاذ مواقف دينية: حق التحدث كجمهوريين يهود يدافعون عن دولة مرتكزة على الفكرة الدينية والدفاع أيضا عن حكامها الأكثر راديكالية مثل شارون!

الانكفاء على الهوية وتدهور الديمقراطية

إن أوركسترا الهجوم على رمضان من جانب المحافظين الجدد في فرنسا يبين مدى صحة تنبؤات رمضان نفسه: هناك شعرة فاصلة بين الانكفاء على الهوية وتدهور الديمقراطية كما قال رمضان من قبل. فحين يحل القذف والكذب والإدانة محل النقد، يحل -أيضا- إسكات الآخرين محل الحوار. يتعرض طارق رمضان اليوم إلى عواصف شديدة تهب في مناخ قارة أوربية تعيش حالة من حالات ما بعد الحداثة، والتي تحاول فيها الطائفية بجميع أشكالها التعبير عن أفكارها بشكل حر.

إن الدفاع عن طارق رمضان اليوم يساوي الدفاع عن الحفاظ على المجال العام محايدا دينيا أو ما يسمى بقيم العلمانية المحايدة، والتي بدونها لن يكون لطارق رمضان أو منتقديه حرية القول التي يتمتعون بها اليوم.

هوامش ومصادر:

1 Adler (Alexandre) in: coll., Le sionisme expliqué à nos potes, éditions la Martinière, Paris, 2003, p. 241,  cité par Ramadan.

2 Maschino (Maurice), « Intellectuels médiatiques, les nouveaux réactionnaires », Le Monde diplomatique, octobre 2002.

3 Kerboeuf (Anne-Claire), « Daniel Pipes, portrait d’un nouveau réactionnaire américain », Egypte / Monde Arabe, no 6, 2003.

4 Le Point, 24 Mai 2002.

5 Maschino (Maurice), op. cit.

6 Ibid.

7 Le Point, 10 octobre.

8 coll., Le sionisme expliqué à nos potes, op. cit., p. 14.

 


  باحث سويسري.