مدارك: بوابة الثقافة والفكر الإسلامي المعاصر "إصدار تجريبي"
أرسل لصديق ||

مقاطعة السلطة ..خبرة التجربة الإسلامية

دستور مصر.. إلى أين؟
دستور مصر.. إلى أين؟
يحكي التوحيدي في الإمتاع والمؤانسة أنه قيل لأعرابيّ: أتحب أن تُصلب في مصلحة الأمة؟! فقال: لا. ولكني أحب أن تصلب الأمة في مصلحتي!!

يخطئ البعض حين يظنون أن "المقاطعة" في حد ذاتها أمر سلبي!! في حين أنها فعل سياسي في الصميم، ذلك أنها تعبر عن ضرب من الرفض وآلية سلمية، وليست سلبية، للمعارضة تقوم بديلا عن لغة العنف والثورة؛ لذا تنحاز كافة القوى الوطنية إلى المقاطعة كتعبير عن إصرارها وبقائها في الحراك السياسي.


ومن ثم فهي ليست هروبا أو انعزالا عن المجتمع وإنما وسيلة لانتزاع الشرعية عن حدث سياسي خارج عن إطاره الصحيح. فالمقاطعة، بهذا المعنى، تصحيح لمسار خاطئ وأداة لتفجير ما أسماه الراحل سيد عويس بـ"هتاف الصامتين" أولئك الذين يعجزون أمام تسلط الدولة واستبدادها عن المشاركة بفاعلية أكبر لو قدر لهم أن يحظوا بمناخ ديمقراطي حر.


وفي ظل تبني قوى المعارضة المصرية بمختلف توجهاتها ومرجعياتها الأيديولوجية مقاطعة الاستفتاء على التعديلات الدستورية خيارا إستراتيجيا لها، يتبادر إلى الذهن تساؤل حول مرجعية المقاطعة بحد ذاتها، خاصة أن الحزب الحاكم في مصر حشد كافة طاقاته ووظف مختلف قنواته لحمل الناس، ليس على المشاركة كحق يكفله الدستور، وإنما على الموافقة على التعديلات المقترحة.


ومن اللافت للنظر في هذا السياق التوظيف السياسي للدين؛ فتصريحات القيادات الدينية في مصر سواء شيخ الأزهر أو المفتي أو البابا شنودة تصب أساسا في خانة الدعوة إلى المشاركة؛ حتى إن بعضهم اعتبر عدم التصويت نوعا من "كتمان الشهادة"، ومن ثم فإن القول بأن من يقاطع الاستفتاء على التعديلات الدستورية يعد آثما وكاتما للشهادة، ينبئ عن سوء فهم لطبيعة المشاركة السياسية، وإلا: فكيف يوافق المواطن أيا كان دينه على قوانين تسمح للسلطة بانتهاك حرماته جهارا نهارا؟ ولمصلحة من يذهب إلى صندوق الاقتراع ليقول نعم؟ هل يتعلق الأمر بالمشاركة بغض النظر عن اختيار المشارك أم يتجاوز ذلك إلى البحث عن شرعية لمواد غير شرعية؟!.


في الحقيقة إن اتهام المقاطعة بالسلبية لا يعبر إلا عن التخوف من النتيجة السلبية للمقاطعة لدى هؤلاء، فقد كانت، وستزال، فعلا إيجابيا لجأت، وستلجأ إليه، كل الحركات الوطنية طوال تاريخها وهي تتأسس وفق وجهة نظر سياسية وليس استنادا إلى إملاء ديني وُظف سياسيا!!


ويخيل للبعض أن المقاطعة مفهوم غربي ليس له جذوره التاريخية الإسلامية، شأنه في ذلك شأن المفاهيم الحداثية الأخرى كالليبرالية والديمقراطية والمواطنة وغيرها. إلا أنها موجودة وبقوة في الفكر السياسي الإسلامي بصورة خاصة، مع إقرارنا بأن التجربة السياسية الإسلامية لم تعتمد "الانتخاب" مبدأًً في تقرير، والتنصيص على، قوانينها التشريعية. ومع ذلك، كانت مقاطعة السلطة نهجا لازم، ليس فقط قوى المعارضة السياسية في الإسلام، وإنما ممثلي السلطة الدينية والثقافية بصورة خاصة.



في البدء كانت المقاطعة!!

ما إن توفي النبي (صلى الله عليه وسلم) حتى تساءل صحابته عمن يخلفه في شئون الدنيا والدين، ويذكر المؤرخون أن أول مبادرة تمت في هذا السياق كانت بطلب العباس بن عبد المطلب من علي بن أبي طالب أن يبسط إليه يديه ليبايعه فيقال: عم رسول الله بايع ابن عم رسول الله، فأجابه علي: ومن يطلب هذا الأمر غيرنا!!. بيد أن علي تشاغل بمراسم الدفن في الوقت الذي دار فيه النقاش حول الخلافة في سقيفة بني ساعدة، والذي أسفر في النهاية عن مبايعة أبي بكر الصديق إثر مبادرة الفاروق رضي الله عنهما. وكان النقاش سياسيا محضا يحتكم إلى ميزان القوى السياسية/الاجتماعية (القبيلة)؛ لأن العقيدة كانت تمثل نقطة تماس وتساو بين المهاجرين والأنصار، على حد سواء.


ومع ذلك، تحفظ البعض على اختيار أبي بكر؛ وهو ما أدى إلى "مقاطعة" نتائج "الاستفتاء" الذي أقصى عليًّا من الخلافة، حيث امتنع كل من: علي وفاطمة والعباس والزبير بن العوام وبعض الصحابة، كالمقداد وسلمان الفارسي وأبو ذر وعمار بن ياسر... وغيرهم عن قبول نتائجه. وبغض النظر عن إعلان البعض منهم مبايعة أبي بكر للحفاظ على المصلحة العامة، فإن الموقف بحد ذاته جسد، ولأول مرة، فكرة المقاطعة تجسيدا واقعيا وهو ما تطور لاحقا معبرا عن نفسه في ممارسات وأشكال مختلفة.



تطور المقاطعة تاريخيا

ارتبط ظهور المثقفين في الإسلام بالسلطة كما ارتبطت "المقاطعة" بالموقف منها، وبعد أن كان الأمراء هم العلماء في صدر الإسلام، استأثر الأمراء بالسلطة، فيما تمسك العلماء بالرأي، حدث ذلك، أول ما حدث، إبان الفتنة، حيث قرر جماعة من الصحابة المجاهدين "المقاطعة" والامتناع عن الانخراط في الصراع القائم بين علي ومعاوية مرجئين أمرهما إلى الله، مبتعدين عن اتخاذ موقف عملي ينحاز إلى هذا الفريق أو ذاك، غير خاضعين لتأثير "القبيلة" ولا لمفعول "الغنيمة". فهل كان هؤلاء آثمين وكاتمين للشهادة أو انعزاليين وسلبيين أم أنهم قاسوا الأمر وفق سياق الأحداث التي أفرزته وبنوا موقفهم إزاءه استنادا إلى رؤية ذاتية تحول دون الانصياع لتحقيق مصالح شخصية وتضع فوق كل اعتبار مصلحة الأمة المهددة بالتشرذم والانقسام؟ وقد كان!!


فقد بدا واضحا لهؤلاء، على اختلاف مشاربهم وتنوع توجهاتهم، أن الأمة ماضية في طريق التضحية بالشريعة لأجل السلطة وأن الحوادث المستقبلية ستمضي في الدرب ذاته، وأن الصراع لم يكن في الأساس سياسيا مجردا، وإنما كان يتم باسم الدين وفي إطاره، وليس غريبا، والحالة هذه، أن يقول سعد بن أبي وقاص: لا أقاتل حتى تأتوني بسيف له عينان ولسانان وشفتان، فيقول هذا مؤمن وهذا كافر. ويذكر التنوخي اعتزال جماعة من الصحابة على رأسهم: سعد بن مالك، وعبد الله بن عمر، ومحمد بن سلمة الأنصاري، وأسامة بن زيد، عليًّا -كرم الله وجهه-وامتناعهم عن محاربته أو المحاربة معه بعد دخولهم في بيعته والرضا به؛ إذ يعبر بالاعتزال هنا عن "المقاطعة".


وتكرر الأمر ذاته مع حادثة تنازل الحسن بن علي لمعاوية، والتي أثارت العديد من التساؤلات حول أسباب هذا التنازل ومشروعيته، ومن ثم قاطع جماعة من الصحابة والتابعين الصراع السياسي، واعتزلوا الحسن ومعاوية وجميع الناس وقالوا: نشتغل بالعلم والعبادة فسموا بذلك معتزلة على حد تعبير الملطي. وبهذا أصبحت المقاطعة أسلوبا ونهجا متبعا ضد السلطة القائمة، وكان الأغلب على الجيل الأول من مثقفي الإسلام مقاطعة السلطة والالتزام بقضايا الجمهور والتمسك بمبادئ العدالة الاجتماعية ومعارضة السلطة ومجابهتها؛ لأن "الله أخذ على العلماء ألا يقاروا على كِظة ظالم ولا سغب مظلوم". فيما يقرر الإمام علي.


كانت "المقاطعة" إذًا جزءا لا يتجزأ من ماهية المثقف تُنتقص به صفته كمثقف إذا تساهل فيها، وفي الوقت الذي كانت تتوطد علاقة المثقفين بالرعية، في مقابل ذلك، كانت تتوتر علاقتهم بالخليفة وممثلي السلطة السياسية. ولاحقا تبلورت، مع انتصاف القرن الثالث الهجري، فئتان من مثقفي الإسلام شغلتا القرون اللاحقة، وهما
المتصوفة والفلاسفة، حيث يعبر الأقطاب عن النهج الأشد تكاملا للتصوف في منحاه الاجتماعي والسياسي المعارض.



أشكال المقاطعة

أدت نتائج الفتوحات الإسلامية إلى مزيد من الشعور بالاغتراب وحدوث تفاوت طبقي كبير بين المسلمين؛ لذلك اتخذ بعض المتمسكين بالمثل العليا للدين موقفا "مقاطعا" لهذه الحياة الجديدة. معبرين عن حالة من الرفض السياسي وآلية من آليات الدفاع ضد الهدر والغبن والإقصاء والتهميش من خلال الاحتماء بالمقدس والتماهي مع رموزه والحنين إلى ماض مثالي واغتراب عن الحياة الاجتماعية الزائفة الجارفة، والنظام الاجتماعي/السياسي غير العادل، فقاطعوا السلطة في أدق التفاصيل المتعلقة بها، ويروى أنه انفتق كُم في قميص رابعة العدوية فخاطته في ضوء مشاعل السلطان (مواكبه المضاءة تمر ليلا) ففقدت قلبها زمانا، ثم تذكرت فعلها ففتقت الكم، فعاد إليها قلبها!!


وكانت المقاطعة تعتمد آليتين متكاملتين، وهما:

أولا: خط المبادئ الأساسية والقواعد المذهبية الثابتة، والعمل على تجسيدها من خلال التنشئة الروحية والسياسية والتوعية والقيام بحق المسئولية الاجتماعية.


ثانيا:
خط المواقف التكتيكية والتي تتأزم لدرجة الخروج على السلطة ومقاطعتها ومعارضتها في أغلب الأحوال، أو التصالح معها والتعاطي معها، ولو كنوع من "التقية".


كما تتفاوت أشكال المقاطعة ما بين رفض مصاهرة السلطة مثلما حدث مع سعيد بن المسيب، أو رفض وظائفها، وهو أمر يكاد يصل حد الإجماع باستثناء بعض الحالات الخاصة، كتولي الحسن البصري القضاء لفترة وجيزة في عهد عمر بن عبد العزيز، وكذلك رفض أموالها وهو أمر متفق عليه في أوساط المعارضين، أو نقد سلوك الخلفاء وحاشيتهم ويكاد ينتظم في هذا الإطار أغلب ممثلي السلطة الدينية بصفة خاصة.


ظلت المقاطعة اتجاها رسميا لقوى المعارضة في الإسلام، وحين دخل مالك بن دينار على بلال بن أبي بردة والي البصرة للأمويين، قال له بلال: ادع الله لي. فأجاب: ما ينفعك دعائي لك وعلى بابك أكثر من مائتين يدعون عليك!!.


وكان إذا دعي إلى وليمة أو مأدبة يشترط ألا يكون بها أحد من أفراد السلطة، وفيما أخبر النبي (عليه السلام) أن تبسم المسلم في وجه أخيه صدقة، يقرر سفيان الثوري أن من تبسم في وجهظالم [صاحب سلطة] أو أخذ من عطائه؛ فقد نقض عرى الإسلام وكتب من جملة أعوان الظلمة!!. وتمادى في مقاطعته السلطة لدرجة أنه حرم النظر، مجرد النظر، إلى أبنية الظلمة، يقول يحيى بن يمان: كنت أمشي مع سفيان فنظرت إلى باب قصر مشيد فجذبني سفيان حتى جزت. فقلت: ما تكره من النظر إلى هذا؟ فقال: إنما بنوه لينظر إليه، ولو كان كل من مر به لم ينظر إليه ما بنوه.


إن الأمر يتعدى هنا مجرد الإسراف بمعناه المتعارف عليه، إنه يرى في بناء القصور تعديا وعدوانا من قبل الأغنياء على حقوق المعوزين والفقراء. وهو أمر أكده الشعراني والذي كان لا يستظل بالسباط الذي بناه السلطان الغوري بين مدرسته وقبته الزرقاء ويعمم موقفه هذا بقوله: وكذلك الحكم في جميع عمارات الظلمة [أي أصحاب السلطة].


ويحكي التادلي عن علي بن الصباح قوله: أتيت عبد الله بن داود فسألته عن سُكنى بغداد [دار الخلافة] فقال: لا بأس. قلت: فإن سفيان الثوري كان لا يدخلها. فقال: سفيان يكره جوار القوم وقربهم. [أصحاب السلطة الظلمة] قلت: فابن المبارك؟ قال: كان كلما دخلها، تصدق بدينار.!! فعاصمة السلطان ومحل إقامته أدعى للافتتان، ولا يجوز الإقامة بها ومجاورتهم إلا على وجه الاضطرار، وهو ما عبر عنه بشر بن الحارث بقوله: بغداد ضيقة على المتقين؛ وما ينبغي لمؤمن أن يقيم بها. قال أحمد بن يوسف: فقلت له: هذا أحمد بن حنبل، فماذا يقول؟ قال: يقول: دعتنا الضرورة إلى المقام بها، كما دفعت الضرورة المضطر إلى أكل الميتة!!.


وقد رد أحد القضاة شهادة رجل لأنه حضر مائدة السلطان. فقال له: كنت مكرها. فقال: رأيتك تقصد الأطيب [من الأطعمة] وتكبر اللقمة!!. ويورد الغزالي في الإحياء، أن عسكريا سأل عثمان بن زائدة عن الطريق، فتصامم، خشية أن يكون متوجها إلى ارتكاب مظلمة فيكون قد أعانه بإرشاده إلى الطريق، وقد علق الغزالي على ذلك بقوله: إن هذه المبالغة لم تنقل عن السلف مع الفساق ولا مع الكفار، وإنما هي للظلمة خاصة. لأن المعصية تنقسم إلى: لازمة ومتعدية، والفسق لازم لا يتعدى، وكذا الكفر، وأما ظلم الولاة فهو متعد. وفي تعليقه على حديث النبي (عليه السلام) الذي يقول فيه: لا ينبغي لامرئ شهد مقاما فيه حق إلا تكلم به فإنه لن يقدم أجله ولن يحرمه رزقا هو له، يقرر أن هذا الحديث يدل على أنه لا يجوز دخول دور الظلمة [أصحاب السلطة] والفسقة.


وقد تاه أبو بكر الدقاق في سيناء مرة، ثم اهتدى إلى الطريق فلقي عسكريا فسقاه شربة ماء، فعادت قسوتها على قلبه وتألم ثلاثين عاما. مرجعا قسوة قلبه لأن عنصرا عسكريا امتزج بجسمه فأفقده رحمة المتصوف بالخلق.


لا تقتصر مقاطعة السلطة إذن على جانب دون آخر، وإنما تكاد تشمل كافة مناشط الحياة، وكان لأحد المتصوفة شاة أكلت شيئا يسيرا من علف لبعض أمراء الكوفة، فما شرب من لبنها قط!!. وكان طاووس بن كيسان إذا خرج من اليمن لم يشرب إلا من تلك المياه القديمة الجاهلية، وذلك يرجع إلى مقاطعته جميع ما أقامه الأمويون من مرافق عامة ومنها الآبار وخزانات المياه!!. ويذكر السمرقندي في بستان العارفين أن البقر إذا ذبح لأجل الأمير يكره أكله إلا للسجناء!!. وهكذا تأتي مقاطعة السلطة من خلال إعلان رفض المقاطعين لكل ما يقع في تماس معهم من جانب السلطة القائمة: عطاء ومنصبا وجاها ومصاهرة وصحبة وسلوكا.

لذا لا يتأسس موقف المعارضة المصرية على فراغ، وإن كانت بعض القوى تنطلق من مرجعيات مختلفة مع التجربة التاريخية للإسلام، فإن استحضار هذه النماذج والرجوع إليها من شأنه أن يكسب الحراك السياسي الحالي مشروعية في ظل الانهماك الجاري وراء المصالح الشخصية على حساب مصلحة الأمة.


حاصل على دكتوراه في الفلسفة الإسلامية ومدير تحرير مجلة رواق عربي.