المسلمون والإنترنت.. من النص إلى التفاعل
ليس بالجديد القول بأن الدراسة المبدئية للبيئات المسلمة على الإنترنت تثبت أن هناك فرصة عظيمة لإعادة تقديم الإسلام والمسلمين؛ فاستخدام الإنترنت كوسيلة من وسائل الإعلام البديل والشخصي يمكن أن تساعد في كسر الصور النمطية التقليدية ليس فقط التي يحملها غير المسلمين عن المسلمين بل التي يحملها المسلمون عن بعضهم البعض.
بيد أن الدراسة المتأنية للأثر الذي يمكن أن يحققه الاستخدام الواعي لهذه الشبكة يجعلنا ندرك إمكانية ما هو أبعد من مجرد كسر الصور النمطية فقط، ولكن ينقلنا إلى احتمالية إعادة الفهم والاكتشاف ليس فقط للآخر بل وللذات أيضا.
نقاط مبدئية
بدأ استخدام المسلمين للإنترنت في أوائل التسعينيات، لكن موجات المد زادت في منتصف التسعينيات، وكانت البداية بجدل متوقع متكرر أوجده ذلك الحاجز النفسي المعروف وقتها بين المسلمين الملتزمين واستخدامات الوسائل الإعلامية، وثارت وقتها قضايا الخصوصية والإباحية قبل أن تستقر الإنترنت كوسيلة يمكن فهم ملامحها السلبية والإيجابية.
وعلى الرغم من هذه البداية المترددة، فإن وجود المسلمين على الإنترنت سرعان ما بدا أكثر حيوية ونشاطا من استخدامهم حتى لوسائل أقدم مثل السينما والتلفزيون، ولهذا أسبابه التي تبدو مفهومة: فالإنترنت تختلف عن صناعة السينما من حيث عدم حاجتها لبنى تحتية أو تقنيات معقدة، أو لنفس القدر من الاعتماد على التعبير البصري وما يمثله ذلك من استفهام وقلق شرعي.
وتختلف الإنترنت عن التلفزيون -الذي خضع للسيطرة الحكومية باستثناء المرحلة الحالية من انتشار الفضائيات- في أنها لا تحتاج إلى توفر استثمارات ضخمة، ومع الوقت تزايد إدراك النشطاء والمفكرين المسلمين لطبيعة الإنترنت ومميزاتها، بما جعل وجود المسلمين على الإنترنت أكثر حيوية وحتمية.
ويذكر جاري بونت في كتابه "الإسلام في الواقع التخيلي" أن "الوجود المبدئي للإسلام على الإنترنت ركز على الأطر التقليدية؛ فالشكل الأساسي للتعبير عن الإسلام على الإنترنت كان عرض نصوص القرآن والسنة باستخدام مميزات الوسائط المتعددة (الملتميديا) والنصوص المتشعبة Hyper texts".
ولكن هذا الشكل المبدئي الذي تحدث عنه "بونت" تطور سريعا إلى شكل أكثر تعقيدا، والذي اختلف تبعا لرؤية جماعات وتيارات مختلفة، وربما يكون الشكل الأكثر تأثيرا هو ذلك الذي حاول أن "يواكب التطورات الحديثة في كل المجالات مستدعيا رؤيته الإسلامية ما أمكن".
مخاوف السيولة
وأصبحت الإنترنت بخصائصها المختلفة من الخصوصية والتفاعلية "صوت مَن لا صوت له"، ووفقا لبونت "فإن الأقلية المعارضة في أي مجتمع ترى أن الإنترنت هي البيئة الآمنة التي يمكن التعبير من خلالها عن الاختلافات الثقافية والدينية والطائفية".
ولهذا فإننا نتوقع في هذا المنبر الإلكتروني أن نجد الكثيرين يقدمون أنفسهم كممثلين للإسلام ويتحدثون باسمه، وعليه فقد تصاعدت مخاوف بين العلماء حول ما يسمى "بتشظي السلطة"، والسلطة هنا غالبا ما يقصد بها السلطة الدينية خاصة في مساحات الفتوى والفقه.
وبينما تتصاعد المخاوف من السيولة في تقديم التفسيرات الدينية وموقف الإسلام من قضايا عديدة، فإن وجهة نظر أخرى ترى في الأمر إيجابية كبيرة وتحتفي به كشكل من أشكال التنوع والتعددية اتكاء على فهم للعلاقة ما بين النص المقدس والفهم الإنساني النسبي.
وهذا الفهم قد يضمن نوعا من احترام التنوع بدلا من التشظي عبر إدراك "المساحة التفاعلية" بين النص المقدس والفهم البشري؛ وهو ما قد يضمن احترام التقاليد والمناهج الإسلامية المختلفة طالما اعتمدت على ثوابت هذا الدين؛ إذ لا يوجد من البشر من يملك الحقيقة المطلقة؛ فالإسلام دين ديناميكي، ولديه قدرة على التناسب مع البيئات المتغيرة.
ويرى المفكر الجزائري "مالك بن نبي" أن الحضارة هي تحويل الأفكار الجيدة إلى حقيقة وواقع عملي. فالإسلام هو مجموعة من قواعد المنهجية، طريقة حياة ومشروع، ولكنه لا يتحول إلى حضارة إلا إذا وضع موضع التنفيذ، حينما يحمله أتباعه ويتحركون به إيجابيا ليؤثروا في البشر والمادة والزمن. ولهذا فإن المسلم يمكن أن يكون غير متحضر تماما مثلما يمكن أن يكون المسلم متحضرا".
الإنترنت.. وسؤال التغيير
يمكن النظر للإنترنت بشكل ما على أنها وفرت سبلا لتفعيل العلماء التقليديين والمفتين، ووضعتهم أمام تحديات ومشكلات الحياة المعاصرة، وأمام المخاوف المشروعة التي تتردد عن أصولية وصدقية الآراء الشرعية والفتاوى على الشبكة يمكن القول إنه يوجد نسبيا سبل منتظمة وسهلة الوصول للبحث عن مراجع دينية موثوقة، لكن وسيلة الإنترنت نفسها وبطبيعتها تضع مسئولية أكبر على كاهل مستخدم الإنترنت ليدقق في استفتائه ويقرأ الآراء الفقهية وفقا للسياق والظروف التي تخصه.
ويمكن أن تمد الإنترنت العلماء والمفتين بفرصة عظيمة للتشبيك والاتصال، وهو ما يمكن أن ينمي بشكل أساسي عملية التفاعل الواجبة لتشكيل مواقف الأمة، ويرى الشيخ راشد الغنوشي أن صعوبات التواصل والاتصال بين المسلمين كانت ضمن أسباب فشل المسلمين في تطبيق الشورى كإحدى قيم النظام السياسي.
إن الحديث عن مزايا وعيوب الوجود على الشبكة يقود إلى سؤال حول إذا ما كانت الإنترنت يمكن أن تحدث تغييرات اجتماعية وثقافية وسياسية في المجتمعات، وهو سؤال يعد من الأطر العامة الضابطة لفهم الأثر الفعلي لوجود المسلمين على شبكة الإنترنت.
والواقع أنه لا توجد إجابة مباشرة بسيطة على هذا التساؤل، فالإجابة معقدة مثل الإنترنت نفسها؛ حيث يتم استخدامها في سياقات مختلفة وتتباين عادات استخدامها.
الحياة الاجتماعية للمعلومات
|
|
| الإنترنت جعلت التواصل الإنساني أكثر رحابة |
إحدى الحقائق الأساسية لفهم أثر الإنترنت الاجتماعي أو الثقافي هي أن "الحياة الاجتماعية للمعلومات مثل تحويل المواد المعلوماتية الخام إلى معرفة، هي مهمة النشاط الاجتماعي للبشر، فمن اللافت أن كثيرا مما نتعلمه يِأتي من التفاعلات غير التقليدية بيننا كتلاميذ وبين أساتذتنا".
وهناك حاجة لفهم العلاقة المتشابكة بين تكنولوجيا المعلومات والسياقات الاجتماعية والثقافية المختلفة؛ فبعض المفكرين يرفضون النظر للإنترنت كسبب في التغيير خاصة على المستوى السياسي، على اعتبار أن غالبية العرب والمسلمين يتأثرون بالثقافة الشفهية؛ وهو ما يرتبط بأسباب اجتماعية ثقافية مع وجود نسب كبيرة من الأمية، كما أن استخدام الإنترنت يحتاج إلى الكثير من المهارات في استخدام الكمبيوتر واللغة؛ وهو ما يجعل تأثير الإنترنت خاضعا لعوامل متعددة.
ولكن هناك وجهة نظر أخرى تشير إلى أن عملية التغيير عبر الإنترنت وثورة المعلومات هي عملية شديدة التركيب، وهذا لا يرتبط بالوسيلة نفسها فقط، ولكن -أيضا- بطبيعة المستخدمين، فبعض المستخدمين هم نشطاء بما يكفي لتحرير الرسالة من وسيلتها (الإنترنت) عبر الطباعة الورقية لها أو التواصل مع الناس شفهيا لتوصيل الرسالة التي لا تزال متأثرة بخصائص الإنترنت، إلا أن واحدة من أهم الأشياء التي يجب أن يدركها مستخدمو الإنترنت هي التعرف على خصائص هذا الوسيط؛ فمعمارية الشبكة تحدد خصائصها، علما بأن غالبية العالم الإسلامي هم من المستهلكين لا المنتجين لهذه التكنولوجيا.
الاتصال والتواصل
الوسائل الإعلامية عادة ما تعمل في إطار ثقافة تقدم احتياجاتها؛ فعلى سبيل المثال الكثيرون ممن يمكن تسميتهم بـ "سيسيولوجي الشبكة" يرون أن العلاقات التخيلية والاتصالات في الواقع المتخيل عاكسة لحاجة المجتمع لما يعرف بالأماكن "الثالثة" والتي وصفها "أولدنبرج" بأنها قلب الحياة العامة غير الرسمية" وهي الأماكن الاجتماعية المجانية أو الرخيصة المحلية.
وهذه الأماكن قد اختفت لاعتبارات الفردية وعجلة الحداثة المرعبة، ولهذا فكثير منا لديه شعور متزايد بأننا بحاجة إلى أن نأوي لما يشبه هذه الأماكن وهي -وفقا لاولدنبرج- ضرورية للمجتمع حتى ينمو. وجزئيا فإن "التواصل التخيلي هو رد عن التعطش لحضور الجماعة الاجتماعية، وقد يكشف الميل للتواصل الإلكتروني عن عدم القدرة على الاندماج في المجتمعات التقليدية حول العالم.
ومما سبق يمكن تخيل العلاقة المتشابكة بين الحقيقة والواقع المتخيل، ويمكن ملاحظاتها في مواقف كثيرة وعبر سياقات مختلفة من محاولة إشباع الحاجات أو تجاوز المشكلات، وعلى سبيل المثال، فإن الكثير من العرب والمسلمين عانوا الإحساس بالعجز في أثناء الانتفاضة الفلسطينية والحرب ضد العراق، وكانت الشبكة ساحة لإظهار هذه المشاعر والرغبة في تغيير الواقع المأزوم، وعليه كان على محرري الشبكة أن يدركوا ضرورة إنتاج رسالة متوازنة بين استثمار حالة الاهتمام وعدم تشجيع الإيهام بالفعل التخيلي (عبر الشبكة) وحده.
هذه التغطية المتوازنة لا يمكن أن تتحقق دون معرفة كافية بكل من معمارية الإنترنت والسياقات الواقعية، واستيعاب كلا المجالين يُمكن من خلق حلول مميزة وتوفيقات لقضايا إشكالية، وبمخاطبة الجماعات الاجتماعية بدلا من الأفراد فقط، يمكن تفعيل هذه الجماعات بدلا من تهميشها واعتبار التواصل الإلكتروني بديلا عنها.
وهناك مشكلات اجتماعية ونفسية يمكن أن تفهم وأن تحل باستدعاء أكبر للبنى الاجتماعية الواقعية، فعلى سبيل المثال: فالاتصالات الشخصية والبينية على الإنترنت قد أفرزت ما عرف بظواهر "الحب الإلكتروني" وهو صورة مثالية لكل من الرجل والمرأة تنبع من علاقتهما الإلكترونية التي تخلو من أي مسئوليات، وجاءت خبرة الصفحة التفاعلية لمشاكل وحلول الشباب على شبكة "إسلام أون لاين نت" لتطرح قاعدة أساسية للتعامل مع مشكلات الحب الإلكتروني وما شابهها؛ ففي الواقع المتخيل كما في الحياة العامة هناك مجال خاص وآخر عام، وأحد التفاعلات الآمنة الصحية بين الرجال والنساء هي الالتقاء حول تلك المناشط العامة بدلا من التفاعلات الخاصة حيث تتزايد مخاطر التوهم، الصفحة نفسها تربط بين المجتمع الحقيقي حيث يواجه أغلب الشباب مشكلات الفراغ ومحاولة قتل الوقت بحثهم على التفاعل والمشاركة أكثر في مجتمعاتهم.
بين الحرية والثقة
|
|
| شباب يسير في طريق التفاعل |
إن التفاعل الإنساني يبرز قضية الثقة، والثقة في فضاء خال من الاسم صعبة ولكن ليست مستحيلة التحقق، وهنا ندرك صعوبة التفاعل الإنساني على الواقع المتخيل؛ حيث الحجم الهائل من الحرية يوازيه نقص في الثقة، وكلاهما نتيجة إغفال ذكر الاسم على الشبكة وما يرتبط به من معلومات وبيانات، ومن هنا كان متوقعا أن تزدهر النقاشات حول التابوهات المعتادة (السياسة، الدين، الجنس)؛ فالحرية النسبية للتعبير على الإنترنت يمكن أن تخلق مناخا مناسبا لمناقشة المشكلات النفسية والجنسية والاجتماعية.
ووفقا لخبرة "إسلام أون لاين.نت" كانت مناقشة القضايا المحرمة على الصفحات الاستشارية صادمة لكثيرين، ولكن بعد فترة أدرك الجمهور الفارق بين الظاهرة المثيرة التجارية على الويب ومناقشة القضايا الحقيقية والمشكلات الاجتماعية. هذه الفرصة أظهرت النصف الخفي من مجتمعاتنا، وساعدتنا على تقوية البنى التحتية لحياتنا الاجتماعية.
هذه الخبرة نفسها أشارت إلى أهمية التخصص، وكذلك توظيف العلاقات البينية في المجالات المختلفة؛ فالمشكلات الاجتماعية يناقشها علماء الاجتماع والنفس إضافة إلى المتخصصين في الشريعة، وبالمثل يمكن للشرعيين أن يستشيروا الأقسام والتخصصات الأخرى؛ وهو ما يمد مختلف المتخصصين بوعي شامل، والمنهج الذي اتبع في الخدمات الاستشارية في "إسلام أون لاين.نت" لا يقترح أو يفرض حلا ولكنه ينير للمستخدمين الطريق ويوفر لهم قدرا من الوعي والمعرفة المعمقة والمتنوعة حول موضوع معين.
مزايا الاستخدام الواعي
وهناك المزيد من الخصائص للإنترنت التي يمكن أن تؤثر في المجتمع إذا ما تم استخدامها بالتوازي مع الوعي بتحدياتها، مثل:
- أن الإنترنت ساحة للإعلام البديل، وتمثل منافسا حقيقيا للإعلام السائد، ربما لا تحل محله ولكنها تؤثر فيه بشكل عميق.
- أن الإنترنت تعطي فرصة أكبر لتمثيل الحياة اليومية والاتصال التفاعلي والشخصي.
- تمثل غرف الدردشة وساحات الحوار تحديا لإعادة اكتشاف الذات والآخر؛ فالإنترنت تعيد اختبار القضايا المزمنة مثل قضية الهوية؛ فعلى سبيل المثال فإن المسلمين في الغرب لديهم وسيلة إعلامية مختلفة عبر الإنترنت والتي ربما تعيد تشكيل هوياتهم، على اعتبار أن مفهوم الهوية يرتبط بشكل قوي بمعرفة المسلمين وأحوالهم.
هذه الخصائص والكثير غيرها مما يحتاج للدراسة والتعميق، ولا يعني ذلك بالضرورة أن الإنترنت هي "صوت من لا صوت له"؛ إذ تواجه هذه المقولة حقيقة واقعة هي الفجوة الرقمية، وأحد مظاهرها السيطرة الكاملة للغة الإنجليزية على الشبكة؛ فغالبا ما توجد معلومات محدودة عن دول العالم النامي على الشبكة، وعلى كُتّاب الشبكة أن يقاوموا هذا بتغطية متساوية لقضايا هذه المناطق عبر استكتاب واستنطاق أبناء تلك المناطق.
ونظرا لتنوع المسلمين اللغوي فإنهم يستطيعون لعب دور في تقديم المشكلات والقضايا بلغات مختلفة ليس فقط للمسلمين ولكن للإنسانية جمعاء.


















