مدارك: بوابة الثقافة والفكر الإسلامي المعاصر "إصدار تجريبي"
أرسل لصديق ||

التأمين العربي: تنافر الإمكانيات والإنجازات!!

إحدى شركات التأمين القطرية
مصر- هناك شبه اتفاق بين أقطاب صناعة التأمين، على أن أسواق التأمين العربية ما زالت ضعيفة وذات إسهام محدود في الناتج القومي العربي.. ورغم أن معظم الدول العربية بدأت برامج التحرر الاقتصادي لإقامة اقتصاديات حديثة، فإن الاقتصاد الحديث لا ينمو أو يتطور دون مساندة من صناعة تأمين كفء توفر الحماية للأفراد والمؤسسات؛ كما تقوم بدورها الهام في تعبئة المدخرات وتراكم رأس المال واستثماره في جميع القطاعات.

ويمكن تصنيف أسواق التأمين العربية طبقًا لحرية الدخول وحجم النشاط إلى أربعة أنواع رئيسية:

الأول: مغلقة أو مملوكة للدولة (سوريا والعراق).

الثاني: احتكارية تسيطر فيها الدولة على غالبية النشاط، مع عدد قليل من الشركات المملوكة للقطاع الخاص (مصر والجزائر وليبيا).

الثالث: مفتوحة محليًّا مع السماح لفروع أجنبية بالعمل كوكالات أو شركات مختلطة يمكن أن يمتلك فيها الأجانب غالبية رأس المال (الإمارات والبحرين والمغرب).

الرابع: حرة (السعودية).

ولا شك أن المسألة لا تعدو مجرد وقت حتى يعم مبدأ المنافسة جميع الأسواق، وسوف تتجه الدول العربية بخُطًا حثيثة للتخلص من ملكيتها لشركات التأمين؛ مدفوعة في ذلك بالتحولات الداخلية التي تشهدها اقتصادياتها؛ والتأثيرات الخارجية التي تفرضها العولمة.

1% فقط مساهمة في الناتج العربي

تقول الإحصائيات الرسمية: إن مساهمة قطاع التأمين في الناتج المحلي الإجمالي العربي لا تتجاوز 1% في السنوات الأخيرة، كما أن متوسط نصيب الفرد العربي من أقساط التأمين لا يتعدى 22 دولارًا.. في الوقت الذي يبلغ فيه المتوسط العالمي 423 دولارًا.

وتعطي تلك الإحصائيات بعض المؤشرات الأساسية على النحو التالي:

1 - تحتكر الشركات الوطنية نسبة 100% من الأعمال في معظم الدول العربية.

2 - حجم الأقساط التأمينية يبلغ ستة مليارات دولار، تمثل1% من الناتج المحلي العربي و0.3% من إجمالي أقساط التأمين في العالم، وفقًا لإحصائيات 1998 (يوجد 400 شركة تأمين وإعادة تأمين عربية).

3 - حصة التأمينات على الحياة لا يتجاوز 15% من إجمالي الأقساط، مقابل 50% في الأسواق التأمينية للدول الصناعية.

4 - عدم الاستغلال الأمثل للطاقة الاستيعابية لسوق التأمين العربية؛ ورغم وجود 15 شركة إعادة تأمين؛ فإن أقساط التأمين المعادة لا تتجاوز 10% من حجم السوق؛ مما يعني وجود تسرب ضخم للأقساط خارج المنطقة.

5 - عدم تحمل قطاع التأمين لمسؤولياته في الأنشطة التي ينحسر فيها دور الدولة، كالتأمين الطبي الذي يعتبر أحد المجالات الواعدة.

6 - عدم الاهتمام بتنمية الموارد البشرية، وحاجة الشركات إلى تطوير برامجها لتهيئة كوادرها للتعامل مع سوق مفتوحة.

لكل ما سبق أصبح من الضروري تنمية تلك الصناعة؛ وحتى يتحقق ذلك لا بد من التعرف على المعوقات التي تحول دون انطلاقها.

معوقات تنمية الأسواق

تتركز معوقات تنمية أسواق التأمين العربية في أنها صغيرة الحجم ومحدودة الإمكانيات؛ كما أنها تتعرض لمنافسة من الشركات العالمية التي تتميز بإمكانيات مالية وفنية عالية جدًّا، ولديها أنظمة متقدمة في كل مجالات التأمين.

ولا تزال أسواق التأمين العربية من الأسواق البكر التي لم تستغل بالكامل، وإن معوقات تنميتها تتمثل في انخفاض مستوى دخل الفرد وارتفاع نفقات المعيشة؛ بسبب ضعف معدلات النمو الصناعي، وعدم توافر القدرات التنافسية للشركات العربية.

كما تعاني سوق التأمين من ارتفاع معدلات النمو السكاني، وانخفاض أسعار المواد الخام، وارتفاع معدلات البطالة، وعدم تنوع القاعدة الإنتاجية، وارتفاع نسبة الأمية، وبالتالي انخفاض متوسط نصيب الفرد من أقساط التأمين، حيث يتراوح ما بين 22 و74 دولارًا في الدول الخليجية، و14 دولارًا في الدول العربية الأفريقية.

ويفتقر السوق العربية إلى جهود تسويق الخدمات التأمينية؛ بسبب عدم وضوح مفهوم التأمين لدى الشركات، وغياب الاهتمام بالبشر في مجال تسويق التأمين، وعدم توافر قنوات اتصال مستمرة مع الجماهير لتزويدهم بالمعلومات التأمينية. كما يعاني من عدم تنوع المنتجات التأمينية، وارتفاع تكلفة الخدمات نتيجة لارتفاع المصروفات الإدارية لتحصيل الأقساط كنسبة من الأجور، وعدم توافر الخبرات الاكتوارية المتطورة، وارتفاع نسبة الضرائب على الأقساط.

هذا فضلاً عن مخالفة بعض الأدوات التأمينية لمبادئ الشريعة الإسلامية، خاصة في مجال التأمين على الحياة.

8 خطوات لتنمية صناعة التأمين

حتى تتحقق التنمية المنشودة لقطاع التأمين لا بد من اتخاذ الخطوات التالية:

أولاً: تنسيق الجهود على المستوى الإقليمي عربيًّا ومحليًّا عن طريق الوزارات والهيئات الرقابية أو الاتحادات والشركات.

ثانيًا: تشجيع التعاون في مجال المعلومات التأمينية، وإنشاء بنك معلومات تأميني، وتبادل عمليات إعادة التأمين بين الأسواق العربية، وابتكار منتجات جديدة، وتوحيد التغطيات التأمينية، وتدريب الكوادر البشرية، وتوحيد أنظمة الرقابة.

ثالثًا: فتح المجال - محليًّا - أمام الاستثمارات الأجنبية خاصة الإنتاجية؛ ووضع السياسات التي تشجع على زيادة طاقة الشركات الاحتفاظية؛ والحفاظ على حقوق المتعاملين معها؛ وتحرير هيكل السوق من خلال الخصخصة.

رابعًا: تنفيذ الإصلاحات المالية والنقدية لتشجيع الاستثمار، ووضع الحوافز الضريبية؛ لتشجيع الأفراد على شراء وثائق التأمين.

خامسًا: تنمية الوعي لدى الجماهير وتزويدهم بالمعلومات عن أنشطة الشركات والمنتجات التأمينية، ومراعاة الشفافية في التعامل معهم فيما يتعلق بالتعويضات والتسعير.

سادسًا: تطوير أساليب التسويق بعد إجراء تقييم شامل للأساليب.

سابعًا: توفير قدر أكبر من التدريب والاستقرار المالي للعمالة الماهرة؛ حتى تتمكن الشركات من المنافسة في حالة تحرير تجارة الخدمات.

ثامنًا: توفير أدوات تأمينية تتفق مع مبادئ الشريعة الإسلامية؛ لاستغلال الطلب المتزايد عليها، وجذب شريحة عريضة تتحرى الحلال في معاملاتها.

ويبقى القول بأن الأمل في تطوير صناعة التأمين العربية معلق إلى حد كبير على مدى الاتجاه نحو دمج هذه الصناعة الحيوية بالصناعة المالية بمفهومها الشامل؛ بمعنى التكامل بين عمل شركات التأمين وخدمات المصارف على غرار ما حدث في الأسواق الدولية.

ونعتقد أنه في إمكان الشركات الاستفادة من التطور الكبير الذي شهدته الصناعة المصرفية العربية، لا سيما على المستوى التكنولوجي وتطوير الكوادر البشرية، مع الإشارة إلى أن شركات التأمين لم تستفد من الرعاية الحكومية التي حظيت بها المؤسسات المصرفية، لكن مهما بذلت شركات التأمين نفسها من جهود، ومهما نجم من تعاون المصارف وربما التحالفات الدولية من إنجازات وتطوير.. فإن العامل الأهم الذي يمكنه أن يؤمّن مستقبل صناعة التأمين العربية يبقى في إيجاد السوق التأمينية التي تسمح للشركات بالعمل في أي بلد عربي أو شراء شركات محلية أو الاندماج بها أو التحالف معها؛ لأن وجود السوق الإقليمية الكبيرة هو الحافز الأهم لقيام الشركات.


صحفي اقتصادي