مدارك: بوابة الثقافة والفكر الإسلامي المعاصر "إصدار تجريبي"
أرسل لصديق ||

هوامش على الرسوم المسيئة

الرسوم أثارت غضب المسلمين
الرسوم أثارت غضب المسلمين

أفرزت سَوْءة الصور المبتذلة للنبي محمد -صلى الله عليه وسلم- عددا من المشكلات التي تتوزع بين السياسي والديني والحقوقي والثقافي بل وربما الحضاري. فالأزمة يمكن أن تُقرأ من زوايا عديدة، نكتفي هنا بالإشارة إلى عناوينها العريضة:

فعلى المستوى الديني تثور مسألة العلاقة بالمقدسات الدينية، ومنها أشخاص الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم، بدْءًا من تصويرهم وانتهاء بشكل تلك الصور إيجابًا أم سلبًا.

طالع: تجسيد أشخاص الأنبياء والصحابة

ويجب الإشارة هنا إلى أن الرسوم السلبية لشخص النبي صلى الله عليه وسلم ليست جديدة ولا مبتكرة، فقد وقفت على رسوم عديدة قديمة ربما يعود بعضها إلى القرن الثامن عشر. وأحسب أن بدايات ذلك تعود إلى عهد الحروب الصليبية وما رسخته من صور نمطية عن هؤلاء "الآخرين" الأعداء.

طالع: الهجوم على الإسلام ونبيه: الدوافع والخلفيات

وعلى المستوى الحقوقي، فإن ثمة إشكالية معقدة لا تزال تثور بين الفينة والأخرى في وجه أزمات متكررة، سبق أن طاولت أزمة بعض الصور في مصر لأحد رجال الكنيسة، والآن تطاول أزمة صور بالغة السلبية للنبي صلى الله عليه وسلم، كما أنه سبق تصوير السيد المسيح عليه الصلاة والسلام ومن قبل ذات الصحيفة الدانماركية التي اعتذرت بعدها لقرائها احترامًا لمشاعرهم، وقع ذلك قبل ثلاث سنين. الإشكالية المثارة هنا هي العلاقة بين حرية التعبير والمقدسات الدينية، فهل حرية التعبير شيء مقدس يعلو فوق كل مقدس، أم أنه يقف عند حد؟ وماذا عن الإساءة إلى الآخرين شكلاً ومضمونًا؟

طالع: الحق في التعبير.. والثوابت الدينية

وعلى المستوى الثقافي فلا يمكن عزل أزمة الرسوم تلك عن السياق الأوربي وعلاقته بالإسلام وبالمسلمين المتكاثرين في محيطه، ومشكلة الاندماج التي تصحو بين فترة وأخرى، ومن هنا رأت إحدى المعلقات في صحيفة الإندبندنت أن الهدف الحقيقي لهؤلاء الفرسان التحرريين الذي نشروا تلك الرسوم هو البرهنة على أن المسلمين لا يمكن أن يمثلوا جزءا من أوربا, لأنهم -حسب رأيهم- رجعيون بدرجة تجعلهم يستهجنون رسم نبيهم وهو يحمل قنبلة في عمامته!. وهذا ما يؤكده الإلحاح في أكثر من دولة وجهة على إعادة نشر تلك الرسوم نفسها بل والزيادة عليها!.

إلى ذلك، فإنه لا يمكن إغفال أن الثقافة الغربية في مجملها ثقافة مادية، لم تبقِ على مقدس يوازي مقدس حرية التعبير، باستثناء الهولوكست اليهودي الذي يكاد يكون المقدس الوحيد في الثقافة الغربية الذي لا تطاوله حرية التعبير. وهنا يبدو بوضوح البون الشاسع بين الطرحين الغربي والإسلامي لفكرة حقوق الإنسان.

طالع: حقوق الإنسان.. بين الطرحين الغربي والإسلامي

وعلى المستوى الحضاري، فإن الصحفيين الأوربيين المؤيدين للرسوم نجحوا في الحصول على ما كانوا يصبون إليه من صراع مفتوح بين المسلمين وأوربا, فالمحرر الثقافي للصحيفة الدانماركية التي نشرت تلك الرسوم لم يكن يريد تمرير رسالة ذات معنى مفيد من خلالها, بل كان يلهث وراء الإثارة وإغضاب الآخرين وتزكية الصدام مع الآخرين وبوعي كبير يدل عليه ذلك الإصرار والتكرار في النشر الذي شمل عددًا من الدول!.

المستوى الذي يبدو غريبًا الحديث فيه في خضم هذا كله، وهو لعبة الدين والسياسة؛ حيث كان موسم الهجوم على النبي صلى الله عليه وسلم، وموسم الغضب له، كلاهما كانا فرصة استثمارية لا تعوض لعدد من الأنظمة العربية التي كادت تستنفد ما تبقّى لها من شرعية سياسية في سياق رصيدها الغني من الفشل والتصرفات الخاطئة، فأفسحت المجال للجماهير الغاضبة لتدمر وتحرق ولتفرغ احتقانها في هذه الأزمة، وهي أشبه بالمعارك الآمنة التي لا ضير -في نظر تلك الأنظمة- من خوضها بكامل الحرية ما دامت لا تضر بها!.


كاتب وباحث سوري