الصحافة الإسرائيلية: نعم.. ولا.. للحرب
أحدثت الحرب الإسرائيلية على لبنان، التي دخلت أسبوعها الثالث، جدلاً صاخبًا وسط النخبة والمعلقين السياسيين والعسكريين تجلت عبر وسائل الإعلام الإسرائيلية.
ودار الجدل حول طبيعة الحرب الحالية، وهل هي "حرب خيار"؛ بمعنى أن إسرائيل قادتها وفقًا لإستراتجيات وخطط عسكرية موضوعة سلفًا، أم أنها "حرب لا خيار" نجمت عن عملية حزب الله؟
هذا السؤال أظهر تباينا في المواقف بين طرفين، وأخرج قضية خلافية أخرى لنفس النخبة حول السؤال المهم الذي يطرق أبواب إسرائيل: "هل نواصل الحرب أم نوقفها"؟
حرب اللاخيار
"فحرب اللاخيار" تعني وفقًا للمفهوم الإسرائيلي العسكري القتال بالوسائل الحربية كافة لوقف خطر يهدد وجود الدولة اليهودية، بينما "حرب الخيار" هي حرب خاطفة هجومية تشنها إسرائيل كإجراء وقائي.
"يؤيل ماركوس" المعلق السياسي بصحيفة "هاآرتس" حمل لواء الإعلاميين المؤيدين لتسمية هذه الحرب بأنها "حرب اللاخيار"، يقول: "إنني، وخلافًا لاعتقاد بعض زملائي، أعتقد أننا هنا أمام حرب اللاخيار، التي تُلزمنا بالخروج منها منتصرين. يتوجب ضربهم برا وبحرا حتى يتراجع حزب الله إلى ما وراء الخطوط الدولية، وإذا لم يتعاون حزب الله مع تسوية برعاية الأمم المتحدة، ورفض الانتشار شمالي الليطاني، لن يكون هناك مفر أمام الجيش من مواصلة توجيه الضربات له والقيام بعمليات تطهير ضده من موقع إلى آخر؛ فقواعد اللعبة التي فرضها حزب الله يجب أن تتغير، والوضع الراهن ليس مقبولاً".
ويتابع: "من المحظور ترك المجابهة مع حزب الله تتدهور إلى حرب استنزاف، من المحظور أيضا توسيعها بما يتجاوز أهدافها، ومن المحظور وضع الشعب الإسرائيلي في اختبار كبير جدا حتى لا تنفجر الجبهة الداخلية التي نتفاخر بها في وجه الحكومة. المشكلة هي أننا لا نملك كل الوقت المُتاح في العالم".
ويتمنى الكاتب قائلا: "يا ليت الجيش يعيد لنفسه التصميم والعزيمة والحكمة، وأن يعرف كيف يضع النقطة في التوقيت الملائم وفي النتيجة الصحيحة".
على ذات المسار، يؤيد المعلق بصحيفة "يديعوت أحرونوت" "سيفر بلوتسكر"، "ماركوس" في أن إسرائيل دخلت هذه الحرب وهي مُجبرة عليها، بسبب عملية حزب الله.
"بلوتسكر" يرى أن إمكانية تحقيق النصر على حزب الله بديهية، ويرفض نظريات وتحليلات بعض المعلقين التي تقول إن الجيش النظامي لا يمكنه قهر جيش يقاتل بطريقة العصابات.
وذهب إلى أبعد من ذلك بالتأكيد على أن الجيش الإسرائيلي قادر على إلحاق هزيمة نكراء بميلشيا حزب الله، وأن الدول ذات الجيوش النظامية القوية يمكنها دحر منظمات الإرهاب.
الخبير في الشئون العسكرية بصحيفة "هاآرتس"، "زئيف شيف"، حلل في البداية تركيبة القوات المقاتلة في حزب الله للوصول لتصنيف هذه الحرب، فقال إن قوات حزب الله تتشكل من وحدتين خاصتين: الأولى هي وحدة تسمى "وحدة ناصر"، تتألف من 500 مقاتل، يتمركزون في مواقع على الخطوط الأمامية المختلفة الممتدة بين القرى في مركز وشرق القطاع الأول من الجبهة، والثانية مُنتشرة في منطقة صور وصيدا ومزودة بصواريخ بعيدة المدى أكثر.
وهو يرى أن إسرائيل الآن في حرب اللاخيار التي تتطلب استخدام القوة العسكرية كلها للحفاظ على الوجود اليهودي بأرض إسرائيل.
حرب الخيار
|
|
| هل تنتظر إسرائيل الهزيمة؟ |
على النقيض من هذه الرؤية، يرى المحلل السياسي بصحيفة "معاريف"، "بن كسبيت"، المُقرب لدائرة صنع القرار بالحكومة الإسرائيلية، أنها "حرب خيار".
ويلفت إلى أن غالبية الإسرائيليين يريدون تدمير حزب الله، لكنهم يشعرون في دواخل أنفسهم أن إمكانية ظهور أمين عام حزب الله، حسن نصر الله، في النهاية يُلقي على الأمة العربية والشعب الإسرائيلي خطاب النصر يمكن أن تتحقق.
"بن كسبيت" وصف خطاب النصر المنتظر من قبل "حسن نصر الله" بأنه "خطاب الإهانة لإسرائيل ومؤيديها في العالم".
ويعرب عن تشاؤمه حيال فوز إسرائيل بهذه الحرب في نهاية المطاف، "فحزب الله العدو الأكثر شدة على إسرائيل، وممارسته للعبة القط والفأر لن تكون في صالح إسرائيل". وحدد علامات النصر بالقول "الطرف الذي سيخسر أقل في هذه الحرب هو من سينتصر، ولا أعتقد أن ذلك سينطبق علينا".
في نظرة مُشابهة، اعتبر الخبير السياسي بصحيفة "معاريف"، "عمير ريبابورت"، أن كلا الطرفين (إسرائيل وحزب الله) لن يرفعا الراية البيضاء، وأن حزب الله سيكون هو الطرف الأكثر فوزًا في هذه الحرب؛ لأن استمرار الحرب لأمد طويل سيُكبد الجيش الإسرائيلي مزيدًا من الخسائر.
ويشير إلى أنه في النهاية سيخرج علينا رئيس الحكومة ووزير الدفاع ليعلنا أن مهمة الجيش قد نجحت، وعندما تسأل أي مهمة تلك التي نجحت؟ سيرد أحدهما لقد أضعفنا حزب الله.
وتابع "ريبابورت" قائلا: "حزب الله سيقوم بقصف الصواريخ على إسرائيل حتى آخر يوم في الحرب، ويتساءل عن جدوى احتلال مدن وقرى لبنانية من قبل الجيش الإسرائيلي وحزب الله لا يزال منظمة عسكرية قوية تعمل بنشاط ضد إسرائيل".
الحرب ثم الحرب
|
|
| أولمرت يجاهد في سبيل إقناع الشعب بحربه الفاشلة |
من هذه القضية الخلافية حول خيار الحرب لإسرائيل أو عدم خيارها، خرجت قضية تشغل الرأي العام الإسرائيلي مع دخول الحرب أسبوعها الثالث، وإسرائيل تخسر مزيدًا من جنودها، وهي قضية استمرار الحرب أم وقفها؟
على المستوى الرسمي، ينفخ "أولمرت" و"بيرتس" في بوق الحرب باستمرار، وكان آخرها تصريح أولمرت الأربعاء 26-7-2006 خلال زيارة قام بها إلى المنطقة الشمالية الإسرائيلية "الحملة العسكرية لن تستغرق شهورًا، وفي الوقت نفسه لن نعلن عن وقت نهائيا".
وعلى دربهما يسير نائبه الأول والرجل الثاني بحزب "كديما"، "شيمون بيريز"، وينادي بضرورة العودة لنصائحه في حرب لبنان عام 1982 التي طالب فيها باستمرار احتلال بيروت، طالما بقيت التهديدات تؤرق بال وأمن الإسرائيليين.
والحقيقة التي لا جدال فيها، أن زعيم اليمين الإسرائيلي الجديد، "أفيجدور ليبرمان"، رئيس حزب "إسرائيل بيتنا"، ومعه "بنيامين نتنياهو"، رئيس حزب الليكود هما أكبر محرضين على استمرار الحرب ضد لبنان.
فنتنياهو الذي ظهر في الحرب كمحلل عسكري يكتب في الإصدارات الصحفية المختلفة، دعا "أولمرت" في أحد مقالاته بصحيفة "معاريف" لتشكيل حكومة طوارئ أمنية تتكون من وزراء حرب لوضع خطط حربية ضد لبنان وسوريا، ووقف "عامير بيرتس" عن إدارة الحرب الحالية لفشله في إدارتها.
هذه الدعوات تصفها صحيفة "هاآرتس" اليسارية بأنها تؤدي لتحفيز "أولمرت" و"بيرتس" على شن مزيد من العمليات العسكرية غير المعلوم عواقبها ضد لبنان.
وإلى أبعد من ذلك، طالب وزير الدفاع السابق، "شاؤول موفاز"، في مقاله بصحيفة "يديعوت أحرونوت" حكومته بالدخول في الحرب ضد سوريا أيضا، ورأى أن الولايات المتحدة لن تتخلى وحلفاءها عن الوقوف بجانب إسرائيل في حربها ضد ما سماهم بالإرهابيين في حماس وحزب الله وسوريا وإيران.
أوقفوا الجرائم
الجانب الآخر المُعارض لاستمرار الحرب في لبنان آخذ في التعاظم في ظل الخسائر اليومية للجيش الإسرائيلي بلبنان، فضلاً عن خسائر الإسرائيليين أنفسهم في المدن الشمالية وغيرها.
نشطاء اليسار الإسرائيلي يتجمعون هذه الأيام بشكل مستمر مساء كل ليلة في "ميدان رابين"، يحملون شعار "أوقفوا الحرب"، ويرون أن "أولمرت" و"بيرتس" يقومان بجرائم حرب في لبنان.
الكاتب الإسرائيلي عضو حركة السلام الآن اليسارية، "أوري أفنيري"، هو أحد أنشط هذه الأصوات في الوقت الراهن، ومقالاته شبه يومية في الصحف العبرية حتى المُعارضة لخططه، منها مقاله بصحيفة "معاريف" تحت عنوان "حرب غير مُبررة".
"أفنيري" هاجم الحكومة على رغبتها في استمرار الحرب، ونصحها بالتوقف قليلاً والتفكير في صورة إسرائيل التي تتشوه يوميا من خلال المشاهد التليفزيونية التي تنقلها كل فضائيات العالم، للأطفال والنساء اللبنانيين.
ويتساءل: إذا كانت الحرب ضد قوات حزب الله مُبررة لأنهم اختطفوا جنديين، فماذا عن المدنيين الذين تقتلهم إسرائيل يوميا دون أي ذنب، وقال: إن "أولمرت" يسعى لإدراج نفسه على قائمة الزعماء الإسرائيليين، متصورًا أنه بهذه الحرب غير المُبررة سينال رمز البطولة في إسرائيل.
أما حركة "السلام الآن" نفسها فقد طالبت بوقف الحرب على الفور، واتهمت الحكومة بأنها عاجزة عن مواجهة حزب الله عسكريا، وبالتالي فإنها تحاول إرضاء بعض أصوات اليمين الإسرائيلي المُتشدد بالنفخ في بوق الحرب.
الحركة وصفت في بياناتها العديدة منذ انطلاق الحرب، في الرابع عشر من يوليو الجاري، عمليتي حركة حماس وحزب الله بأنهما عمليتان عسكريتان، وضد جنود إسرائيل وليس ضد مدنيين.
وطالبت بأن ترد إسرائيل –إذا كانت لا بد فاعلة- على هاتين العمليتين بعمليات عسكرية ضد قوات حماس وحزب الله المقاتلة وليس ضد مدنيين، بل إنها دعت لوصف أوضاع الجنود الثلاثة الإسرائيليين بالأسرى وليس بالمختطفين.



















