مدارك: بوابة الثقافة والفكر الإسلامي المعاصر "إصدار تجريبي"
أرسل لصديق ||

بيروت.. "أم الكتاب" تشكو الحرب

إبراهيم غالي / 22-08-2006

أغلقت دور النشر والمكتبات أبوابها طيلة أيام الحرب
تركت الحرب الإسرائيلية على لبنان أثرًا على الحركة الثقافية والفنية؛ فالمسارح ودور النشر والمكتبات الكبرى أغلقت أبوابها لشهر كامل، وهي في ذلك تحتاج لبعض الوقت لتعود لسابق عهدها النشط.

الحرب تحدث قدرًا من التحولات الثقافية والإدراكية وما بعدها، بل ويرتبط نمط المبيعات من المعروض الثقافي بأحداث الحرب ونتائجها وتداعياتها، وفي هذا السياق يبدو ضروريًّا الوقوف عند هذا البعد الحيوي الذي يشكل عصب حياة الأمم والشعوب.

فصحيح أن حركة النشر قد تلاشت تمامًا خلال شهر الحرب، لكن لم تختفِ حركة شرائها رغم أن كبرى مكتبات بيروت قد أغلقت أبوابها.

في بيروت التقينا الدكتور جميل قاسم، دكتوراة في الفلسفة من جامعة السوربون بفرنسا، وصاحب دار نشر "الأنوار"، ومؤلف كتب: "العرب وما بعد الحداثة: نقد الفكر السياسي"، و"مقدمة في نقد الفكر العربي: من الماهية إلى الوجود"، و"الفكر المحض"، و"المختلف والمؤتلف".

حاورناه عن الآثار الثقافية للحرب، وعن حركة النشر وبيع الكتب، وعن ثقافة المقاومة لدى مقاتلي حزب الله. وفيما يلي نص الحوار:

600 دار نشر توقفت

لم يطبع طيلة شهر العدوان أي كتاب في بيروت

* لاحظنا في أثناء تجوالنا في بيروت أن المكتبات الكبرى أغلقت أبوابها، ولا تباع إلا الجرائد اللبنانية المحلية.. هل توقفت دور النشر عن الطباعة في هذه الفترة؟

- يتمتع لبنان بحرية كبيرة في مجال النشر؛ حيث لا توجد رقابة على المنشورات أو المصنفات، فالمجتمع مفتوح، ففي لبنان نحو 600 دار للنشر يتركز معظمها في العاصمة، كانت تعمل قبل الحرب دون أي مشكلات، لكن ببداية الحرب توقفت المطابع، ونزح العديد من أصحاب المكتبات ودور النشر، خاصة في الجنوب اللبناني والضاحية الجنوبية التي دمر بعضها، مثل: دار نشر الهادي، ودار المحجة البيضاء.

أما أصحاب دور النشر في بيروت، فمنهم من أصحاب المال والأعمال من فضل الرحيل خارج لبنان، ومنهم من نزح بعيدًا إلى الجبل أو الشمال.

* بناء على حديثكم يتوقع أن تكون حركة شراء الكتب قد انخفضت بشكل حاد وربما تعرض أصحاب دور النشر لخسائر مالية كبيرة؟

بكل تأكيد، فهناك دور نشر كثيرة ضربت بالجنوب، والبعض الآخر لا نعرف ما لحق بها من أضرار. على أي حال، فإن دار النشر ذات الحجم الكبير في لبنان يبلغ رأس مالها نحو 200 مليون دولار تتضمن المطابع ومراكز التوزيع الرئيسية والفرعية والمكتبات المنتشرة، وقد توقف رأس المال هذا عن العمل لمدة شهر كامل ومتوقع أن تزيد هذه الفترة حتى يعود أصحاب النشر لممارسة أعمالهم بشكل طبيعي، وبالطبع أصيبوا بخسائر فادحة، فلم يصدر في لبنان كتاب واحد في أثناء الحرب.

وأما عن حركة البيع والشراء، فقد انخفضت بنسبة تزيد عن 90%؛ لأن الماديات أثناء الحرب تذهب للإنفاق على الاحتياجات الأولية، وتتحول القراءة والكتب لأشياء ثانوية. وهذا لا يعني أنه لم يكن هناك إقبال نهائي على شراء بعض الكتب.

كتب المقاومة

لم يصدر في بيروت طيلة 33 يوما إلا الصحف المحلية

* ما هي طبيعة الكتب التي تم بيعها في أثناء الحرب، وأي الفئات العمرية من اللبنانيين كانت تشتري هذه الكتب أكثر من غيرها؟

الحرب بالتأكيد لها طابعها الخاص في أمور الحياة كافة، وهي تنعكس بالمثل على الثقافة. ومن إيجابيات هذه الحرب أنها جعلت العديد من الشباب يقبل على شراء كتب عن المقاومة والبطولة والصمود والترجمات الخاصة بالشهداء.

وعلى سبيل المثال، فإن من أبرز إيجابيات الحرب هو ملاحظة إقبال الشباب على شراء كتب خاصة عن حرب أكتوبر 1973، ومعركة الكرامة 1969، فهناك نزعة لدى بعض الشباب في القراءة عن المقاومة.

وثانيًا: يهتم من اشترى كتبًا لحزب الله، وكانت هذه النوعية هي الأكثر طلبًا، كما تم الطلب أيضًا على الكتب التي تتناول الشيعة في لبنان وتاريخهم وعقيدتهم. ويلاحظ أيضًا أن المهجرين أو النازحين إلى بيروت بالمدارس وغيرها كانوا من أكثر من أقبل على الشراء؛ نظرًا لوجود أوقات فراغ طويلة لديهم.

* بحكم تخصصكم في الفلسفة، وكونكم صاحب دار نشر للكتب، كيف تعاملت فئة المثقفين في لبنان مع هذه الحرب؟ وهل كان لهم مواقف محددة تدعم المقاومة؟

- المثقفون لم يتفاعلوا مع الحرب بالقدر المنشود، ولا يرجع ذلك إلى كسل أو تقصير، وإنما للاختلاف فيما بينهم حول طبيعة المقاومة ذاتها.

فقد أصدر المثقفون بيانين نشرا بصفحة واحدة في جريدة السفير؛ البيان الأول كان يؤيد المقاومة ويتضامن معها، ويدعو إلى مقاومة العدوان. أما البيان الثاني، فقد تحدث بلغة مزدوجة أدانت حزب الله ضمنيًّا، @@وأدانت إسرائيل في الدرجة الثالثة.

وهذا انعكاس طبيعي لحالة الانقسام في الوسط السياسي بين جماعة 14 آذار الذين يقرءون الأمور بمنظور أمريكي، وبين تيارات أخرى متمسكة بالمقاومة، وبين الجماعة المثقفة التي تحتفظ بأيديولوجية المقاومة وتتمسك بالهوية والأرض.

وفي هذا السياق لا بد أن يخرج مسيحيو لبنان بمختلف مشاربهم عن العقلية الكهنوتية التي تربوا عليها، وينهوا حالة وجود نوع من "الفوبيا" من كل ما هو عربي أو قومي أو إسلامي، كما لا بد من مواجهة القوى الرجعية ومنهم فئة العملاء، فهم أناس لا دين لهم أو طائفة.

ارتباط ديني

عاصفة العدوان على لبنان أثرت كثيرا على حركة الكتاب في بيروت

* لقد شاهدنا بطولات من مقاتلي حزب الله وصمودا هائلا، أعتقد أن هذا يرتبط بنمط معين من التنشئة الثقافية والعقائدية وليس فقط بالتدريب العسكري أو التجهيزات الحربية.. فما رأيكم؟

- أنا شيعي قد يصنفني البعض كما يقولون علماني، ولكن رغم ذلك، ثمة حقيقة واضحة وهي أن حزب الله يغرس في أنصاره ثقافة لها بُعد وارتباط ديني قوي لا ينفصل، فالجانب العقيدي هو الأصل الذي يعتمده الحزب في تنشئة أتباعه.

وأما بالنسبة لمقاتل حزب الله، فهو حياته لوجستيًّا بنسبة 100% كمقاتل، فالحزب له بنية لوجستية وهيكلية مؤسسة، ومقاتلوه لديهم الاحتياجات الذاتية من المأكل والمشرب وسائر الاحتياجات حتى الخنادق والأنفاق.

ويمكن القول إن المقاتل متفرغ كلاعب كرة القدم المحترف، وينعكس ذلك على أدائه، كما أنه يمتلك عقيدة، وإيمانه بقضيته لا حدود له.

وتختزل تلك المعادلة الثقافية التي نشأ عليها مقاتل حزب الله في قول الإمام علي: "اعمل لدنياك كأنك تعيش أبدًا، واعمل لآخرتك كأنك تموت غدًا".

هذه الجدلية حققها حزب الله، فهو جمع بين معادلة العلم والدين والكفاءة والإعداد اللوجستي العسكري.

المكون الثقافي الديني أسهم في تحقيق الانتصار لحزب الله، وهو مكون له بعد خلاصي يؤمن به المقاتل؛ حيث تغرس لديه عقيدة الاستشهاد التي تنبع منه ثواب الجنة والحياة الأخرى.

السلم الأهلي البارد

* برأيكم، هل يمكن القول إن تداعيات الحرب يمكن أن تترك آثارًا ثقافية ما على المجتمع اللبناني أو على سائر القوى والتيارات الفكرية العربية؟

- لبنان مجتمع مركب ومعقد في آن معًا، والخطاب اللبناني في مجمله متناقض وغير متجانس، ولا شك أن المواقف المتباينة من المقاومة إنما هي في جوهرها ذات مغزى ثقافي يتلخص في قضية قبول الآخر أو رفضه، فكل ثقافة تيار سياسي انعكست على رؤيته للحرب وللمقاومة.

إن لبنان هو بلد السلم الأهلي البارد، وهذا مرادف للحرب الأهلية الباردة، ولن يجد مخرجًا من عقدة الطائفية إلا بالتحديث العقلي الذي يلغي الطائفية الموجودة حتى في الدستور.

وتحتاج القوى الثقافية والسياسية اللبنانية إلى عدم تجديد "الذاتية"، فاللبنانيون يرون الذات في مرآة الذات ولا يرونها في مرآة الآخرين. وهنا مثلاً أتساءل: لماذا يوجد في رقم قيدي أنني شيعي وليس فقط اسم الديانة؟

وعربيًّا، أحيا حزب الله ثقافة المقاومة، لكنه يمثل -بالنسبة لي- تيارًا يمكن أن نطلق عليه "تيار الأصولية الوطنية"، وهذا وحده غير كافٍ لإحداث التغيير الثقافي والإدراكي المنشود دون ثورة تصنعها قوى التغيير من قومية وناصرية وماركسية.

لماذا الرغبوية؟

* في رأيكم، هل تترك هذه الحرب -ولا سيما أنها أرجعت كثيرًا فكرة التفوق الإسرائيلي- بصمات إيجابية على البعد الثقافي للبنانيين والشباب منهم على وجه خاص؟

- للحرب أبعاد إيجابية منها تلهف بعض الشباب لقراءة كتب أمجادهم. وهنا لا يمكن إغفال الأثر الثقافي الذي تتركه الشخصية الفذة لـ"حسن نصر الله" على الشباب، فهو شخصية إيجابية وصادقة تمتلك الفعل.

وما أود التطرق إليه هو نقيض ذلك، وأقصد بعض الإشارات السلبية، ومنها أن الشعوب العربية تربّت ثقافيًّا على فكرة "الرغبوية"؛ أي إنها تسقط رغباتها على القائد وتربط أمنياتها بقدرات هذا القائد، مثال "جمال عبد الناصر"، وخطورة ذلك في أن نجاح القائد يكون نجاحًا للأمة وفشله يعني فشلاً لها.

ومن جانب آخر، فإنه تولدت لدى الشباب نزعة دينية، لكنها ليست دينية بالمعنى المتعارف عليه، هي نزعة أخذت شكلاً ثوريًّا بالمعنى "الفرويدي"؛ حيث فوجئنا بشباب يحمل صورة السيد نصر الله إلى جوار صورة الثوري اللاتيني "تشي جيفارا"، وهذا خلق عند البعض ثقافة "عبادة القائد".

والصورة التي يختزلها البعض في جملة مثل "حزب الله الموعود" أو ما شابه ذلك هي وعي من ثقافة لها بُعْد ميتافيزيقي غيبي، وهنا وجدنا بعض الشباب يجنح إلى تفسير ظاهرة المقاومة تفسيرًا غيبيًّا، وهذا على عكس الإيمان بفكرة المقاومة.

ولعلّ ذلك خطأ ربما يتحمله السيد حسن نصر الله ذاته، فخطابه السياسي في بعض الأحيان، قبل الحرب، جعله لغة سياسية لا يفهمها الآخر، فهو استخدم لفظ "الموت لأمريكا" بشكل تعبوي بلغ حدًّا أن بعض الناس وصفته بـ"أمير المؤمنين".

وعلى ذلك، فإن خطاب حزب الله كما له أمارات إيجابية، فإنه لم يخلُ من إشارات سلبية غير ظاهرة؛ لأنها كامنة في العقل الجمعي العربي، وهذا ما يجب أن يتخلص منه حزب الله والجماهير العربية.