سمير القنطار.. عميد الأسرى اللبنانيين
إنه الأسير العربي سمير قنطار أقدم أسير لبناني، أمضى 28 عاما في السجون الإسرائيلية، والذي من أجله قام حزب الله بعمليته الأخيرة "الوعد الصادق" التي كانت تحمل اسمه قبل أن يتغير إلى الاسم الأخير.
ولد في 22 يوليو عام 1962 في بلدة عبيه، وهي بلدة ذات موقع إستراتيجي هام يشرف على العاصمة بيروت، تلقى علومه الأولى في مدارس البلدة، وتميز منذ صغره -وبشهادة الكثيرين من رفاقه- بشجاعة وحماس منقطع النظير، ويروى أنه كان يضع تحت إحدى صوره عبارة "الشهيد سمير القنطار".
شارك في التصدي والقتال ضد قوات الاحتلال في جنوب لبنان (الطيبة) إبان الاجتياح الإسرائيلي الأول للبنان عام 1978، وحاول القيام بعملية عسكرية ضد العدو الإسرائيلي عن طريق الحدود الأردنية في منطقة بيسان، واعتقل هناك لمدة سنة من تاريخ 31-1-1978 وحتى 25-12-1978.
عملية نهاريا
بتاريخ 22 إبريل 1979 نفذ عملية القائد جمال عبد الناصر مع ثلاثة من رفاقه هم: (عبد المجيد أصلان) و(مهنا المؤيد) و(أحمد الأبرص)، وكان سمير قائد العملية برتبة ملازم في جبهة التحرير الفلسطينية، واخترقت المجموعةُ راداراتِ العدو وترسانة أسلحته، منطلقة من شاطئ مدينة صور بزورق مطاطي صغير من نوع (زودياك) معدل ليكون سريعًا جدا، وكان هدف العملية الوصول إلى مستوطنة نهاريا واختطاف رهائن من الجيش الإسرائيلي؛ لمبادلتهم بمقاومين معتقلين في السجون الإسرائيلية.المميز في عملية نهاريا أن المجموعة استطاعت اختراق حواجز الأسطول السادس، وأخفوا الزورق عن الرادار وحرس الشاطئ.
بدأت العملية في الثانية فجرا، واستمرت حتى ساعات الصباح، ووصلت المجموعة إلى شاطئ نهاريا، حيث توجد أكبر حامية عسكرية إسرائيلية.
اقتحمت المجموعة إحدى البنايات العالية التي تحمل الرقم 61 في شارع جابوتنسكي، وانقسمت المجموعة إلى فرقتين اثنتين، واشتبكوا في البداية مع دورية للشرطة، وحاولوا الدخول إلى منزل يملكه (أمنون سيلاع) يقع على الشاطئ مباشرة، وبعد ذلك اشتبك أفراد العملية مع دورية شرطة إسرائيلية، فقتل الرقيب "إلياهو شاهار" من مستوطنة معلوت، وبعدها استطاعت المجموعة أسر عالم الذرة الإسرائيلي "داني هاران" واقتادوه إلى الشاطئ.
وقعت المعركة الرئيسية عند الشاطئ عندما حاول سمير الاقتراب من الزورق وفي هذه المعركة استشهد أحد رفاقه، وأصيب رفيقه الآخر بجراح بالغة، كما أن سمير أصيب بخمس رصاصات في أنحاء جسده كافة، وبعد أن استقدمت قوات العدو وحدات كبيرة من الجيش دارت اشتباكات عنيفة إثر احتماء سمير وراء الصخور، ونجح سمير بإطلاق النار على قائد قطاع الساحل والجبهة الداخلية الشمالية في الجيش الإسرائيلي الجنرال "يوسف تساحور"؛ حيث جرح بثلاث رصاصات في صدره ونجا بأعجوبة، وكانت الحصيلة النهائية للعملية ستة قتلى من بينهم عالم الذرة داني هاران، واثنا عشر جريحا.
أما أفراد العملية فلقد استشهد منهم اثنان هما عبد المجيد أصلان ومهنا المؤيد، واعتقل سمير القنطار وأحمد الأبرص، ولقد أطلق سراح الأبرص عام 1985 على إثر عملية تبادل للأسرى، ونقل الأسير سمير القنطار وهو ينزف دما إلى شاطئ نهاريا للتحقيق معه حول ظروف العملية التي نفذها وأهدافها.
تعذيب يفوق الخيال
التعذيب الذي تعرض له سمير القنطار يصفه بأنه أشبه بقصص الخيال التي لا يمكن أن يصدقها الناس أو يتصورها العقل البشري، وفي رسالة من داخل سجنه شرح سمير قصة تعذيبه قائلاً: "لقد صلبت عاريا على حائط، وبدأ جنود الاحتلال يتدربون فن القتال على جسدي، بقيت تحت الشمس أيامًا وليالي واقفا ويداي للأعلى مقيدة بالحائط ورأسي مكسو بكيس من القماش الأسود الذي تنبعث منه رائحة نتنة. بعد حفلة التعذيب هذه كبلوا جسدي بالجنازير، وألصقوا بأذني مكبرات للصوت، ومنها تدوي صافرة في الرأس، حتى فقدت الشعور والإحساس بالوجود. أقسى ما عانيته عندما وقعت جريحًا، وبدأت عمليات استئصال بعض الرصاصات من جسدي؛ حيث كنت شاهدًا على مشهد استئصال تلك الرصاصات؛ لأنهم لم يعطوني مادة مسكنة للألم، وعندما حاولت الصراخ من الألم أغلقوا فمي، وكلما كنت أحضر للعيادة في السجن للتغيير على الجرح كان الطبيب يدخل إصبعه في الجرح بحجة أن عليه أن يتأكد من عيار الطلقات التي اخترقت جسدي، وفي أثناء التحقيق كنت أجلس أمام المحقق مكبل اليدين والقدمين، ويطفئ المحقق سجائره في يدي. بقيت في زنزانة طولها نصف متر وعرضها نصف متر وسط الظلمة لا أعلم متى يبدأ النهار ومتى ينتهي الليل".
بتاريخ 24 إبريل 1979 عرض رئيس الوزراء الإسرائيلي "مناحيم بيجن" على لجنة الشئون الخارجية والأمن في الكنيست الإسرائيلي مشروع قرار يقضي بإلغاء قرار سابق اتخذه مجلس الوزراء بعدم فرض عقوبة الإعدام على الفدائيين، ولقد أيده في ذلك "عزرا وايزمان" وزير الخارجية و"حاييم لاندو" وزير المواصلات، كما طلب "إبراهام شارير" رئيس الجناح البرلماني الليكودي تطبيق الإعدام، وكذلك أصدر "إسحاق شامير" بتاريخ 25-4-1979 تصريحًا يؤيد تطبيق الإعدام بحق منفذي عملية نهاريا، كما أعلن بيجن خلال تشييع قتلى عملية نهاريا "أنه بخصوص الفدائي سمير القنطار، فإننا نفكر بانتقام لم يخترعه الشيطان". ولقد كان لعملية نهاريا ردود فعل واسعة وكبيرة داخل الأراضي المحتلة؛ حيث إن سكان الجليل الأعلى والجليل الغربي ناموا في الملاجئ لأكثر من أسبوع على إثر العملية.
حاول الإسرائيليون بشتى الوسائل تطبيق عقوبة الإعدام بحق الأسير سمير القنطار، ولقد وافقت الحكومة الإسرائيلية بكامل أعضائها على مشروع قانون بهذا الصدد، إلا أن الإسرائيليين وجدوا أنفسهم أمام معضلة قانونية؛ حيث إن القانون الإسرائيلي لا يسمح بالإعدام، والاستثناء الوحيد كان في تطبيق الإعدام بحق النازيين في الحرب العالمية الثانية.
عزم الإسرائيليون تخفيف الحكم إلى خمسة مؤبدات كعامل سياسي يساهم في تعزيز العلاقات مع مصر، وكي لا يكون هناك إحراج قانوني أو مطالبة سياسية بتخفيف الحكم، وفي 28 يناير من عام 1980 حكمت المحكمة الإسرائيلية المركزية في "تل أبيب" على الأسير سمير القنطار بخمسة مؤبدات أضيف إليها 47 عاما؛ أي ما يعادل 542 عاما، وهو حكم مجحف وخيالي، وتبغي إسرائيل من ورائه إبقاء سمير القنطار في سجونها حتى الموت.
مناضل خلف القضبان
خاض سمير القنطار نضالات عديدة من داخل المعتقل للحصول على الحد الأدنى من شروط العيش الإنسانية، ولقد كان بشهادة الأسرى الذين تحرروا وسبق لهم أن رأوه في المعتقل قوي العزيمة ذا معنويات عالية جدا، وتميزت رسائله الكثيرة بهذا الجو من المعنويات؛ حيث يقول بأنه "بالرغم من السنين الطويلة التي قضاها داخل المعتقل ما زال مرفوع الرأس، صامدا بشرف ورجولة يعتز بهما كثيرا".خاض سمير عشرات الإضرابات عن الطعام، ويعد أحد رواد الحركة الأسيرة العربية داخل السجون التي تخوض يوميا معارك البطون الخاوية من أجل تحسين شروط العيش الإنسانية داخل المعتقل، وهو حاليا عضو قيادي في اللجنة الوطنية للأسرى داخل معتقل نفحة، وهي اللجنة التي تقوم بالتفاوض مع إدارة السجن ومديرية السجون.
بعد إضراب عن الطعام دام 19 يومًا انتزع سمير حقه مع رفاقه الأسرى في التعلم بالمراسلة من داخل سجنه، وبعد جهود كبيرة ومتواصلة ومتعبة سمح له في عام 1992 بالالتحاق بجامعة تل أبيب المفتوحة، وهي تسمح بانتهاج أسلوب التعلم عن بعد، وقد تخصص بمادة العلوم الإنسانية والاجتماعية، وأنهى دراسة الإجازة في يونيو عام 1997، وبعد أن أنهى المواد المطلوبة منه كتب بحثين إضافيين إلى المواد بعنوان "المفاجآت العسكرية في الحرب العالمية الثانية"، والثاني بعنوان "تناقض الأمن والديمقراطية في إسرائيل"، وفي يوليو عام 1998 طلب الأسير سمير القنطار متابعة دراسته العليا في جامعة خاصة موجودة في إسرائيل، ولكن إدارة السجن رفضت طلبه معتبرة أنه لا يمكنه الدراسة إلا في جامعة عبرية كي تراقب مضمون المواد، وهو حاليا يحاول متابعة دراسة الماجستير في مادة "الديمقراطية"، وتجاوز العقبات التي وضعتها مديرية السجون وهو يقول: "ما دام الإسرائيليون مصرين أن أبقى هنا فلا مانع لدي من إكمال دراسة الدكتوراة".
ويعاني سمير القنطار -من الناحية الصحية- من مرض الربو، ومن رصاصة لا تزال مستقرة في رئته اليمنى، وهي تهدده دائمًا بخطر كبير، كما لم يسمح لعائلته بلقائه منذ اعتقاله في 22-4-1979.
كرامة أسير
سمير القنطار الذي يعتبر بأنه لو أدى به الأمر إلى قضاء ربع قرن آخر داخل السجن فلن يوافق على توقيع رسائل اعتذار لأهالي قتلى عملية نهاريا الشهيرة، أو يقدم اعترافا يعلن فيه ندمه على ما فعل، ويقول أيضًا: "أنا لست نادما إلا على شيء واحد هو أنني منحت في عام 1979 شرف الدفاع عن أمتي، ولكني حرمت من فرصة الدفاع عن بيتي وأهلي وأرضي ووطني في أثناء الاجتياح الإسرائيلي عام 1982".
كما أنه رفض في فبراير عام 2003 عرضا قدمته إدارة السجون الإسرائيلية على الأسرى الذين قضوا في السجون الإسرائيلية فترة تزيد عن العشرين عاما أن يتقدموا بطلب خطي للنظر في إطلاق سراحهم على أن يشرحوا فيه الأسباب الشخصية التي تدفعهم إلى التقدم بطلب إطلاق سراحهم. ولقد رفض الأسير القنطار التقدم بهذا الطلب؛ لأنه يرفض رفضًا قاطعًا تغليب الطابع الشخصي على الموضوع، وأعلن القنطار أنه لا يزال على موقفه القائل بأن سنوات العمر التي أفناها في سجون العدو الصهيوني كانت من أجل فلسطين، قضية وشعبا.


















