مدارك: بوابة الثقافة والفكر الإسلامي المعاصر "إصدار تجريبي"
أرسل لصديق ||

متى يخلع المثقفون الحجاب؟

فاروق حسني أمام إحدى لوحاته
تابعت بعضًا من فصول "معركة الحجاب" بين وزير الثقافة المصري "فاروق حسني" وبين قطاع كبير من أعضاء البرلمان المصري، وما تبعها من تداعيات في الإعلام الفضائي والصحافة وجدل وصخب كبير، وشعرت بعدها بالقلق، ولا أنكر أنني خرجت بنتائج مهمة في مقدمتها: أننا ما زال بيننا وبين الاختلاف المثمر أزمان وأميال، وأن الضحية في ذلك هو الشعب الذي أصبح مغيبًا سياسيًّا وثقافيًّا عما يجري.

فعموم المصريين لا يدرك لماذا يختلف هؤلاء "المثقفون الديكة"، كما أنه ليس له مصلحة في أن يعرف، فهو غائب ومغيب؛ ولذا قرر أن يترك الساحة لهم؛ لكي يتقاتلوا بالكلمات، وانصرف هو ليركب الحافلة التي ينتظر وصولها كما ينتظر ليلة القدر ليعود إلى بيته بمجموعة من الأرغفة التي تسمو عنده في دورانها وجمال محياها على القمر ليلة البدر.

توظيف سياسي لأزمة ثقافية

وحتى لا نسير في فلك هؤلاء الذين انقسموا إلى شيع بعضهم كان أشبة بـ"المثقفين المرتزقة" الذين لا يختلفون كثيرا عن المرتزقة في الحروب، وهؤلاء تولوا إدارة المعركة وحولوها من معركة برلمانية إلى معركة حول كل شيء، بدءا من الدين ودوره في المجتمع والدولة، إلى معركة حول العلاقات بين أفراد المجتمع والعلاقة بين الفضيلة والحجاب.

لكن قبل الاقتراب من المشكلة هناك ملاحظة عامة على الحياة الثقافية في مصر، فالغالبية من الندوات التي تعقد والنقاشات التي تجري في المجتمع تفتح كل القضايا وكل ملفات الوطن ومشكلاته، ففي أي معركة أو ندوة أو أزمة تمتلئ صفحات الجرائد ويتبارز المتحاورون في الفضائيات وتشعر وكأننا أمام حرب حقيقية، ثم تمضي الأزمة ويمضي معها الجدل، وتبقى الملفات والمعاناة التي تركب الشعب المصري من شعر رأسه إلى قدميه.

رأى البعض أن "زوبعة الحجاب" تعبر عن أزمة مجتمع فقد بوصلته ويتجه للظلام، بل تعداه إلى اعتبار أن ما يجري هو "هرولة لذبح وزير الثقافة وإعدامه لمجرد أنه أبدى رأيا في مسألة قد لا يشاركه فيها قطاع كبير من الرأي العام".

وقفز آخرون ورأوا أن الأزمة تعرضت لتوظيف سياسي متنوع، بدءا من إشعالها من قِبل الوزير الذي أحس أن موعد خروجه من الوزارة قد اقترب (أمضى في الوزارة أكثر من 16 عاما وهي سنوات طويلة للغاية) وأن من الأفضل أن يخرج منها "شهيدا" كمثقف عصف به الجمود الديني عندما أراد أن يعبر عن رأيه في قضية، ومن ثم كانت هناك حاجة ماسة لشن "حرب استباقية ثقافية" في معركة سيخرج منها منتصرا في كلتا الحالتين إما بالاستمرار في مكانه (ما دام في صدره قلب يخفق) أو أن يصبح خروجه من الوزارة خروج الأبطال والقديسين.

ورأى آخرون أن الأزمة التي تمت إثارتها باستخدام فاروق حسني هي أكبر منه، فالنظام أراد أن يقبر مطالب الإصلاح ويجعلها تدخل في سكتة دماغية لأجل غير مسمى، وهذا يقتضي القيام بمعارك إلهاء، وعملية إغراق لما يسمى بالنخبة المثقفة التي سيحدث لها مع معركة الحجاب حالة كبيرة من الاستقطاب الحاد للغاية.

وبالتالي ندخل في المعركة المتكررة والتي ينجح النظام في إثارتها فيجعل خصومه يتقاتلون معا بدلا من أن يوجهوا سهامهم وانتقاداتهم له، ثم يدخل هو -أي النظام- في الوقت المناسب ويختار مع من يتحالف، سواء بالقرب ممن يسمون أنفسهم بالمثقفين -وبالتالي يحظى بأقلامهم ويحصل على رضا الخارج من مؤسسات وصحافة أجنبية- أو أن يقترب من المزاج العام الجماهيري -إذا اضطرته الظروف لذلك- فيجدد شرعيته ويعيد إنتاج نفسه مرة أخرى، أو بمعنى آخر يقوم بعمل "نيو لوك" وعملية تجميل عنيفة تعيده إلى شبابه، فيعود "الشيخ إلى صباه" منتشيا بقوة البطش وممسكا بشرعية الدين والقيم.

التفسير الثالث يرى وجود حالة من التمدد في الحالة الإسلامية بأشكال متنوعة، وأن هناك مساحات يسعى هؤلاء لإسباغ رؤيتهم عليها، أي سحب غطاء الدين وفتح مظلته على الجميع مجتمعا ودولة، وأن ما يسمى بالعلمانيين أو الليبراليين يدركون ذلك، ويدركون معه أن بعضا من مكونات الحالة الإسلامية قد طوروا أنفسهم بدرجة كبيرة خاصة في مساحات كان الليبراليون يعتبرونها حكرا عليهم أو أنهم سدنتها مثل قضية الديمقراطية والحريات.

فأصبح هناك تنافس فعلي على من يعطي أكثر في المجال الديمقراطي أو الحرية -طبعا بالكلام لأن الجميع يعاني من فقدها أمام سطوة النظام- وهنا كان المأزق، فبعض من الإسلاميين طوروا رؤيتهم وسلوكهم باتجاه أفكار الحداثة والديمقراطية، وهو ما روج بضاعتهم أكثر، لكن ما يسمى بالليبراليين أو العلمانيين أو المثقفين لم يقوموا بخطوات تطويرية باتجاه الدين، وهو ما يعني أن الزمن سيقود إلى تآكل مشروعهم، بل يأكلهم أيضا في ظل مزاج عام محلي، بل عالمي نحو الدين بشتى صوره، متجليا في صور مختلفة من تمدد للدين في المجتمع وبعض أروقة الدولة وفي الإعلام.. إلخ.

وتبعا لنظرية المؤامرة اللعينة فلم يصبح أمام هؤلاء "المثقفين" إلا إشعال معركة يستعيدون فيها نشاطهم ودورهم، بل يختبرون قوتهم، ولهذا فإن الحجاب هو المعركة الحقيقية والناجحة والميدان المناسب لتحقيق هذا الغرض.

الكشف العجيب

سيدات يتظاهرن في الأزهر احتجاجا على تصريحات فاروق حسني 

ورغم ذلك كشفت معركة الحجاب عن فصول مؤلمة من واقع الحياة الثقافية في مصر وفتحت ملفات تحتاج إلى نقاش، وأفرزت نوعا من التعاطي غير الجيد مع الأزمات الثقافية، ومن ذلك:

- أن هناك واقعا ثقافيا لا يرغب، بل لا يعرف طبيعة ودور المثقف في المجتمع وحدود هذا الدور، فالبعض ممن يسمون أنفسهم مثقفين اعتبروا أن دورهم هو الهجوم على الدين وعلى قيم الجماعة، تحت دعاوى حرية التعبير، وهو قول تعوزه الحقيقة، وخال من الشجاعة، لأن الدين في حقيقته ليس مصدر الأزمات التي تعيشها الثقافة المصرية والعربية، ولكن المشكلة في عمقها وبدون مواربة تكمن في "كهنوت السلطة" التي ترغب في أن تهيمن على كل شيء.

والمثقف من الضروري أن يخوض معركة إما مع السلطة وإما مع بديل كبير أيا كان، وفي ظل رغبة كثير من هؤلاء ألا يعيشوا دورا كفاحيا تنويريا، وألا يتحملوا ثمن المواجهة مع السلطة كان الدين هو البديل.

خاصة أن السلطة غيرت نهجها مع معارضيها المثقفين من الاعتقال والقهر والحرمان من لقمة العيش التي عاناها قطاع من المثقفين في الستينيات، إلى أسلوب جديد وهو "التدجين" حيث تحول المثقف إلى دجاجة تنتظر طعامها وشرابها في قفصها الحديدي المكيف، ثم تخرج ما يريد مالكها، وتنوعت عملية التدجين من إنشاء جرائد ودفع هؤلاء لرئاسة تحريرها والكتابة فيها، أو منح التفرغ، أو التعيين في وزارة الثقافة نفسها، أو نشر بعض كتب هؤلاء، أو حتى الجوائز التشجيعية والتقديرية التي تحفل بالكثير من المهازل.

- أن المؤسسة الدينية الرسمية كانت صامتة تماما، لم نسمع أحدا من قياداتها تكلم في القضية، ليس من قبيل الوازع الديني ولكن على الأقل مما يكفله لها القانون باعتبارها جهة اختصاص في القضية محل النزاع، وكأن الحديث الدائر هو عن حجاب الطيور في كوكب خارج الأرض، وهو ما يقلق لإظهاره أن المثقفين ليسوا وحدهم من تعرض لعملية تدجين ولكن آخرون.

بل إن أحد الكتاب الأقباط الكبار اعتبر أن "الصمت القبطي تجاه الأزمة هو عين العقل" ولسان الحال يقول: "هي القضية ناقصة الأقباط"، وإذا كان للعقل أن يصمت الأقباط، فماذا نسمي صمت المؤسسة الرسمية التي يشعر الإنسان معها أنها تناولت كميات ضخمة من الصمغ العربي الخام عاقتها عن الحديث، والناس في أشد الحاجة إلى سماع صوتها.

- أن وزارة الثقافة ووزيرها الحالي يمتلك رؤية للثقافة تقوم على أن الثقافة تشبه نموذج الانتخاب على درجتين، بمعنى أن الوزارة تقدم الثقافة للنخبة وهذه النخبة -من المفترض- أن تقدم الثقافة للشعب، ولذا كان اهتمام فاروق حسني الكبير بالمسرح التجريبي، والأوبرا، فكانت أوبرا "عايدة" التي أنفق عليها عشرات الملايين من الدولارات وقدمت للنخبة دون أن يستفيد منها الشعب، وهو ما يعني أننا بإزاء نموذج مقلق من وزارات الثقافة التي تجعل رسالتها خدمة من يتوافق معها وليس الشعب.

- استمرار عمليات "النفي الثقافي" بشدة، فمن يسمون أنفسهم بالمثقفين هم جماعة معينة احتكرت بعض المنابر واحتكرت بعض القطاعات في الوزارة واعتبرت أن ما دونها ومن خارجها ليس مثقفا، فالمثقف هو من على شاكلتها، ومن ثم فلا مجال للحديث عن المثقف المسلم أو غيره.

ليبرالي و"مكفراتي"!!

- يلاحظ في هذه الأزمة استخدام الأسلحة المحرمة أخلاقيا والفجة أيضا، ففي معركة "فاروق والحجاب" البعض –واستنادا إلى ما نشره موقع "المصريون"- طالب بعرض الوزير على الطب الشرعي، واستند في ذلك إلى أن الوزير شارك في مظاهرة للشواذ في إيطاليا إبان عمله هناك، كما أن الوزير -نفسه- استخدم ألفاظا فجة في التحقير من شأن المحجبات، بل اعتبر أحد الممثلين السينمائيين أن "المحجبة معاقة ذهنيا".

- الكل أراد أن يضرب بنصيب في هذا "الهرج الثقافي" والكثير أراد أن يسجل موقفا، ونظر البعض للقضية بطريقة غريبة، فحلل الحجاب تحليلا طبقيا، وأشار أن ما يسمى غطاء الرأس كانت لا تستخدمه إلا الخادمات، أما الحرائر من الطبقات العليا فكن حاسرات ومحترمات، واستند آخرون إلى أن جماعة الإخوان المسلمين التي يمثلها (88) عضوا في البرلمان تتحدث عن الحجاب، ولا تتحدث عن ارتفاع ثمن كيلو البصل إلى خمسة جنيهات. ولا أعرف لماذا اختار هذا المثقف  البصل على وجه التحديد؟!.

ورأى آخرون أن غضبة نواب الحزب الوطني هي محاولة لكسر احتكار الدين وتفسيره، فللحزب الحاكم أن يشارك بنصيب في تلك المعركة كنوع من التكفير عمن دخل البرلمان من أعضائه بالتزوير، بل وصل الأمر إلى التكفير، والطريف أنه جاء من جانب بعض الليبراليين حيث "كفر" من يعترض على فاروق حسني معتبرا أنهم ليسوا من الدين في شيء!!

- لكن تبقى القضايا الكبرى في الأزمة بلا جدل وبلا نقاش حقيقي، وفي مقدمتها: العلاقة بين الدين والثقافة، وحدودها وضوابطها ومجالاتها، وكذلك غياب المشروع الوطني الذي تنصهر فيها الطاقات، فالكل يحاول خطف السفينة، والجميع لا يحسن إدارة دفتها، وإذا كانت الصراعات بهذا الحجم والعنفوان على كل شيء فكيف التخلص من الاستبداد وإنتاج مشروع إصلاحي حقيقي.

- ويلاحظ أن الجميع لم يغضب للإنسان فجميع المتصارعين في الساحة الثقافية لم ينبرِ للدفاع عن الإنسان المصري والمظالم التي يتعرض لها، ولم نجد في هؤلاء جميعا من غضب الغضبة الكبرى على الآلاف التي ماتت حرقا في قطار الصعيد، أو على أكثر من ألف قتلوا في حادثة العبارة، ولم يكلف هؤلاء أنفسهم أن يلقوا باقة ورد في البحر تحية لأرواحهم التي عانت في الوطن الذي بخل عليهم بالكفن والخبز فخرجوا منه سنوات وعندما عادوا كانوا جثثا، وها هو الوطن يبخل أيضا بالثقافة والتراحم بين مكوناته، ويدخلهم في معارك الثقافة والوعي الكاذب الذي لا تختلف أعراضه كثيرا عن الحمل الكاذب.


رئيس التحرير التنفيذي لموقع مدارك