أزمة الخطاب الليبرالي العربي الجديد
يضم التيار الليبرالي العربي عشائر متباينة الأصول من مثقفين وكتاب ورجال سياسة وتجارة. بعضهم يعود في أصوله إلى الأحزاب والمنظمات الماركسية التي انتعشت في الستينيات والسبعينيات، ثم سرعان ما أصاب أغلبها الانقراض والعزلة بفعل الاندحار العالمي للمعسكر الشيوعي. وهؤلاء هم أكثر الليبراليين العرب دوغمائية وعدمية؛ إذ ربما تحركهم دوافع الإحساس بالذنب تجاه الماضي الماركسي العبثي، والرغبة في تطهير الذات وتبرئتها من ذلك الماضي، ولكنهم لسبب أو لآخر عجزوا عن التحرر من منهجية القراءة الأحادية الأيديولوجية للواقع.
الجهل سبب الفهم المشوه
ما تغير في خطابهم ليس منهج النظر؛ بل مصطلحات الخطاب ولونه وتحالفاته الدولية. وبعضهم إسلامي سابق، أو حتى إسلامي حالي، ممن انتهى بهم ميزان القوى العالمي والهجوم على العالم الإسلامي إلى كراهية الذات، ومحاولة إخراج الإسلام في نسخة معاصرة، حديثة وعصرية -وبالطبع ديمقراطية- في استلهام مشوه لاتجاهات الإصلاح الإسلامية في نهاية القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين، أو في محاولة اعتذارية.
وهؤلاء هم أكثر الليبراليين العرب جهلا وكسلا ذهنيا، يعرفون القليل عن التجربة التاريخية العربية الإسلامية، ويحسبون قراءتهم الانتقائية لها التي تفتقد إلى أبسط قواعد المنهجية الغربية رؤية نافذة للتاريخ. ولكن جهلهم الأكبر هو بالنموذج الغربي ذاته، النموذج الذي يشكل مرجعيتهم المستبطنة، وهو جهل مركب لتاريخ النموذج وتطوره، وواقعه الاجتماعي والسياسي وتعقيدات خطابه الفكري. وبعضهم أصحاب مصالح تجارية وسياسية، طفوا على الساحة العربية بفعل الانقلابات المفاجئة في الاقتصاد العربي خلال العقود الثلاثة الماضية، بفعل السمسرة التجارية أو السياسية، أو بفعل انقلابات توازن القوى في العالم والنزوع الفطري للاحتماء بالأقوى. وهؤلاء هم أكثر العشائر الليبرالية العربية انتهازية، وأغلبهم لا يخفي حقيقة دوافعه، وطبيعة الدور الذي يقوم به، والمصالح الذاتية التي يسعى وراءها.
الليبراليون الأصلاء..قلة
قلة من الليبراليين العرب هم الذين يمكن تسميتهم بالليبراليين الأصلاء؛ فأولئك الذين قادوا أحزابا مثل حزب الوفد وحزب الأحرار الدستوريين في حقبة ما بين الحربين، أو رجال الفكر والسياسة من أمثال محمد حسين هيكل، ومعروف الدواليبي، وعلال الفاسي. فهؤلاء هم الليبراليون الوطنيون الذين تحركهم دوافع الحفاظ على الاستقلال، ودفع التدخل الأجنبي، وإقامة علاقة سوية مع المعسكر الغربي، والنهضة العلمية والاقتصادية، وتعزيز القيود الدستورية على سلطة الدولة. ولكن طغيان العشائر الليبرالية الأخرى على الساحة، وانتشارها، وعلو صوتها جعل الليبراليين الأصلاء فئة أقرب إلى الانقراض والتقوقع، منها إلى الاستمرار والحيوية.
بدأ الاتجاه الليبرالي العربي (الجديد) في الصعود وبلورة خطابه منذ نهاية الثمانينيات ومطلع التسعينيات. وقد جاء صعود الخطاب الليبرالي على خلفية من تحولات دولية وإقليمية دراماتيكية. فقد انهارت الكتلة الشيوعية، وتعرضت روسيا إلى انقلاب أيديولوجي كبير، وبرزت الولايات المتحدة باعتبارها القوة العظمى الوحيدة في العالم، وأدت أزمة الدخول العراقي إلى الكويت والحرب التي نجمت عنها إلى انقسام عربي فادح، ثم جاءت اتفاقية أوسلو ليبدو وكأن القضية الفلسطينية قد وصلت إلى منعطف تاريخي يخرجها من الوعي العربي الجمعي.
عالج الليبراليون العرب مجمل هذه التحولات والواقع العربي المتولد عنها من خلال منظارغربي (بل أمريكي) مستتر. كان الشعار الأعلى صوتا في الخطاب العربي الليبرالي هو شعار ضرورة التحول الديمقراطي في العالم العربي، واللحاق بركب الديمقراطية المتزايد نفوذا وانتشارا في العالم أجمع. ولكن هذا لم يكن كل شيء؛ فقد تبنى الليبراليون العرب النتائج السريعة التي توصل إليها بعض الأكاديميين الغربيين ذوي الأجندة السياسية (مثل برنارد لويس وأوليفييه روي)، وأعلنوا أن فكرة القومية العربية قد انتهت، وأنه قد آن الأوان للقذف بمشروع الوحدة العربية إلى سلة مهملات التاريخ. كما أعلنوا نهاية الإسلام السياسي، ليس فقط كمشروع دولة كان يستدعي ويستحق النقد والمراجعة بالفعل، بل أيضا نهاية دور الإسلام وقيمه في الحياة السياسية والاجتماعية والثقافية للمسلمين.
ساعدوا في الانتشار الإسرائيلي
واحتفل الليبراليون باتفاق أوسلو، جاعلين من ياسر عرفات بطلا تاريخيا للعرب والفلسطينيين، ليس بسبب سجله النضالي الطويل بل بسبب استعداده للتخلي عن فلسطين التاريخية، وبسبب الدور الذي لعبه اتفاق أوسلو في فتح الباب العربي على مصراعيه للتطبيع والانتشار الإسرائيلي في المنطقة، وما سمي حينها بالمشروع الشرق الأوسطي. وتحت شعار التحول الديمقراطي أراد الليبراليون العرب حسم معركة الوحدة وفلسطين، والالتحاق بالركب الأمريكي والعلمنة الشاملة بدون إطلاق طلقة واحدة. وكان ميزان القوى في التسعينيات يغري بذلك.
بيد أن نهاية عقد التسعينيات جاءت لليبراليين العرب بخيبة أمل بالغة. فالولايات المتحدة كانت أكثر حرصا في مرحلة ما بعد الحرب الباردة على الحفاظ على علاقاتها بالأنظمة الحليفة (الفاسدة) في المنطقة منها على التحول الديمقراطي، وعلى مستوى الصراع العربي الإسرائيلي نجح حزب الله في دحر الاحتلال الإسرائيلي وهزيمته في جنوب لبنان، مثيرا في العرب إحساسهم العميق بالوحدة والمصير المشترك. ثم جاءت انتفاضة الأقصى لتؤكد عبثية طريق أوسلو وحقيقته من ناحية، وتعيد التذكير بجوهر المشروع الإسرائيلي وارتكازه إلى العنف والسيطرة من ناحية أخرى، وما إن أطل القرن الجديد حتى راحت الولايات المتحدة تخوض حربا عالمية هوجاء، بل ضد حلفائها الأوروبيين التقليديين أحيانا؛ لتعزيز تحكمها في القرار العالمي وسيطرتها على مقدرات العالم.
وقد بدا للحظة أن الخطاب الليبرالي العربي قد أصيب بنكسة كبرى؛ فالفرضيات التي انطلق منها في عقد التسعينيات اصطدمت اصطداما محبطا بحقائق الواقع العربي والعالمي الجديد؛ فلا العرب اشتروا شعار الديمقراطية على حساب قضاياهم الرئيسة، ولا العالم انتقل إلى حقبة من الترابط والسلام وسيادة القيم الإنسانية المشتركة. على العكس أصبح العرب أكثر استماتة في الدفاع عن ثوابتهم، بينما ضج العالم بأزيز الطائرات القاصفة والصواريخ والأساطيل المسلحة.
تحت العلم الأمريكي
|
|
|
يحلم الليبراليون بقدوم التمثال مع الدبابات الأمريكية |
يدرك الليبراليون العرب بالطبع أن هذه الشراكة مع المشروع الأمريكي ليست شراكة متكافئة، بل ليست شراكة بأي صورة من الصور، بل هي مجرد التحاق بالقاطرة الأمريكية؛ وهو ما يستدعي دفع تكاليف هذا الالتحاق، سواء من جهة تبرير المشروع الأمريكي وتسويغ وسائله، أو من حيث تبني أهدافه ومنطلقاته. وقد أدى ذلك إلى انقلاب جوهري في الخطاب الليبرالي العربي. فبعد أن كانت الدولة هي الهدف الرئيسي (والمعلن على الأقل) للخطاب الليبرالي العربي، أصبح الهدف هو المجتمع العربي وإنسانه وقواه. ولأن الاستهداف الأمريكي للمجتمع العربي والإنسان العربي يقوم على فرضيات خاطئة، ويستبطن أهدافا معروفة ومحددة مسبقا؛ فقد اضطر الخطاب الليبرالي العربي (الخطاب المحلي الشريك للخارج) للجوء إلى الدوغما الأيديولوجية لقراءة الأزمة العربية وتشخيص عناصرها.
يقدم الخطاب الليبرالي العربي في صيغته الجديدة صورة مأساوية للعرب ومجتمعاتهم. المشكلة هنا ليست تعرية التخلف التقني أو الانقسام الداخلي؛ فكل خطاب نقدي في العالم هو خطاب متْرَع بالتأزم، وليس ثمة من مجتمع يمكنه الحفاظ على دينامياته وتقدمه بدون خطاب نقدي دائم. المشكلة كما يقرؤها الليبراليون العرب هي حالة تأزم عربي مغلق ومطلق، حالة انهيار كامل وشامل، حالة تحلل غير مسبوق في تاريخ العرب والعالم، حالة خروج فعلي ونهائي من التاريخ. وطبقا لهذا الخطاب فإن الإنسان العربي إنسان متخلف، تسكنه الخرافة، نتاج تعليم بشع ومشوه، غير قادر على أن يقف موقفا نقديا من ذاته ومجتمعه وقيمه، يفتقد إلى أدنى القيم المدنية، ولا يعرف حقوق وواجبات المواطنة.
المجتمع العربي مجتمع مؤسس على الاستبداد والنظام الأبوي. وهو مرة مجتمع قبلي عشائري طائفي، ومرة أخرى مجتمع مصمت مغلق، تختفي فيه توجهات الإبداع الفردي الإنساني لصالح الكل المسيطر والمهيمن.
العرب لا يقرؤون، لا يترجمون، وحظهم من الصحف أدنى من حظوظ المتوسط العالمي، أما إعلامهم فكاذب ومضلل وسطحي، بينما يهبط إنتاجهم القومي عن أدنى مستويات إنتاج الدول من الدرجة الثانية، وهم غير قادرين على التعامل مع التقنية الحديثة، لا يتمتعون بخيرات الإنترنت، وقد أصبحوا فوق ذلك المصدر الرئيسي للعنف والإرهاب والموت العبثي في العالم.
آن الأوان -طبقا لهذا الخطاب- لأن يتوقف العرب عن التعلل بالصراع مع الدولة العبرية، أو التذرع بمقاومة الخطر الإمبريالي المزعوم. فالعيب ذاتي وداخلي قبل أي شيء آخر. النتيجة المنطقية لهذا الخطاب بالطبع ضرورة تدخُّل قوة خارجية ما لإصلاح أمرنا؛ لإعادة النظر في نظم حياتنا وقيمنا وأنماط اجتماعنا، قوة تنهضنا من هذا السبات الطويل والعميق.
ثمة -لا شك- أمثلة عديدة على افتقاد الخطاب العربي للصواب، أمثلة على كسله الذهني، بينما تدلل أخرى على أن دوافع إنشائه هي التي تشكل إطاره المرجعي لا حقائق الواقع. كيف يمكن -مثلا- تفسير الإبداع العربي المميز خلال نصف القرن الماضي في مجالات الأدب، والرواية، والشعر، والموسيقى، والفنون التشكيلية. من أين جاءت هذه القدرة العربية غير العادية على الإبداع والتجديد في كل هذه المجالات؟ وكيف يمكن تفسير انتشارها من القاهرة إلى دمشق ومن بغداد إلى تونس ومن حلب إلى الدار البيضاء؟ كيف أمكن لدولة مستبدة كدولة صدام حسين ولشعب (صغير) نسبياً كالشعب العراقي أن يحقق الإنجازات العلمية والصناعية التي حققها خلال فترة صغيرة من الزمن؟ بل كيف أمكن لدولة مثل ليبيا أن تؤسس صناعة نووية، وقد أنجز أغلب ذلك سرا ومن خلال أسواق جانبية أو هامشية، وفي ظل صعوبات هائلة؟
لماذا؟
كيف يسكت الباحثون والمنظِّرون العرب لسنوات طوال على حساب الناتج القومي للدول العربية بمقياس معدلات الصرف النقدي (المقياس الذي يصفه البنك الدولي بأنه غير صحيح، ولا يقدم صورة حقيقية عن إنتاج وثروات الأمم)، وكيف يتجاهلون المقياس الأكثر دقة المعروف بمقياس "القوة الشرائية المتعادلة"؟ وهل يمكن في ظل حالة التجزئة العربية وانعدام وجود سوق عربية واسعة أن تقوم صناعة عربية ذات جدوى؟ ولماذا تدفع كل دولة عربية إلى أن تعقد -على حدة- اتفاقيات تحرير السوق وإلغاء التعريفة الجمركية مع الاتحاد الأوربي أو الولايات المتحدة، بينما لا يسمح للدول العربية أن تعقد مثل هذه الاتفاقيات فيما بينها كمجموعة إقليمية تربطها اللغة والثقافة والتقاليد والجوار؟
لماذا ضربت كل محاولة للنهضة والتصنيع العربي بلا هوادة ولا رحمة من مصر محمد علي وجمال عبد الناصر إلى عراق صدام حسين، وما إن هزمت تلك المحاولات في ساحات الحرب حتى دمرت قاعدتها الصناعية، وسرح علماؤها، أو تعرضوا للاغتيال (كما يحدث في العراق اليوم)، وأجبرت على التحول إلى مستهلك للإنتاج الأجنبي؟
لماذا عاشت وتعيش الجماعات والطوائف في هذه المنطقة بسلام، تعرف حقوقها وواجباتها والتزاماتها تجاه بعضها البعض وتجاه البلاد التي تقطنها، ثم تنهار لُحمتها، ويقوض سلمها الداخلي لدى التدخل الأجنبي؟ ألم يوجد العراق -مثلا- بهويته كعراق منذ أربعة عشر قرنا؟ ألم يقم في ظل الولاة المماليك العثمانيين طوال القرن الثامن عشر والثلث الأول من القرن التاسع عشر ضمن حدوده الحالية؟ فلماذا يتحول فجأة إلى شمال ووسط وجنوب، وإلى شيعة وسنة وأكراد؟ وهل صحيح أن بريطانيا -موطن الصحافة في العالم- تنتج من الصحف القومية الجادة أكثر مما تنتجه مصر، أم أن من الضروري أن تعج شوارع القاهرة بصحف الجنس ومستنقعات التابلويد حتى تتساوى بالدول المتقدمة؟ كيف يقال عن أمة تخدمها أكثر من خمسين قناة تلفازية تتحدث لغتها الأم، وعشرات محطات الإذاعة، بما في ذلك كبار الإذاعات الغربية الموجهة بأنها تفتقد معرفة العالم ومجرياته، في الوقت الذي تعرف فيه عجائز قبائلها الصحراوية حقائق السياسة الدولية أفضل مما يعرف فيه الأمريكي المتوسط حقائق سياسات بلاده؟
هناك مشاكل عديدة لا بد أن يواجهها العرب في حياتهم ومجتمعهم والقيم المحركة لكليهما. ولكن هذه المشاكل لا يمكن أن تواجَه بدون قراءة صحيحة لمكونات المجتمعات العربية ودينامياتها المعرفية الخاصة وتجربتها التاريخية. ولا يمكن أن تواجَه قبل مواجهة المشكلة الكبرى التي تنبع من السيطرة الخارجية، السيطرة بالقوة والعنف على مقدراتهم وسيادة بلادهم وطموحاتهم. وإلا فكيف نفسر هذا الاهتمام العالمي المتواصل منذ نهاية القرن الثامن عشر بهذه المنطقة؟ وكيف تسعى الولايات المتحدة في مشروع غير مسبوق في التاريخ الحديث لإشراك جميع دول العالم العظمى في إعادة صياغة هذه المنطقة وإنسانها.
أما الذي لا يريد أن يرى أزمة هذه المنطقة وشعوبها إزاء الخارج، وإزاء "الشريك" الأمريكي على وجه الخصوص؛ فعليه أن يتذكر أن هناك حربا دموية تدور على أرض العراق منذ مارس/آذار من العام الماضي، طرفها الرئيسي هو الاحتلال الأمريكي العسكري. لا تستطيع واشنطن أن تزرع الموت والدمار في العراق، وتساعد على زرع الموت والدمار في فلسطين، ثم تتحدث بلسانها أو لسان شركائها الليبراليين العرب عن مناهج التعليم في السعودية أو لا سامية الصحافة المصرية. إن كان لليبراليين العرب أن يؤكدوا التزامهم بقضايا شعوبهم؛ فعليهم أن يقفوا في وجه هذه العواصف الهوجاء التي تريد أن تجعل من البلاد العربية ساحة للدمار والموت مرة، وساحة لتجارب موظفي الإدارة الأمريكية مرة أخرى.





















