السعودية المنسية في الأزمة اللبنانية
ولكن الملاحظ في التغطية الإعلامية العربية لحرب لبنان الحالية هي أن كلا الموقفين المصري والأردني نال حظًّا وافرًا من الانتقادات في حين لم تحظ تصريحات المسئولين السعوديين بنفس القدر من النقد، فعلى سبيل المثال خصصت صحيفة العربي الناصري صفحة كاملة في عددها الصادر (23-7-2006) للانتقادات التي وجهت على مواقع الإنترنت لتصريحات الرئيس المصري، وخاصة تلك التي تناولت بالسخرية استخدامه لتعبير "البتاع ده" للإشارة إلى حزب الله.
كما انتقدت صحف أخرى كجريدة القدس العربي الموقف المصري، وكتب رئيس تحريرها عبد الباري عطوان مقالا بعنوان "عقلانية مبارك وجنون نصر الله" (27-7-2006) انتقد فيه الموقف "العقلاني" للنظام المصري، معتبرا أن "عقلانية الرئيس مبارك هذه التي يتغنى بها رجالاته حولت مصر العظمى إلى دولة قزم ليس لها أي نفوذ أو تأثير داخل محيطها، وهي التي كانت تحسب حسابها الدول الكبرى، وتشارك كلاعب أساسي في صياغة العلاقات الدولية والتحالفات السياسية العالمية"
ولكن في مقابل هذا النقد للموقف المصري بدت الأصوات المنتقدة للموقف الرسمي السعودي خافتة للغاية خاصة في ظل تبني الصحف السعودية (الشرق الأوسط-عكاظ... إلخ) للموقف الرسمي إلى حد التماهي معه، فما هو تفسير هذا التباين في المواقف؟
المال السياسي.. والمثقف المشروخ
الكاتب والأكاديمي السعودي الدكتور "سالم بن أحمد سحاب" يرى أن كُتَّاب الأعمدة والمقالات في الصحف السعودية مسيرون وليسوا مخيرين في تبني أي موقف. وقال: "نحن محكومون بتوجه معين لا ننشر أي شيء، فمن أول يوم وقعت فيه الأحداث تم إبلاغنا من الصحف التي نكتب فيها بألا نؤيد أي موقف أو أي توجه".
وأكد أن "الأعمدة والمقالات في الصحف السعودية شهدت تناولا للقضية لا سيما بعد انتقاد السعودية للموقف الأمريكي المؤيد لإسرائيل، وبات بعض المثقفين يكتبون عن القضية، ولكن دون تجديد"، وأن "القضية اللبنانية لم تأخذ وضعها في الصحافة السعودية فالكلام الذي يُكتب أصبح مكرورا"، وأشار إلى أن "الناس ملت من الكتابة التي أصبحت لا تقدم ولا تؤخر".
وتساءل عن ذلك قائلا: "يبقى التساؤل: لماذا نحن هكذا؟ هل بسبب التركيبة الاجتماعية أو الثقافة؟ لا أدري!".. ولكنه استدرك قائلاً: "نحن محكومون بتوجه معين، وهذا ما أفرز نغمة متكررة حتى أصبح المثقفون وقادة الرأي أسطوانة مشروخة".
وفيما يتعلق بغياب النقد للسعودية في الصحافة على ضوء الأزمة اللبنانية فيرى الدكتور محمد السيد سعيد، نائب رئيس مركز الأهرام للدراسات الإستراتيجية، أن هذا التحليل قد يكون صحيحا في حالة الصحافة المطبوعة أو المكتوبة التي امتنعت عن نقد السعودية، ولكنه صحيح بدرجة أقل فيما يتعلق بالصحافة التليفزيونية؛ فهناك فضائيات عربية كقناة الجزيرة مثلا تولت إبراز النقد للموقف السعودي من خلال برامجها الحوارية، ومن خلال مقابلتها مع أمين عام حزب الله السيد حسن نصر الله.
أما الصحافة المكتوبة فإن سيطرة المال السعودي على أغلب المؤسسات الصحافية في العالم العربي سواء بشكل مباشر، يتمثل في التمويل كصحف الحياة والشرق الأوسط، أو بشكل غير مباشر يتمثل في الإعلانات المدفوعة الأجر في الصحف، أو توزيع الصحف داخل المملكة يؤثر بشكل كبير في تناول هذه الصحف للشأن السعودي، فلا تجرؤ صحيفة عربية كبيرة على نقد السعودية أو نقد سياستها الخارجية أو تناول قضايا المجتمع السعودي الداخلية، ومن يجرؤ على ذلك هي بعض الصحف ذات التوزيع الداخلي ورأس المال المحدود.
ويرى الدكتور سعيد أن الصحافة العربية بشكل عام تمثل مجال جذب للمال السياسي؛ إذ يحتكر تمويل هذه الصحف دول أو أحزاب أو عائلات سياسية مما يحدد أجندة كل صحيفة، والسعودية بالذات تتميز بهذا القدر من النفوذ والتغلغل في الصحافة العربية أكثر من أي دولة عربية أو خليجية أخرى، فنحن نشهد في الصحافة المصرية مقالات تنتقد الكويت مثلا، ولكن لا نجد مثل هذه المقالات حين يتعلق الأمر بالسعودية..
الفلك الأمريكي
|
|
| المفكر عبد الوهاب المسيري |
المفكر المعروف الدكتور عبد الوهاب المسيري يرى القضية بشكل مختلف، وهو أن مسألة التمويل السعودي للصحف العربية هي أمر ثانوي، ولكن المشكلة الأساسية هي أن كلا من مصر والأردن هما دولتان من دول الطوق، ودول المواجهة مع العدو الإسرائيلي؛ وبالتالي فإن تصريحات قادة هذين البلدين بشكل عام ومصر بشكل خاص تحمل وزنا وقدرا من الأهمية يفوق تصريحات المسئولين السعوديين خاصة مع كون مصر في حالة مواجهة مع إسرائيل، وأنها تطرح نفسها كوسيط بين المقاومة وإسرائيل؛ ولذلك قوبلت تصريحات الرئيس المصري بقدر كبير من الصدمة؛ لأن الجماهير العربية رأت فيه تخليا عن المقاومة في هذا التوقيت وتحميل المسئولية عما يجري بالكامل لها، والأمر نفسه ينطبق على الأردن، وهي دولة نصف سكانها على الأقل من الفلسطينيين.
ورأى المسيري أن مصر لاعب أساسي في المنطقة، وهي أول دولة وقعت معاهدة سلام مع إسرائيل وهي معاهدة كامب ديفيد التي أخرجت مصر من الجسد العربي، وتصريحات الرئيس المصري في هذه الأزمة هي استمرار لنهج كامب ديفيد الذي كرس فكرة أن "99% من أوراق اللعبة في يد أمريكا".
وردا على سؤال حول إذا ما كان الموقف المصري يتبع الموقف السعودي؟ يرفض الدكتور المسيري ذلك، ويرى أن كلا الموقفين المصري والسعودي يدوران في الفلك الأمريكي، وكلاهما بات ينظر بقلق إلى النفوذ الإيراني الذي بدأ يتعاظم في المنطقة بسبب انسحاب العرب من الساحة؛ ولذلك فإن النظام العربي الآن معزول تماما عن الجماهير العربية التي تؤيد المقاومة، فمن يقف ضد المقاومة يقف ضد شعبه.
ويرى المسيري أن الأنظمة العربية حاولت إثارة نعرة طائفية واللعب على وتر الخلاف بين السنة والشيعة في العالم العربي، ولكني أحمد الله أن المؤسسات السنية الرئيسية تصدت لهذه المحاولات كما فعل الشيخ يوسف القرضاوي واتحاد علماء المسلمين وغيرها من الجهات.
وتعليقا على الدور الإيراني الذي تخشى الأنظمة العربية من تعاظمه، يرى المسيري أن هذا الدور الإيراني أصبح أقرب للجماهير العربية من أنظمتها الحاكمة بسبب مواقفه الداعمة والمؤيدة للمقاومة في كل من فلسطين ولبنان.
انتظار وضوح الرؤية
|
|
| الدكتور محمد السيد سعيد |
ويذهب المحلل السياسي المصري الدكتور عبد العليم محمد إلى رؤية مغايرة فيقول: قد أغامر بتفسير لهذه الظاهرة، وهي أن المكانة الدينية التي تحظى بها السعودية لاحتوائها على أقدس الأماكن بالنسبة للمسلمين؛ ولأن ملكها يحمل لقب "خادم الحرمين الشريفين" تجعلها -أي السعودية- تحظى بقدر من الاحترام والتبجيل في العالمين العربي والإسلامي، أضف إلى ذلك أن ملك السعودية الحالي (عبد الله بن عبد العزيز) معروف بمواقفه ذات الطابع العروبي والقومي؛ حتى إن البعض كان يصنفه خلال فترة ولايته للعهد كأحد "القوميين العرب"، هذا بالإضافة إلى أن السعودية كان لها دور كبير في لبنان المعاصر، فمثلا اتفاق الطائف الذي أنهى الحرب الأهلية في لبنان وجمع الفرقاء اللبنانيين، ونظم الوجود السوري في لبنان... إلخ، تم توقيعه في السعودية وبمبادرة من مسئوليها، كما كان للسعودية دور في إعادة اعمار لبنان بعد انتهاء الحرب الأهلية عن طريق الراحل رفيق الحريري.
كل هذه العوامل مجتمعة برأي "عبد العليم" جعلت الكثيرين ينظرون إلى الموقف السعودي من أزمة لبنان الحالية على أنه "هفوة" غير مقصودة ولا يعبر -بالضرورة- عن مواقف المملكة الثابتة من القضايا العربية، إضافة إلى أن السعودية وبعكس كل من مصر والأردن ليس لها علاقات دبلوماسية مع إسرائيل؛ وهو ما يخفف من حدة النقد الموجه إليها، وفي تقديره أن التعديل الذي أجرته المملكة على مواقفها ودفعها لمبلغ خمسين مليون دولار كمساعدات للبنان، و250 مليون دولار كمساعدات للفلسطينيين شكل سندا كبيرا لموقف السعودية على عكس موقف مصر التي لا تملك إرسال مثل هذه المساعدات.
ويرى "عبد العليم" أن هناك حساسية بين السعودية وحزب الله اللبناني المدعوم من إيران، ولكن الموقف المصري لديه أيضا حساسية من كل حماس وحزب الله؛ فهو يرى في حماس امتدادا لحركة الإخوان المسلمين المعارضة، وحساسيته من حزب الله راجعة لموقفه المعروف الذي يرى أن الشيعة العرب ولاؤهم لإيران وليس لأوطانهم.
ويرى -أيضا- أن مسألة التمويل السعودي قد تلعب دورًا في هذه الظاهرة، لكنه دور يصعب قياسه، ويختم قائلا: إن الحساسية القائمة بين السنة والشيعة ينبغي تجاوزها في الوقت الحالي، كما ينبغي تجاوز الفتاوى التي تكرس هذا الانقسام الطائفي.
أما عادل خميس الزهراني، مشرف القسم الثقافي بجريدة "المدينة" السعودية فرأى أن الصمت من الكتاب والمثقفين السعوديين بأنه "تأنٍ لقراءة الواقع"، مؤكدا أنه "ليس صمتا بما يوحي لكلمة الصمت "السلبية" بقدر ما هو تأنٍ في قراءة الواقع، وتأنٍ يشوبه شيء من الحذر الذي سببته الحيرة من الموقف السعودي بادئ الأمر".. مضيفا "هذا عن بعضهم بالطبع".
وأشار أن "هناك من اقتنع بعد أكثر من نظرة بأن موقف المملكة فيه من الوجاهة الشيء الكثير".. موضحا في الوقت نفسه بأن "المثقف عمومًا لم يعد يغير في الشأن السياسي شيئا وخصوصاً في عالمنا العربي".. وبالتالي يكون "الصمت أكثر حكمة من "صراخ" لا يحمل خلفه إلا مزيدا من أبيات العنكبوت".



















