مدارك: بوابة الثقافة والفكر الإسلامي المعاصر "إصدار تجريبي"
أرسل لصديق ||

معاركنا الثقافية.. فتش عن المستفيد؟

من المستفيد من إشعال المعارك الثقافية؟
السطح الثقافي في العالم العربي والإسلامي يبدو ساخنا لكنها سخونة لا تعكس قضايا ذات أهمية، أو ذات جدوى، أو حتى تمس مشكلات المواطن الحقيقية التي تؤرقه وتنغص عليه حياته صباح مساء بدءا من مشكلات الأسعار والسكن والتعليم وغياب الديمقراطية والاستبداد وانهيار المنظومة التي تحمي حقوقه.

يأتي هذه الحديث في ظل مجموعة من المعارك التي تطفو على سطح الأحداث بدون مقدمات أو مبررات وتشغل الرأي العام فترة من الزمن ثم ما تلبث أن تخبو وتخفت، لتظهر معركة أخرى يتبارى فيها المثقفون وحملة الأقلام وصفحات الجرائد إضافة إلى الفضائيات ومواقع الإنترنت للحديث فيها، الكل يتحدث في وقت واحد وبكثافة عالية ثم يصمتون في وقت واحد وكأننا أمام حالة من "الصيام الثقافي" يمسك فيه الجميع عن الحديث بعد فترة من الصخب.

أسئلة مشروعة 

هذه الحالة المقلقة بل المرضية في حالتنا وحياتنا الثقافية ليست وليدة اليوم أو اللحظة ولكنها حالة ممتدة في تاريخنا الثقافي الحديث؛ فالمطالع للمعارك الثقافية التي اشتعلت منذ بداية القرن العشرين وثار الناس والمثقفون حولها وانقسموا إلى تيارات وأشياع يرى أنهم لم يستطيعوا أن يحسموا تلك القضايا، وبقي الجرح الذي التأم على ما به من ميكروبات، قابلا للانفجار محدثا نفس الدوي والألم والانقسام الذي أوجده عند الإصابة به، ثم يتكرر الالتئام مرة أخرى على ما به من تلوث.

والسؤال الذي يصر على طرح نفسه هنا لماذا تفتح جبهات المعارك في حياتنا الثقافية؟ ولماذا تغلق؟ ومن المستفيد؟ وما النتيجة التي تجنيها ثقافتنا من خوض المعارك الجانبية، والمعركة "الغلط" توقيتا وجبهة وأطرافا؟.

كنا في أثناء دراستنا للعلوم السياسية في مادة "الثورة والتغيير السياسي" نناقش ما تقوم به بعض السلطات الحاكمة من تضليل وإلهاء للشعوب أو حتى لفئات معينة من أجل تمرير بعض القرارات منها المتعلق برفع الأسعار أو إصدار قوانين جديدة أو تمرير اتفاقات أو حتى التغطية على بعض عناصر الفشل في الأداء الحكومي، وكان من طريف ما تلجأ إليه تلك السلطات مثلا التبكير ببعض مباريات كرة القدم للأندية الكبيرة، أو نشر إشاعة كاذبة عن أن الجن والعفاريت تحرق قرية معينة، أو حتى الحديث عن أن بعض الممثلين بعثه الله بعد موته ثم أماته مرة أخرى، أو فتح النقاش حول قضايا فجة مثل ما طرحته بعض الصحفيات عن دعوتها لعدم ختان الذكور وليس الإناث، وهو ما أثار ضجة خفتت بعد أن انبرى فريق من العلماء في الرد عليها، أو فتاوى بعض "الصحفيين" بجواز التدخين في أثناء الصيام، أو حق المرأة في أن تعدد الأزواج وعلى غرار هذه القضايا تبدأ الملهاة الكبرى التي يتعرض لها العقل والثقافية العربية والإسلامية.

تضليل ثقافي 

تذكرت ما تناولناه في أثناء المرحلة الجامعية ثم نظرت في تاريخنا وواقعنا الثقافي وسعيت لإعادة قراءة المشهد من جديد، ووجدت نفسي أمام ملهاة كبرى في بعض القضايا ليس على مستوى داخلي لقطر معين، ولكن أمام عملية تضليل ثقافي كبيرة، وتابعت عددا من الأزمات التي نشبت في الفترة الأخيرة ومن بينها الأزمة الدانماركية وأزمة تصريحات البابا بندكيت السادس عشر وحادثة سب الصحابة في صحيفة مصرية... إلخ، فوجدت أن هذه المعارك التي خاضتها نخبتنا المثقفة ومن ورائها قطاعات من الجماهير كانت في بعض فصولها مضللة ووهمية بل قد تكون مقصودة، خاصة أن بعض نتائجها تعرضت لعملية توظيف سياسي كبيرة داخليا وخارجيا.

فمثلا أزمة الرسوم جاءت إبان الأزمة المستفحلة للقوات الأمريكية في العراق، وكانت واشنطن في حاجة إلى أي غطاء أو ضوء يغير اهتمام الجماهير عن الشأن العراقي، كما أنها جاءت في وقت تطالب فيه الجماهير العربية بحقها في الإصلاح السياسي، ومن ثم لا نستطيع أن نغض الطرف عن دوافع تلك المعارك الجانبية أو حتى عن توظيفاتها السياسية.

ومن يطالع التاريخ يجد فيه بعض المصداقية لمقولة أن هناك معارك تتم هندستها في حياتنا الثقافية، فإبان الاحتلال الإنجليزي لمصر اشتعلت معركة ثقافية كبيرة شاركت فيها غالبية الأقلام والنخبة المثقفة حول المرأة، ويلاحظ أن الداعم في فترة من الفترات لقضية تحرير المرأة كان الاستعمار البريطاني، بل إن السفارة البريطانية كانت تمد بعض الناشطات بالمال اللازم لإكمال مسيرتها فكانت تمول بعض الجرائد النسائية، وكان اللورد كرومر -المعتمد السامي البريطاني في مصر وصاحب مذبحة دنشواي- هو الذي سلط الأضواء على حجاب المرأة الشرقية، واعتبر هذا الحجاب رمزا لقهر المجتمعات الإسلامية ضد المرأة، في حين أن كرومر نفسه كان عضوا في جمعية بريطانية كرست جهودها لمحاربة المجموعات النسائية التي تسعى لتحسين أوضاع المرأة في إنجلترا.

أزمتنا.. ونخبتنا 

يقول الكاتب "عمر عبيد حسنة": "إن الكثير ممن يدعي النخبوية والقيادة من المسلمين مجرد من قابلية التفكير الإستراتيجي، وليس مجرد غياب الرؤية الإستراتيجية التي تبصّر بالأهداف وتحددها وتجدولها بحسب الأولويات، وتتعرف بدقة على الإمكانات المتوفرة، وتدرس الظروف المحيطة، وتتحسب للتداعيات الممكنة، وتستعد للاحتمالات المتوقعة، وتقوم بعمليات التقويم لكل مرحلة من مراحل الطريق".

ومن هنا فما لم يتوفر وجود قابلية للتفكير الإستراتيجي للنخبة المثقفة فسنستمر في خوض المعارك الغلط وسنكون أمام ظاهرة "تنمية التخلف" وسوء الإدراك
فالمثقف أو النخبة تكمن أهميتها في بعض الأحيان في قدرتها على طرح التساؤلات حول المشكلات التي يواجهها مجتمعها والسعي لتوفير الإجابة أو الحلول لها، فعند هذه المرحلة يبدأ طريق التفاعل والتلاقح الثقافي.

فالمثقف والنخبة هما أقدر من أي فئة في أي مجتمع طرقا لتساؤلات المجتمع، ومن ثم فإن كانت تساؤلات النخبة المثقفة هامشية سطحية تسعى وراء السراب أو تطرح كل ما هو غير جوهري أو تخوض معارك ثقافية على حواف المشروع الوطني أو هوامش المعركة الكبرى -نصبح أمام نخبة فاقد لبوصلة التوجيه.

ومن ثم فأزمة المثقف هي في حقيقتها أزمة كيانية لجسم الأمة كله، بل إنها أزمة القلب واللسان اللذين إذا صلحا صلح الجسد كله، ويتفق مع هذه الرؤية ما طرحه المفكر "مالك بن نبي" أن التغيير يبدأ من ميدان الأفكار لا من عالم الأشياء؛ وبالتالي فأي مشكلة يمر بها أي مجتمع أو حضارة هي نابعة في أصلها وعمقها من عالم أفكاره ومن جهازه المفاهيمي المعطوب الذي فقد أجهزة توجيهيه، وهذا ما يجعل الأفكار لا ترتفع إلى مستوى الحدث وإلى مستوى ما تطرحه المجتمعات الإنسانية الأخرى.

اختلال البوصلة وغياب القيم المعيارية داخل أي ثقافة لا بد أن يقود إلى حالة من "حرب الاستنزاف الثقافي" تتعرض الثقافة فيه لعمليات استلاب متتالية وخداع مستمرة تضللها عن مشروعها الحقيقي ومعركتها الرئيسية، ويجعل المشروع الثقافي والحضاري رهين التبعية الحضارية.

أمراض ثقافية 

من الذي يتحكم في وعي الجماهير

والواقع أن محاولة التغلب وتجاوز ما أسميناه "هندسة المعارك الثقافية" يتطلب النهوض بالحياة الاجتماعية، ومحاولة التغلب على الجوانب المرضية في حياتنا الثقافية التي تغلغلت فيها أنواع من الثقافات المرضية مثل: "ثقافة الإلغاء" و"ثقافة الحوار من طرف واحد" و"ثقافة التعالم" التي تحدث عنها "مالك بن نبي" في كتابه "مشكلة الثقافة" حين قال: "إننا كنا قبل خمسين عاما نعرف مرضا واحدا يمكن علاجه وهو الجهل والأمية، ولكننا الآن نرى مرضا جديدا هو التعالم".

والواقع أن مشكلة المعارك الثقافية المهندسة سلفا أنها تجعل الطرف المستهدف يبني مشروعه الحضاري والثقافي على أسس دفاعية تقوم على ردة الفعل والاستجابة للمثير، وليس على استقلالية المشروع، كما أنها تحول الثقافة إلى موقف وفي ظلال الموقف تغيب في الغالب المعرفة وتصعد إلى البؤرة الخطابات الأيديولوجية والخطابات المثيرة الحماسية التي تلامس سطح الحدث ولا تغوص في أعماقه.

وتخلق المعارك الثقافية المهندسة أجواء من التسمم في الحياة الثقافية؛ فتكون الألفاظ المستخدمة في السجال من عينة "التكفير، والتفسيق، والتخوين، والتجهيل والتسفيه، واتهامات العمالة، واتهامات الرشوة... إلخ"، كما أنها معارك تجد ساحاتها في شاشات الفضائيات، حيث ترتفع الأصوات أمام الكاميرات ونكون أمام "المدافع الصوتية" التي لا تحقق نكاية في عدو ولا دفاعا عن مشروع ولا فهما لقضية، ويكون المنتصر صاحب الصوت الأعلى وليس صاحب الحجة الأقوى، ومن ثم فأسلحة تلك المعارك المهندسة يتم استبدالها بأسلحة أخرى ربما من قبيل إصدار البيانات التي هي في حقيقتها تسجيل مواقف.


رئيس التحرير التنفيذي لموقع مدارك